العنوان اختلفت آراؤهم ولم تختلف قلوبهم
الكاتب عبدالقادر بن محمد العماري
تاريخ النشر الثلاثاء 17-يوليو-1990
مشاهدات 53
نشر في العدد 974
نشر في الصفحة 46
الثلاثاء 17-يوليو-1990
الدين يأمر برفع الشقاق والتنازع وبالاعتصام بحبل الوحدة، وهذا هو
معنى قوله تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾
(آل عمران:103) وقوله سبحانه وتعالى: ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا﴾
(الأنفال:46) وقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: «لا ترجعوا بعدي كفارًا يضرب بعضكم
أعناق بعض».
وقد خالفنا كل هذه النصوص فتفرقنا وتنازعنا، وحارب بعضنا بعضًا باسم
الدين، لأننا سلكنا مذاهب متفرقة، كل فريق يتعصب لمذهبه ويعادي سائر إخوانه
المسلمين لأجله، زاعمًا أنه بها ينصر الدين مع أنه يخذله بتفريق كلمة المسلمين. ثم
جاء المقلدون من الخلف يحاربون من اتبع طريق السلف، فهل جاءهم بهذا أمر من الله
ورسوله، أو من الأئمة المجتهدين؟ كلا، بل كان التعادي والتنازع عندهم انحرافًا عن
الطريق المستقيم واتباعًا لخطوات الشيطان، فكأنهم لم يقرأوا قوله تعالى: ﴿وَلَا
تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ (البقرة:168)
وخطوات الشيطان هي كل أمر يخالف سبيل الحق والمصلحة. قال تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا
صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ
بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ (الأنعام:153) فبين سبحانه وتعالى أن له طريقًا واحدة
سماها صراطًا مستقيمًا، لأنها أقرب طريق للحق والخير، كما بين سبحانه وتعالى أن
هناك سبلًا متعددة، تُبعد من يتبعها عن الطريق المستقيم.
وهذا يدل على أن الذين يتبعون سبيل الله لا يتفرقون، والذين لا
يتبعونه يتفرقون، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا
شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾ (الأنعام:159). نعم قد يطرأ عليهم سبب الخلاف
ولكنهم متى شعروا بأن التنازع يدب إليهم لجأوا إلى تحكيم الله ورسوله فيما شجر
بينهم، خضوعًا لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى
اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾
(النساء:59) وذلك لأن الحق واحد لا يتعدد، فيجب البحث عنه بإخلاص، وعدم تحيز، ولا
جدال، حتى إذا ما ظهر الحق اتفقوا عليه، وأغلقوا باب الشيطان. وإذا دقت مسالك بعض
الحق على بعض منهم وجب أن يثابروا على البحث والتأمل بشرط ألا يعادي غيره ممن
يخالفه، ولا يجعل خفاءه عليه سببًا لتفريق الكلمة، بل يعذر كل صاحبه.
واجب العلماء في البحث والمناظرة
وقال الإمام أبو حامد الغزالي: يُطلب من العلماء عند بحث مسألة، أمور:
الأول: أن تكون
المناظرة في المسائل التي يكثر حدوثها، وتكون واقعة، أو قريبة الوقوع، كما كان
يفعل كبار الصحابة، والإمام مالك بن أنس -رضي الله عنهم-. الثاني: أن تكون
المناظرة في خلوة، لأنها أجمع للفهم، وأقرب لصفاء الذهن، ولأن في حضور الجمع
الكثير ما يحرك دواعي الرياء والحرص على الغلبة بالحق أو بالباطل. الثالث:
أن يكون كل طرف من طرفي المناظرة في طلب الحق كناشد ضالة، لا يفرق بين أن تظهر
الضالة على يده أو على يد من يعاونه، فهو يرى في رفيقه معينًا ومساعدًا في الوصول
للحق لا خصمًا، فلذلك يشكره إذا نبهه لموضع الخطأ، وأظهر له الحق، كما لو سلك
طريقًا خطأ في طلب ضالته، فنبه صاحبه إلى أن ضالته سلكت الطريق الآخر فإنه يسر به
ويشكره. وهكذا كانت مباحثات الصحابة -رضي الله عنهم-، حتى أن امرأة ردت على عمر بن
الخطاب -رضي الله عنه- ونبهته للحق وهو على المنبر يخطب الناس فقال: «أصابت امرأة
وأخطأ عمر». وسأل رجل عليًّا -رضي الله عنه- عن مسألة فأجابه، فقال الرجل: «أظنها
ليست كذلك يا أمير المؤمنين، ولكني أظنها كذا وكذا»، فقال -رضي الله عنه-: «أصبت
أنت وأخطأت أنا وفوق كل ذي علم عليم». هكذا كان احترام الحق بينهم، فتأمل هذا
وانظر اليوم إلى مناظري زمانك؛ كيف يسود وجه أحدهم إذا اتضح الحق على لسان مناظره،
وكيف يجتهد في مكابرته بأقصى ما يستطيع ويبلغ به الغيظ أن يداوم على الطعن فيمن
أفحمه طول عمره. ثم قال الغزالي: «واعلم أن المناظرة لقصد الغلبة والتظاهر بالعلم
والفضل والتشدق عند الناس وقصد المباهاة، هي منشأ جميع الأخلاق المذمومة عند الله،
المحمودة عند عدو الله إبليس، والحسد، وحب الجاه، وغير ذلك كنسبة شرب الخمر
للفواحش الظاهرة من الزنا، والقتل، والسرقة وغير ذلك». وقد جاء عن بعض السلف أنه
قال: «إذا تعلم الناس العلم، وتركوا العمل وتحابوا بالألسن، وتباغضوا بالقلوب
لعنهم الله، وأعمى أبصارهم».
