; ازدياد حدة المواجهة بين الحكومة التركية والرفاه بسبب مشروع قانون التعليم الجديد | مجلة المجتمع

العنوان ازدياد حدة المواجهة بين الحكومة التركية والرفاه بسبب مشروع قانون التعليم الجديد

الكاتب محمد العباسي

تاريخ النشر الثلاثاء 19-أغسطس-1997

مشاهدات 63

نشر في العدد 1263

نشر في الصفحة 29

الثلاثاء 19-أغسطس-1997

ازدادت حدة المواجهة بين الحكومة التركية من جانب وحزب الرفاه والجبهة المؤيدة له من الجانب الآخر؛ وذلك بسبب مشروع قانون التعليم الجديد، الذي تحاول حكومة مسعود يلماظ إقراره من البرلمان، ويهدد إلى إلغاء التعليم الديني وإغلاق مدارس الأئمة والخطباء الرسمية؛ إذ نجح حزب الرفاه في عرقلة مناقشة بنود القانون داخل لجنة الخطة والموازنة، واستطاع من خلال استخدام كافة حقوقه الدستورية في المناقشة، ودراسة كل نقطة من بنود القانون على حدة- إظهار كافة العيوب الموجودة فيه، وفضحها أمام الشعب التركي، الأمر الذي جعل القانون ومناقشاته المادة الأولى في جميع وسائل الإعلام لمدة ثمانية أيام متصلة هي فترة المناقشة داخل لجنة الخطة، وهي أطول مدة استغرقتها اللجنة في مناقشة مشروع قانون. 

كما نجح الرفاه بمهارة في كشف أبعاد مؤامرة المادة الرابعة من القانون، والتنازلات التي تمت بشأنها بين الحكومة وحزب الشعب الجمهوري بزعامة دنيز بيقال، بدعم حكومة الأقلية من الخارج بأصوات نوابه الـ (49)، إذ اعترض بيقال على منح رئاسة الديانة حق الإشراف على فصول القرآن، وطالب بضرورة أن تتولى وزارة التعليم تلك المهمة، وهو ما اعترض عليه النواب المحافظون داخل حزب الوطن الأم، ومسؤولو رئاسة الديانة، وكاد الأمر أن يتحول إلى أزمة داخل الحكومة وبين أعضائها، مما دفع يلماظ إلى عقد صفقة سرية مع بيقال يتم خلالها تغيير نص تلك المادة، ليصبح من حق رئاسة الديانة الإشراف صيفًا فقط على فصول القرآن، على أن تتولى وزارة التعليم تلك المهمة شتاءً أيام العطلات الأسبوعية، وذلك مقابل عدم إدلاء أي من مسؤولي حزب الشعب الجمهوري، وأعضائه بتصريحات حول ذلك الموضوع، من شأنها إحراج حزب الوطن الأم، وتم بالفعل الإعلان عن حدوث تقارب في وجهات النظر بين الحزبين حول تلك النقطة، دون التصريح بأي تفاصيل، وكان يمكن للموضوع أن يمر لولا يقظة حزب الرفاه ومتابعته الدقيقة للأمور. 

دعوة قضائية

ورغم أن لجنة الخطة والموازنة بالبرلمان قد وافقت على معظم بنود القانون وطرق تمويله، إلا أن حزب الرفاه وجد في ذلك الأمر سبيلًا آخر للاعتراض؛ إذ اعتبر أعضاؤه في البرلمان أن خطة الحكومة لتمويل تنفيذ القانون تعد إسرافًا لا مبرر له خاصة بعد تصريح زكريا تميزل -وزير المالية- الذي أكد أن تمويل تنفيذ القانون سيحتاج خلال السنوات الثلاث الأولى إلى كاتيريليون وثمانية تيريليون ليرة (الدولار يساوي 163 ألف ليرة) الأمر الذي سيتطلب الاقتراض من البند الدولي حوالي (3.5) مليار دولار لسد العجز التمويلي للمشروع، وهدد الرفاه من جانبه برفع دعوى قضائية أمام المحكمة الدستورية بسبب ارتفاع تكلفة تمويل مشروع القانون من جهة، ومخالفة بنود تمويله لنصوص الدستور من جهة أخرى. 

