; استراتيجية أمريكية جديدة في البلقان | مجلة المجتمع

العنوان استراتيجية أمريكية جديدة في البلقان

الكاتب سمير حسن

تاريخ النشر الثلاثاء 17-أغسطس-1999

مشاهدات 58

نشر في العدد 1363

نشر في الصفحة 32

الثلاثاء 17-أغسطس-1999

تنشط مجموعات عمل متخصصة لدراسة سبل إحلال الاستقرار في دول جنوب شرق أوروبا اعتبارًا من سبتمبر القادم على خلفية قمة معاهدة الاستقرار في البلقان التي ترأستها واستضافتها العاصمة البوسنية سراييفو يومي ٢٩ و٣٠ يوليو الماضي بحضور ما يقرب من ٦٠ وفدًا، وحوالي ٤٠ رئيس دولة يتقدمهم زعماء الدول العظمى الثماني. 

وربما تكون أفضل التعليقات التي قيلت في قمة معاهدة الاستقرار في البلقان هو ما جاء على لسان عضو مجلس الرئاسة البوسني علي عزت بيجوفيتش والمبعوث الدولي للاستقرار بودو هومباخ؛ إذ قال بيجوفيتش: «إن القمة خطوة عملية سوف تستغرق وقتًا طويلًا ولكن يجب متابعتها بدون تأجيل وقال هو مباح قمة سراييفو تعتبر بداية مشجعة لعمل شاق من أجل بلقان أمن وديمقراطي ومستقر اقتصاديًا».

 لكن مواطنًا بوسنيًا قال: «يجب ألا نفرط في التفاؤل بهذه القمة وانعقادها في سراييفو إن أوروبا وأمريكا لا ينوون لنا خيرًا، إنهم يتعاملون مع المسلمين هنا كإرهابيين ويهضمون حقوقهم التاريخية ويعتبرونهم أقلية».

 وإذا علمنا أن قمة الاستقرار في سراييفو جات بناء على رغبة أمريكية والثمانية أثناء انعقاد قمة الدول الثماني العظمى في مدينة كولن الألمانية في العاشر من يونيو ١٩٩٩م، فإن السؤال يلح في طرح نفسه: لماذا هذه الهجمة من الولايات الأمريكية والمجموعة الأوروبية من أجل استقرار البلقان؟

ویرى بعض المحللين أن واشنطن تريد انتهاج استراتيجية جديدة مفادها أن تدعم نفوذها في أوروبا وسياسة القطب الواحد بتكاليف أقل فبدلًا، من أن تنفق واشنطن من ميزانيتها على وقف الصراعات الإقليمية في أوروبا أن ترسل جنودها إلى المنطقة فإنها تترك هذه المهمة لحلفائها الأوروبيين ويقتصر دورها على المهام الاستشارية والاستخبارية الأمنية، وللعلم هذه الاستراتيجية هي التي اقترحها وزير الخارجية الأمريكية الأسبق هنري كيسنجر على الإدارة الأمريكية للتعامل مع أزمة كوسوفا.

 أما أوروبا فهي تبحث عن فرصة من أجل تدعيم وحدتها، وخاصة على صعيد السياسة الخارجية والمسائل الأمنية، ومعروف أن البلقان دائمًا هو مصدر الإزعاج في هذين الملفين، أما ألمانيا فإن من مصلحتها استقرار البلقان لأنه يشكل سوقًا استهلاكية جيدة (۸ دول تشكل ٥٤ مليون نسمة) كما أن البلقان المصدر الأول للاجئين الذين يرهقون ميزانية وأمن ألمانيا التي استقبلت أكبر عدد من الذين فروا من الحروب البوسنية ومن كوسوفا.

وإذا قبلنا أنه لا يزال أمام معاهدة الاستقرار المزيد من الوقت والعمل من أجل تحقيق أهدافها فهل ستنجح دول المنطقة في تحقيق ذلك؟ ربما يكون من الظلم إصدار حكم مبكر على نتائج القمة لكن هناك مؤشرات تفاؤل وبوادر قلق، فقد أثبتت القمة تأكيدات الولايات المتحدة وحلفائها على وجود البوسنة على الخريطة الأوروبية، ولعل في اختيار سراييفو الرئاسة واستضافة أول قمة ما يؤكد ذلك لكن يجب الأخذ في الحسبان أن هذا الإجراء يأتي في إطار استراتيجية أوروبية أمريكية هي المحافظة على سلام هش في البوسنة تحت رعاية الغرب أفضل من أن تترك وحدها وربما تتوجه نحو الشرق وتقوي هويتها الإسلامية، وهذا هو في الحقيقة سبب تدخل واشنطن لوقف الحرب في البوسنة في ديسمبر عام ١٩٩٥م، وكان من الممكن أن تفعل ذلك قبل ثلاث سنوات ونصف من هذا التاريخ.

