; احفظ قرشك الأبيض | مجلة المجتمع

العنوان احفظ قرشك الأبيض

الكاتب أ. د. زيد بن محمد الرماني

تاريخ النشر السبت 30-أبريل-2011

مشاهدات 59

نشر في العدد 1950

نشر في الصفحة 55

السبت 30-أبريل-2011

ما الادخار ؟!.. بداية أقول: إن الادخار - وكما يرى الاقتصاديون - هو ذلك الجزء المتبقي أو المقتطع من الدخل بعد الاستهلاك، بمعنى أن الدخل - عندهم - يتوزع على الاستهلاك والادخار بصفة عامة.

ولذا، قيل: الادخار اقتطاع من الدخل لاستهلاك مستقبلي، تمييزا له عن الاكتناز» الذي يعني الاقتطاع النقدي الموجه لتجميد الأموال وحبسها عن التداول دون استثمار.

كما إن الادخار يتمايز عن «الاحتكار»، من حيث إن الاحتكار ينصب على حبس الأموال تربصا بغلاء الأسعار.

 وعليه، فإن الاكتناز والاحتكار ظاهرتان اقتصاديتان سلبيتان ضارتان، جاء التهديد الشديد، والنهي الأكيد عنهما، كما في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا فِي سَبيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ (التوبة 34) ، وفي قوله : «الجالب مرزوق، والمحتكر ملعون».

أما الادخار فهو محمود ومرغب فيه، كما في حديث رسول الله ﷺ: « كلوا وادخروا»، والحديث الآخر: «لأن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون أيدي الناس».

إن الادخار - وفي هذا العصر خاصة – يتأكد لأهمية الاحتياط وتغطية النفقات الطارئة والظروف المفاجأة، وسداد المستحقات المالية للآخرين، وتوفير فرص الحياة الكريمة للشباب وأهليهم.. فالله عز وجل في كتابه العزيز يأمر عباده بالتوازن» قال تعالى: ﴿ ولا تَجْعَلْ يَدَكَ مغلولة إِلَى عُنُقكَ وَلَا تَبْسُطُهَا كُلَّ الْبَسْطُ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا ﴾ (الإسراء 29)، وفي هذه الآية دعوة صريحة لترشيد الإنفاق الاستهلاكي وهذا في صالح كمية الادخار المتبقي من الدخل بعد الاستهلاك.

ويقول سبحانه مادحاً عباده المؤمنين بالقوام»: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذلك قوَامًا ﴾ (الفرقان67)، وفي هذه الآية إشارة أكيدة للاعتدال وأهميته في النفقات الاستهلاكية خاصة، وهذا يعني فرصة لتكبير الادخار وحجم المدخرات.

ويقول تعالى ناهياً عباده عن الإسراف والتبذير ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا﴾ (الأعراف 31)، ﴿ ولا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا ﴾ (الإسراء 26)، وفي هذه الآيات توجيه رباني بعدم المبالغة في الإنفاق، وهذا في صالح المدخرات.

بيد أنه يحسن الإشارة إلى حقيقة عصرية ألا وهي صعوبة الادخار في عصر المجتمع الاستهلاكي وعند أرباب العقلية الاستهلاكية ومن ترسخت في نفوسهم الثقافة الاستهلاكية غير الرشيدة.

إضافة إلى أن هناك التزامات وحقوقاً للناس في ذمم الشباب، سواء في شكل ديون أو أقساط أو مستحقات، لا تمكنهم من أن يكونوا قادرين على الادخار.

ثم إن المستلزمات الأسرية والأعباء الاجتماعية تشكل ضغطاً غير خفي على ميزانية البيت، مما يجعل رب الأسرة في حرج وضيق من صعوبة التقيد بميزانية محددة.

وإذا أضفنا إلى ما سبق عنصراً مهماً ألا وهو حجم الدخل النقدي وكميته، كعامل مؤثر في قدرة الشخص على الادخار.. فإننا لا نبالغ إذا أكدنا حقيقة تيسير الدخل المرتفع نسبيا على صاحبه مهمة الادخار.

ما فائدة الادخار ؟!

 إن الادخار يمكن صاحبه من أن يكون رشيداً متوازنا معتدلا في شرائه وإنفاقه واستهلاكه وأخذه وتوزيعه وتعاملاته الاقتصادية الأخرى.

ومن خلال ما يتوافر من مدخرات نقدية يمكن للشاب أن يغطي التزاماته وديونه

ومستحقات الآخرين، كما يمكنه أن يوفر بعض المستلزمات الترفيهية.

كما أن الشاب مطالب ديناً وعرفاً بأن يكون مستكفياً عن الآخرين، لديه من الفوائض ما يساعد به إخوانه المحتاجين، يقول رسول الهدى عليه الصلاة والسلام: «اليد العليا خير من اليد السفلى».

كيف ندخر ؟!

إن الأمر غاية في الصعوبة لضعف القدرة الادخارية لدى قطاع عريض من شباب المجتمع إضافة إلى محدودية دخل تلك الفئات، وحجم المستحقات والديون والأقساط المترتبة عليهم.

بيد أنه يحسن أن نقدم لهم بعض النصائح والتوجيهات المهمة في هذا المجال، ومنها:

1 - ابدأ بالأولويات، الأهم فالمهم، الضروري فالحاجي، فالكمالي؛ وإن استطعت تأجيل بعضها إلى وقت آخر، فحسن.

 ٢ - لا تتهاون في الفراطة مهما كانت، فالجبل يتكون من حبات رمل.

3 - احذر الإفراط في المسلك الادخاري الموصل إلى منطقة التقتير والبخل والشح المنهي عنها، لأنه لا إفراط ولا تفريط.

٤- كن حكيما في إنفاقك وصرفك واستهلاكك معتدلاً في أمورك كلها ، فخير الأمور الوسط.

5- ابحث عن مصدر آخر للدخل مهما كان عائده قليلاً، أو طبيعته المهنية، فالعمل شرف وعبادة.

٦- ادخر الفوائض المتاحة في وقت اليسر والسعة الحاجة إليها في وقت العسر والشدة، وكما قيل:  »احفظ قرشك الأبيض ليومك الأسود».

7- خطط لنفسك وأسرتك ومصروفاتها وفق ميزانية معتدلة، مع مراعاة التنويع المنضبط والترفيه العادي والمتطلبات الأساسية.

8- قوم ميزانيتك دوريًّا، شهريًّا أو نصف سنوي أو سنويا، واستفد من نتائج التقويم. 9- استفد من تجارب الآخرين في مسائل الادخار، وإذا كانت مناسبة ومتناسبة مع دخلك ووضعك الاجتماعي وأسرتك ومتطلباتك فالحكمة ضالة المؤمن هو أحق بها أني وجدها.

١٠- قبل ذلك وأثناءه وبعده استعن بالله سبحانه واطلب العون منه عز وجل؛ ليسدد على طريق الحق والخير خطاك، وأن يهديك لأنسب الأمور وأرشد الأحوال وأعدل المسالك.

ختاماً أقول: إن قدرة الشاب على الادخار تعني امتلاكه لمواصفات الرشد والعقلانية والحكمة وحسن التصرف والإدراك الواعي لما ينبغي وما لا ينبغي. فما أحوجنا - اليوم - إلى جيل من الشباب واعين مبدعين منتجين مدخرين، يحدوهم في ذلك كله مصلحة المجتمع.

الرابط المختصر :