     ويحاول حزب الرفاه توظيف كافة العناصر الموجودة لديه لإظهار اعتراض الشارع التركي على مشروع القانون؛ إذ قامت العديد من التظاهرات في معظم المدن التركية منددة بمحاولات الحكومة تمرير القانون، وإلغاء التعليم الديني في البلاد، حتى إن تلك الاحتجاجات أصبحت سمة الجولات الشعبية التي يقوم بها يلماظ -رئيس الوزراء- الذي يواجه بلافتات اعتراضية، وهتافات معادية له وللقانون في كل مكان يذهب إليه، وكان آخرها في مدينة طرابزون التي خرج الآلآف فيها يهتفون بسقوط الحكومة. 

مساندة حزبية

ولا يقف حزب الرفاه في تلك المعركة بمفرده، بل تسانده فيها أحزاب المعارضة الأخرى، بخاصة حزب الوحدة الكبير الذي أعلن عن قيامه بتنظيم عدد من التظاهرات الاعتراضية لتوضيح موقفه الرافض لمشروع القانون، وكذلك القيام باحتجاج رمزي بإطفاء الأنوار لمدة دقيقتين كل مساء طوال أسبوع، في إشارة إلى أن منع التعليم الديني بإغلاق المدارس الدينية يعني العودة بتركيا إلى عصور الظلام. 

كما يشارك في الاحتجاج حزب النهضة بزعامة حسن جلال جوزال -رئيس الاستخبارات السابق، ووزير التعليم في حكومة تورجوت أوزال- والذي بدأ حزبه يأخذ خطًا إسلاميًا مواليًا لحزب الرفاه، وداعمًا لمشروعه الإسلامي، متحديًا الجيش بشكل علني، الأمر الذي أدى إلى اعتقاله ليكون بذلك أول رئيس حزب «يميني» يتم اعتقاله منذ انقلاب 1980م، وذلك بسبب كشفه لمحاولة الانقلاب التي قيل إن الجيش كان يزمع القيام بها ضد حكومة نجم الدين أربكان، وقد رفع المدعي العام الجمهوري دعوى قضائية ضده، من المحتمل أن يواجه بسببها حكمًا بالسجن لمدة (5) سنوات إذا ما تمت إدانته، وإضافة إلى السجن فإن الحكم في حال صدوره يعني إغلاق حزب النهضة الذي يُعد أحد بدائل حزب الرفاه إذا تم إغلاقه هو أيضًا من قِبل المحكمة الدستورية. 

ازدياد شعبية الرفاه

 ويبدو أن موقف الرفاه الرافض لمشروع القانون وتصديه لمحاولات الحكومة الهادفة إلى إلغاء التعليم الديني- قد ضمن له تزايد شعبيته، وارتفاع جماهيريته بين  المواطنين العاديين؛ إذ أكد استطلاع للرأي أجرته شركة «دنجة» في مدينة إسطنبول حول مدى شعبية حزب الرفاه الآن، إنَّه في حالة إجراء الانتخابات العامة اليوم فإن الرفاه سيحصل على (38%) من أصوات الناخبين، يليه بفارق كبير حزب الوطن الأم الذي سيحصل على (12.9%) ثم حزب اليسار الديمقراطي الشريك في الحكومة بـ (10.9%)، والشعب الجمهوري (9.2%)، وحزب الطريق القويم (4.3%)، أمّا حزب الحركة القومية فسيحصل على (2.6%)، والشعب الديمقراطي (2.4%)، والوحدة الكبير (0.4%)، وتركيا الديمقراطية الشريك في الحكومة (0.2%)، باقي الأحزاب (1.4%)، في حين جاءت نسبة (17.8%) من عينة البحث بدون قرار. 

وهكذا يتضح أنه ليس المهم هو إصدار القانون، بل الأهم من ذلك النتائج التي ستفرزها صناديق الانتخابات، والتي ستكون الرد الجماهيري العملي لمحاولات نزع الهوية الإسلامية عن الشعب التركي، الذي سيقول كلمته على كُل من تُسول له نفسه فصل حاضره ومستقبله عن تاريخه. 

الرابط المختصر :