إذن احتواء دول المنطقة وشغلهم بالإصلاح السياسي والأخذ بالأنظمة الديمقراطية والتجديد الاقتصادي وتطبيق نظام اقتصاد السوق وتقليص النفقات على التسلح، ومحاربة الجريمة المنظمة والإرهاب والفساد المالي هي أهداف قمة الاستقرار في سراييفو.

استقرار بطيء

لكن نظرة متفحصة في قائمة المبالغ التي قدمتها الولايات المتحدة والمجموعة الأوروبية من أجل مساعدة دول جنوب شرق أوروبا، تؤكد أن عملية الاستقرار ستسير ببطء، فقد عرضت الولايات المتحدة شراء بضائع من دول المنطقة من ٥٠ إلى ٨٠ مليون دولار، وستقدم حكومة واشنطن قروضًا للشركات الأمريكية تقدر بـ ٢٠٠ مليون دولار المساعدة هذه الشركات للاستثمار في البلقان، أما البنك الأوروبي فسيقدم ٥٠ مليون دولار لإعادة الإعمار، وهي مبالغ زهيدة جداً خاصة إذا ما علمنا أن هذه المساعدات ستقسم على ثماني دول أما المساعدات السخية فهي لاتزال في إطار الوعود، وستقدر هذه المساعدات بـ ۱,۳ مليار دولار.

لكن مشكلات وعقبات كثيرة تواجه تحقيق الاستقرار في البلقان وأهمها: أن أهم دولة بلقانية «يوغسلافيا» كانت غائبة عن قمة سراييفو بسبب سيطرة الرئيس سلوبودان ميلوسوفيتش على مقاليد الأمور فيها، كما أن تهديد جمهورية الجبل الأسود بالانفصال عن صربيا سيزيد من التوتر في المنطقة. 

  • أن هناك دولًا لا ترغب في أن تكون في الحقيبة البلقانية مثل المجر وكرواتيا وربما أن تكون المجر محقة لأنها قطعت شوطًا كبيرًا في مسائل الخصخصة وتجديد بنيتها التحتية، بالإضافة إلى أنها أصبحت عضوًا في حلف شمال الأطلسي، أما كرواتيا فهي تخاف من صيغة جديدة تعيد ضمها إلى الاتحاد اليوغسلافي الذي انسلت منه عام ١٩٩١م، كما أنها لاتزال تعاني من مشكلات سيطرة التجمع الديمقراطي بزعامة فرانيو توجعان على البلاد وفساده المالي، علاوة على دعمه المتطرفين من كروات البوسنة.

السلام الغائب

-هناك مشكلات لاتزال تؤرق المنطقة وأهمها أن كوسوفا لم يحل فيها سلام نهائي، كما أن الجبل الأسود مهددة من قبل صربيا وصربيا أيضًا تنتظرها فوضى داخلية بسبب الخلاف بين نظام ميلوسوفيتش والمعارضة، وهناك انتهاك مقدونيا لحقوق الأقلية الألبانية التي تمثل ٤٠٪ من مجموع السكان، كما أن هناك مشكلة يشترك فيها الجميع وهي البطالة التي ترتفع نسبتها بجنون في جنوب شرق أوروبا، وتصل إلى ٥٠٪ في البوسنة و٣٠٪ في مقدونيا.

- مسألة مكافحة الإرهاب في المنطقة التي تتزعمها الولايات المتحدة ستزيد من ملاحقة التيار الإسلامي، وقد بدأت البوسنة بالفعل في توجيه إنذارات «شفهية ومؤدبة» بمغادرة البلاد لمن تبقى من المجاهدين العرب الذين قاتلوا في الصفوف الأولى أثناء الحرب قبل أربع سنوات لأن إحلال الاستقرار يتطلب أمن حراس الاستقرار أو بالأحرى أمن قوات حلف شمال الأطلسي.

- ولا شكّ أن الولايات المتحدة وحلفاءها الأوروبيين يسعون إلى تذويب المسلمين الذين يشكلون الأغلبية في بعض الدول في المجتمع الأوروبي للتقليل من إقبال هذه الشعوب على الدين، وتخدير الصحوة الإسلامية التي ظهرت في هذه الدول إما بسبب سقوط الشيوعية أو الحروب التي طالت هذه الشعوب مثل المسلمين في البوسنة، والألبان، في كوسوفا، ومقدونيا، وألبانيا.