واجب المفتي
ثم قال: «ومن المطلوب من المفتي أن يكون اعتماده في علومه على بصيرته
وإدراكه بصفاء قلبه، لا على الكتب، ولا على تقليد ما يسمعه من غيره، ولا يقلد إلا
رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فيما أمر به أو قاله، ويقلد أصحابه من حيث إن
فعلهم يدل على سماعهم من النبي -صلى الله عليه وسلم- بشرط أن يكون حريصًا على فهم
أسرار ما بلغه عن الرسول -صلوات الله عليه- وعن أصحابه، لأنه إن اكتفى بحفظ ما
يقال كان وعاء للعلم، ولم يكن عالمًا، ولذا كان يقال: فلان من أوعية العلم، لا من
العلماء، فلا يسمى عالمًا إذا كان همه الحفظ من غير نظر إلى أسرار الحكم، وتأمل
جيدًا قول ابن عباس -رضي الله عنه-: «ما من عالم إلا يؤخذ من علمه ويُترك إلا رسول
الله -صلى الله عليه وسلم-»، وكان ابن عباس قد تعلم من زيد بن ثابت الفقه، وقرأ
على أبي بن كعب، ومع ذلك خالفهما في كثير من مسائل الفقه. وقال بعض السلف: «ما جاءنا
من رسول الله قبلناه على الرأس والعين، وما جاءنا عن التابعين فهم رجال ونحن
رجال»، وإذا كان الاعتماد على المسموع من الغير تقليدًا غير مرضٍ، فالاعتماد على
الكتب أبعد. ثم قال الغزالي: «وقد أصبحنا في زمان يشتغل علماؤه بدقائق الجدل،
ويزعمون أن ذلك من أعظم القربات، وقد كان ذلك في الصدر الأول من المنكرات كما
علمته، ولهذا قال الإمام أحمد بن حنبل: إن بعض العلماء تركوا العلم النافع وأقبلوا
على الغرائب، فما أقل العلم فيهم». وقال مالك بن أنس -رحمه الله-: «لم يكن الناس
فيما مضى يسألون عن هذه الغرائب، ولم يكن العلماء يقولون: هذا حلال، وهذا حرام،
ولكن أدركتهم يقولون: هذا مستحب وهذا مكروه». ومعنى ذلك أنهم كانوا ينظرون في
دقائق الكراهة والاستحباب، فأما الحرام فكان فحشه ظاهرًا، أي فلا يحتاج إلى بحث،
أو أي سؤال وجواب والله أعلم.