- ولذلك كان من الأفضل على الحكومة البوسنية توفير ملايين الماركات (٦,٦ ملايين مارك) التي صرفتها على تنظيم قمة الاستقرار في البلقان لتشغيل المصانع المعطلة وطوابير العاطلين عن العمل، لكن القمة كانت جزرة مغرية لعلها تكون الجسر الذي تعبره البوسنة للانضمام إلى المجموعة الأوروبية.

الناتو وسياسة العصا الغليظة

د. حمزة زوبع

اختلف قادة الناتو حول الأسلوب الأمثل في التعامل مع أزمة كوسوفا، كان ويسلي كلارك القائد الأعلى يرى أن التدخل البري يمثل الخطوة الطبيعية لحلف كبير يريد أن يثبت ذاته وفاعليته في مواجهة الأزمات العسكرية، ويرى كذلك أن الحرب الجوية ليست حربًا ولا يمكن وصف نتائجها بأنها نتائج عسكرية بقدر ما هي سياسية نتيجة القصف لأهداف مدنية، وفي العيد الخمسين للناتو يجب أن تكون عصا التدخل البري أقوى من ذي قبل، وفي الوقت نفسه الذي كان ينادي فيه كلارك بالتدخل نادى وزير الخارجية البريطاني بالتدخل البري أيضًا ووصل الأمر إلى حد النزاع وسافر روبرت كوك إلى واشنطن وعقد سلسلة لقاءات تم إقناعها بأن الحلف لن يخوض حربًا برية في القريب العاجل.

لكن المثير حقًا هو أن كلارك الأمريكي يرى التدخل البري بينما وزير دفاعه الأمريكي أيضًا يرفض ذلك، بينما يوافق وزير الخارجية البريطاني في الوقت الذي يقول فيه مايك جاكسون قائد قوات «كفور» في كوسوفا لويسلي كلارك «لن أخوض حربًا عالمية من أجلك» فأين كانت الإرادة الموحدة وأين كان التنسيق العسكري بين البنتاجون ورجالاته أو بين الناتو وأفراده؟

الأغرب من ذلك كله ليس عزل كلارك، بل إزاحة الأمين العام للحلف الحالي خافيير سولانا من منصبه وعدم التمديد له ليجيء، وزير الدفاع البريطاني جورج روبرتسون ليتسلم مقاليد الحلف المنتصر، وليلقي بخافيير سولانا في سلة الوحدة الأوروبية كمسؤول للعلاقات الخارجية والأمنية للاتحاد الأوروبي.

 خافيير سولانا قادم من المعسكر الاشتراكي في إسبانيا، يحمل لغة حوار راقية، لم يتورط في خلافات جانبية كان مطبعًا لواضعي السياسة العسكرية، والوزير البريطاني ينتمي لحزب العمال الاشتراكي أيضًا، لكن اشتراكية حزب العمال البريطاني أقرب ما تكون إلى الليبرالية الأمريكية، وثمة توافق عجيب في توجهات البلدين، خصوصًا في القضايا الدولية الشائكة مثل البلقان، الوزير الجديد قريب من رئيس الوزراء البريطاني توني بلير، وهو الذي قام بتزكيته وباركت أمريكا هذه التزكية من أجل إعطاء أوروبا على يد حليفتها بريطانيا دورًا قياديًا أوسع في الفترة المقبلة بعد كشف النقاب عن رفض بعض دول الناتو المشاركة في الضربات وعدم تحمس الأخرى ، والمشاركة الضعيفة أو الرمزية للبعض الآخر، تاركين المجال أمام أمريكا وبريطانيا على التوالي لتتحملا مصاريف الحملة. 

أمريكا تدعم بريطانيا، فهي تضحي بأبرز قادتها العسكريين من أجل ترضية قائد إنجليزي، وفي الوقت نفسه تدعم وزير الدفاع جورج روبرتسون ليكون أمينًا عامًا للناتو وهو المعروف بخشونته، ولكنه أيضًا نائب رئيس المجموعة البرلمانية الأمريكية البريطانية، والرئيس الفخري للمجموعة البرلمانية البريطانية الألمانية، وواحدًا من أبرز مؤسسي المشروع الأمريكي البريطاني، وعضو المجلس البريطاني الأطلسي في الفترة من ١٩٧٩م -١٩٩٠م.

 وروبرتسون الأمين العام الجديد والوزير السابق للدفاع البريطاني يحمل في جعبته الكثير من فنون الدفاع والهجوم، كما يحمل في حقيبته أهم أسرار المعسكر الشرقي خصوصًا الروسي منه.

وربما تكون لهجته الخطابية الخشنة في حد ذاتها رسالة للعالم عن دور الناتو الجديد عصا التأديب والتهذيب.

الرابط المختصر :