ابن تيمية وتعدد الاجتهادات
وشيخ الإسلام ابن تيمية مع ترجيحه لمذهب أهل الحديث في كثير من
المسائل إلا أنه لا يرى إلزام الناس برأي معين فيما اختلف فيه الأئمة، وله كتاب
اسمه «رفع الملام عن الأئمة الأعلام» يعذر فيه كل إمام فيما ذهب إليه، ويدين
الاعتراض والنيل منه. وفي المسائل التي تكون فيها أحاديث يرجح الأقوى في العمل،
ولكنه لا يطعن في المخالف، ويقول: «يجب أن يعلم هؤلاء المتعصبون أن الصحابة تفرقوا
في الأقطار، فكل روى ما شاهد، وقد يكون بعضهم شاهد شيئًا وشاهد غيره غير ما شاهده،
فالعمدة على صحة الروايات فإذا صحت بصفات متعددة كان ذلك دليلًا على أن الأمر
واسع، والكل سنة متبعة». ومن تمام السنة في مثل هذا النوع أن يفعل المسلم هذا
تارة، وذلك تارة أخرى، وهذا في مكان، وذلك في مكان آخر، لأن هجر ما وردت به السنة
قد يفضي إلى أن يجعل السنة بدعة، والمستحب واجبًا، وذلك يفضي إلى التفرق والاختلاف
عندما يفعل آخرون الوجه الآخر، وهو ينعي على أولئك الذين يتمادون في تعصبهم فيقول:
«أما من بلغ به الحال إلى الاختلاف والتفرق إلى درجة أن يوالي من وافقه ويعادي من
خالفه كما يفعل بعض أهل بلاد الشرق، فهؤلاء من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعًا»،
ويقول: «إن الكفر حكم شرعي يتلقى عن صاحب الشرع، والعقل قد يُعلم به صواب القول
وخطأه وليس كل ما كان من خطأ في العقل يكون كفرًا، كما أن ليس كل ما كان صوابًا في
العقل تجب في الشرع معرفته». وقال: «إن أهل السنة المتبعين لرسول -صلى الله عليه
وسلم- يتبعون الحق ويرحمون من خالفهم عن اجتهاد حيث عذره رسول الله -صلى الله عليه
وسلم-». والصحابة كانوا يتلافون أي فرقة أو خلاف بين المسلمين بسبب اختلاف الرأي،
فقد خرج عثمان -رضي الله عنه- في زمن خلافته قاصدًا مكة للحج، فلما وصل تزوج امرأة
وفي أثناء إقامته بمنى لرمي الجمار صلى بالناس الظهر والعصر أربع ركعات صلاة تامة
غير مقصورة وذلك أن اجتهاده أداه إلى أن زواجه بمكة أعطاه حكم المقيم. ولما بلغ
عبد الله بن مسعود أن عثمان صلى أربع ركعات وهو بمنى قال: «صليت مع رسول الله -صلى
الله عليه وسلم- بمنى ركعتين، وصليت مع أبي بكر بمنى ركعتين، وصليت مع عمر ركعتين
فليت حظي من أربع ركعات ركعتان متقبلتان»، وبعد ذلك صلى ابن مسعود بمنى وراء عثمان
أربع ركعات فقيل له: «عِبت على عثمان الإتمام في السفر ثم صليت وراءه أربعًا»،
فقال: «الخلاف شر كله». وإنما فعل ذلك ابن مسعود لأنه سمع من النبي -صلى الله عليه
وسلم- قوله في سياق الكلام عن طاعة الأمراء: «يصلون بكم فإن أصابوا فلكم ولهم وإن
أخطأوا فعليهم».
آثار التعصب المذهبي
من نتائج التعصب المذهبي وأسبابه أن بعض طلبة العلم المتأخرين يغفلون
عن تحذير النبي -صلى الله عليه وسلم- من التشدد في الدين، وعن حثه على التيسير على
الناس عملًا بقوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ
الْعُسْرَ﴾ (البقرة:185) وقوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا
وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا
تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا
إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا
تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا
وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾
(البقرة:286) وقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾
(الحج:78).
قال -صلى الله عليه وسلم-: «يسروا ولا تعسروا» وقال: «بعثت بالحنفية
السمحة». وعن أبي موسى الأشعري -رضي الله عنه- قال: لما بعثني الرسول -صلى الله
عليه وسلم- أنا ومعاذًا إلى اليمن قال: «يسرا ولا تعسرا، وبشرا ولا تنفرا». وعن
عائشة -رضي الله عنها- قالت: «ما خير الرسول صلى الله عليه وسلم بين أمرين إلا
اختار أيسرهما ما لم يكن إثمًا» وعندما بال أعرابي في المسجد فثار عليه الناس
ليضربوه قال النبي صلى الله عليه وسلم: «دعوه وصبوا على بوله دلوًا من ماء، فإنما
بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين».
ومع الأسف فإن بعض طلبة العلم يتسرعون في التكفير، وفي التحريم، ولا
يدرون أن تحريم الحلال مثل تحريم الحرام: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ
لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا قُلْ آللَّهُ أَذِنَ
لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ﴾ (يونس:59).
وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ
هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ
الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ﴾ (النحل:116).
ونسي هؤلاء أن التحريم عند علماء الأصول هو خطاب الله المقتضي للترك
اقتضاء جازمًا، وأغرب ما رأينا من هؤلاء المتشددين أن أحد علماء الأحناف يسمى
الشيخ الكيداني يقول: «العاشرة من المحرمات في الصلاة الإشارة بالسبابة في الصلاة
كما يفعل أهل الحديث»، مع أن هناك حديثًا صحيحًا يقول برفع السبابة في التشهد،
ومثل هذه الفتاوى تدعو العوام إلى التعصب والتصرفات المنكرة ضد مخالفيهم لاعتقادهم
أن الآخرين ارتكبوا حرامًا.
نسأل الله أن يجمع المسلمين على الحق، وأن يجنبهم الخلاف والشقاق.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل