; استقالة نواب الرفاه.. سلاح أربكان الوحيد لإحداث التغييرات القانونية والدستورية | مجلة المجتمع

العنوان استقالة نواب الرفاه.. سلاح أربكان الوحيد لإحداث التغييرات القانونية والدستورية

الكاتب محمد العباسي

تاريخ النشر الثلاثاء 10-فبراير-1998

مشاهدات 60

نشر في العدد 1287

نشر في الصفحة 22

الثلاثاء 10-فبراير-1998

تركيا

بعد إسقاط عضويته الشهر الجاري..

مدعي محكمة أمن الدولة يستجوب أربكان

اسطنبول: محمد العباسي

بهدوء بالغ وبخطوات سياسية حكيمة يدير نجم الدين أربكان زعيم حزب «الرفاه المنحل» أهم مواجهة سياسية سواء على مستوى حياته الشخصية، إذ يواجه الحرمان من التمثيل البرلماني لمدة خمس سنوات مما قد يحرمه من فرصة الترشيح لمنصب رئيس الجمهورية الذي سيخلو عام ۱۹۹۹م، أو على مستوى نجاح مشروعه السياسي ذو الأطر الإسلامية الذي خرق به أسوار العلمانية الأتاتوركية بفضل المساحة الديمقراطية التي تلعب داخلها أنقرة وفقًا لرؤية المؤسسة العسكرية.

فنجاح أربكان في احتواء الغضبة الجماهيرية بعد إغلاق حزب الرفاه الشهر الماضي – على الرغم من تأكيده على عدم عدالة الحكم ومخالفته للدستور وتمكنه من احتواء أي صراعات محتملة حول قيادة الحزب البديل، وانصياع كافة النواب لأوامره يؤكد نجاح تربيته السياسية لجيل الشيوخ والشباب، وهي تجربة نموذجية لإسلاميي وأنظمة دول المنطقة تنسخ التجربة الجزائرية وتستوعب الحالة الإسلامية المسلحة بالإسفنجة..

فأربكان على الرغم من حكم المحكمة الدستورية الذي لم ينشر حتى الأربعاء الماضي (٤ فبراير الجاري) والمتوقع نشره خلال الأيام المقبلة في الجريدة الرسمية يدير باقتدار معركة احتواء آثار الحكم من خلال ضغطه على مسعود يلماظ رئيس الوزراء لتغيير فقرة في المادة 19 من قانون الأحزاب تمنع ترشيح من تسبب في إغلاق حزب بل وتقدم باقتراح لتغيير المادتين ٦٩ و ١٤٩ من الدستور ليس لإنقاذ الرفاه، بل لإنقاذ الديمقراطية وفقًا لتصريحات لطفي أشن جون نائب رئيس المجموعة البرلمانية للرفاه، مشيراً إلى أن تلك هي مهمة البرلمان مؤكداً أن إغلاق الحزب ضربة للديمقراطية، مشيراً إلى أن المدة التي استغرقتها دعوى إغلاق الحزب الذي يضم 4 ملايين عضو لم تتجاوز ٧ شهور وهي لا تكفي لجمع وتحقيق الأدلة، في حين أن فسخ عقد إيجار دائرة سكنية يستغرق أكثر من سنتين في المحكمة.

فحزب الرفاه ونوابه بالبرلمان لديهم القدرة على إجبار الحكومة على إجراء انتخابات برلمانية في الحال إذا ما أعلن النواب استقالتهم مرة واحدة، وهذا ما أعلنه أربكان في مؤتمر صحفي بمدينة أنطاليا في نهاية يناير الماضي، وهو فيما يبدو التهديد المغلف الذي أعاد لقاءات حزبي الوطن الأم والرفاه للانعقاد من أجل إحداث تغييرات قانونية ودستورية وذلك بعد أن توقفت هذه اللقاءات بسبب انتقادات رئيس الأركان التركي لذلك التقارب أثناء انعقاد اجتماع مجلس الأمن القومي الشهر الماضي. 

وهو فيما يبدو كذلك وراء تصريحات يلماظ بأن على الرفاه إذا ما أراد السلطة أن يتواءم مع النظام، وإذا لم يستحسن قواعد اللعبة فإنه مهما سيحصل على أصوات لن يصل إلى الحكم تلك التصريحات التي جاءت قبل يوم من بدء اللقاءات الحزبية ثانية يوم الثلاثاء الماضي، مما يعني أنها تأتي لاحتواء غضبة العسكر الذين أرادوا إعادة المادة ١٦٣ التي ألغيت في عهد تورجوت أوزال رئيس الوزراء والجمهورية الراحل، تلك المادة التي تجرم مهاجمة أو انتقاد العلمانية أو الدعاية للإسلام والشريعة، خصوصًا بعد إعلان محمد كتسجيلر الأمين العام المساعد للوطن الأم استحالة إعادة تلك المادة بعدما أعلن رئيس الجمهورية ذلك أيضًا.

وما يدعم موقف أربكان حقًا انضمام ٦٠ ألف عضو جديد للحزب ليرتفع عدد الأعضاء إلى ٤ ملايين و۳۰۰ ألف انضم معظمهم قبل حل الحزب مباشرة مما يعني ازدياد جماهيرية الحزب على الرغم من الحملة القانونية والإعلامية، وهو الأمر الذي لن يتجاهله مسعود يلماظ، على الرغم من محاولات تقويض الرفاه من خلال حوالي ٣٤ من أعضاء الحزب السابقين قاموا بتشكيل حزب يدعى التركي، بزعامة دورقش على أكبر الذي دعا نواب الرفاه للانضمام إليه مصرحاً أن حزبه وسط لن يتبع سياسة الرفاه منتقدًا توظيف الدين في السياسة.

أربكان الذي أكد مرارًا وتكرارًا أنهم لن يبقوا بدون حزب، مشيرًا إلى استمرار رسالة الرفاه أيًا كان الاسم، يستعد لعرض قضية حزبه على محكمة حقوق الإنسان الأوروبية وقد أوفد عبدالله جول وشوكت كازان نائبيه للمحكمة للاطلاع على كافة التفصيلات المطلوبة للتقدم بالدعوى إلا أن عليه الانتظار لحين صدور حيثيات الحكم وقرار المحكمة الذي قد يستغرق حوالي ٦ شهور ليكون الرفاه هو الحزب التركي السابع الذي يتقدم بدعوى أمام المحكمة الأوروبية والذي سيكون الحكم في دعواه خلال سنتين في أفضل الأحوال وقد تمتد الفترة إلى ٤ سنوات إلا أن المصادر القانونية تؤكد قدرة حزب الرفاه على انتزاع حكمًا لصالحه، وهو ما يعني في النهاية احترام الإسلاميين الأتراك للديمقراطية أكثر من العلمانيين وسيكون مكسبًا بدون شك على الساحة العالمية حتى إذا ما فشل أربكان في مواجهته السياسية الحالية مع الحكومة لضمان الترشيح كنائب مستقل أثناء فترة منعه سياسيًا من تولي مناصب حزبية أو عضوية الأحزاب أو تأسيسها ومعه في ذلك شوكت كازان وأحمد تكدال، وشوقي يلماظ، وحسن حسين جيلان، وخليل إبراهيم شليك.

إذ إن عضويته للبرلمان تحميه أولًا من المدعي العام المحكمة أمن الدولة الذي يترصده ويستعد فور إسقاط عضويته إلى بدء تحقيقات معه خلال الشهر الجاري حول تصريحات أو كلمات يعتبرها المدعي العام تهدد العلمانية وهي سلسلة من القضايا لن تنتهي وتستند إلى ترسانة من القوانين التي تحمي العلمانية الأتاتوركية، وقد يسجن لمدة 5 سنوات مما قد يفجر الموقف الملتهب داخل نفوس ملايين الرفاهيين.

علاوة على أن عضويته تلك تتيح له فرصة الترشيح لمنصب رئيس الجمهورية إذ إن البرلمان التركي هو الذي يختار الرئيس من بين نوابه، فإن ذلك هو الذي يتخوف منه العسكر، ولذلك يضغطون على يلماظ لعدم إحداث التغييرات القانونية والدستورية التي يسعى إليها أربكان والتي تصب في اتجاه تنمية الديمقراطية وهو ما تطالب به أوروبا كشرط لقبول تركيا بين أعضائها، إلا أن رئيس الوزراء الذي يريد الاستمرار على قمة حكومة أقلية يدعمها من الخارج حزب الشعب الجمهوري الذي يعطل عملها في الوقت نفسه لإفشالها- لا سبيل أمامه سوى التجاوب مع مطالب حزب الرفاه المشروعة لضمان تأييد استمرار الحكومة ودعمها حتى خريف العام المقبل ولإبعاد اتهامات الشعب له بأنه كان الة العسكر التي استخدمها لضرب الديمقراطية وإعدام حزب الرفاه.

سر اللقاء التركي – "الإسرائيلي"

بقلم: مصطفى محمد الطحان([1])

توالت مؤخراً الأحداث في تركيا بشكل مثير وسريع.... بحيث استقطبت المراقبين من كل الاتجاهات.... وعلى رأس هذه القضايا المثيرة العلاقات التركية. "الإسرائيلية" التي تناغمت مؤخرًا بشكل لافت للنظر، والديمقراطية التركية التي يرعاها الجيش وينفذها بطريقته، وصراع الهوية في تركيا، وموقف السلطة من حزب الرفاه..... ولا بأس أن نلقي نظرة على هذه المواضيع.... فهي من جوانب كثيرة تهم منطقتنا العربية والإسلامية. 

حللت جريدة لوموند الفرنسية هذه العلاقة بشكل جيد فقالت: إذا أردنا أن نفهم اختيار تركيا للتحالف مع "إسرائيل"، فلابد أن نرجع إلى نهاية الحرب الباردة، فخلال عدة سنوات بل عشرات السنوات، كان الجيش التركي في الخط الأول للمواجهة ضد الخطر السوفييتي، لكن بين عشية وضحاها فقد كل ما كان يتمتع به من منافع ناتجة عن هذا الموقف مثل المساعدات الضخمة التي كان يحصل عليها من الولايات المتحدة، وحلف شمال الأطلسي، فضلًا عن ذلك لا يخفي الاتحاد الأوروبي تحفظاته إزاء المطالب الملحة التي تقدمها أنقرة للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي.

ويشير أحد الدبلوماسيين قائلًا: لقد أصبحت جمهورية التشيك بالنسبة لأوروبا أهم كثيراً من تركيا، وفي الولايات المتحدة تحالفت قوى الضغط الأرمينية واليونانية والمدافعين عن حقوق الإنسان العرقلة أي مبيعات أسلحة لأنقرة.

ولما كانت هيئة أركان حرب الجيش التركي تخاف من أن تكون تركيا قد أصبحت على الهامش أخذت تبحث عن دور جديد لأنقرة في إطار الاستراتيجية الأمريكية، فوجدت أنه يمكن أن يكون للجيش دور في الشرق الأوسط ومنطقة الخليج، تلك المنطقة الحاسمة بالنسبة للولايات المتحدة، وحيث يمكن للجيش التركي أن يثبت أهميته ( ألان جريش ١/١/۱۹۹۸م).

والتقطت الولايات المتحدة الإشارة التي تحتاج تركيا أكثر من أي وقت مضى فالخليج والنفط وهاجس إيران هم المثلث الذي يقض مضاجع الأمريكان ويحدد استراتيجية الولايات المتحدة للعقود القادمة ... فسيطرتها على النفط يؤمن لها الهيمنة على العالم عن طريق السيطرة على شريان حياته.... والتصدي لإيران القوة الأيديولوجية المعادية هدف رئيس لأمريكا. 

أما الأدوات الفاعلة التي تساعد أمريكا على تحقيق استراتيجيتها في المنطقة فهي تركيا و"إسرائيل"... ولقد عملت الولايات المتحدة جهدها للاحتفاظ بهذين الحليفين اللذين تعتبرهما الأفضل بين جميع حلفائها.

فلم تقبل حتى الآن أن يكون لأوروبا أي دور في عملية السلام الخاصة "بإسرائيل"... كما عملت جاهدة لإبعاد تركيا عن الاتحاد الأوروبي لتنفرد بها وحدها.

ولقد هيأت الظروف مجموعة من العوامل التي تخدم وتقوي بطريق مباشر أو غير مباشر هذه العلاقات التركية – "الإسرائيلية".

لقد أمنت هذه العلاقة لتركيا مصدرًا جيدًا للسلاح.... استطاعت أنقرة بموجبه أن تحصل على أسلحة وأساليب تكنولوجية لا يمكن أن تحصل عليها من أوروبا أو من الولايات المتحدة وذلك بسبب وضع حقوق الإنسان في تركيا ونزاعها مع اليونان.

ولقد أبرمت تركيا عقدًا بقيمة ٦٣٠ مليون دولار مع "إسرائيل" من أجل تحديث قوتها الجوية وأجهزة الرادار، وهناك صفقة أخرى قيد البحث بين الجانبين لتحديث ٤٨ طائرة أخرى، ولن تحول عملية التحديث هذه الطائرات التركية إلى طائرات إف – ١٥، لكنها ستمكنها –على الأقل– من التفوق على طائرات الدول المجاورة.

ويتقن "الإسرائيليون" أيضًا صناعة الدبابات «ميركافا» المتقدمة، ولذلك هناك محادثات تجري لإنتاج الدبابات في تركيا بمساعدة "إسرائيلية"، كما تفكر قيادة الأركان التركية بالاستفادة من الخبرة التقنية والتجهيزات الإلكترونية "الإسرائيلية" لتحديث ما يقارب ۲۰۰ دبابة أمريكية عتيقة الطراز من نوع شیرمان (م – ٤٨) وذلك ضمن خطة طموحة لتحديث ترسانتها العسكرية البرية تستمر عشر سنوات، وتتضمن قائمة التبضع صواريخ أرض - جو، كما تطمح تركيا أن تحصل على صواريخ «أرو» المضادة للصواريخ، بالإضافة إلى صفقات تشمل بيع "إسرائيل" لتركيا عددًا من طائرات الهيلوكبتر الأمريكية سي هوك بقيمة ٥٠ مليون دولار، بموافقة البنتاجون.

أما من الجانب "الإسرائيلي" فيستطيع الطيارون "الإسرائيليون" القيام بعمليات التدريب في الفضاء التركي الفسيح الذي يوفر مجالًا أكبر للطلعات القتالية، ومن المؤكد أن كياناً يبلغ عدد سكانه ستة ملايين نسمة مثل "إسرائيل" سوف يصبح أكثر اطمئناناً للتحالف الاستراتيجي مع دولة مثل تركيا يبلغ عدد سكانها ستين مليون نسمة (نيويورك تايمز ۱۵/١٢/١٩٩٧م).

لم يتوقف الأمر عند السلاح والتسليح بل امتد إلى مجال الاستخبارات، فقد ذكرت مجلة ميدل إيست انترناشيونال أن "إسرائيل"  تقوم بتدريب وحدات استخبارات تركية خاصة تعمل على طول الحدود مع كل من سورية والعراق وإيران المتابعة نشاطات حزب العمال الكردستاني في معسكراته الحدودية، على أن الأهداف الجيوسياسية والجيواستراتيجية هي أبعد من ذلك فالاتفاق الذي باركته الولايات المتحدة يسهم في تعزيز الجهود الأمريكية الرامية إلى الاحتواء المزدوج لكل من العراق وإيران كما اتفق الطرفان على إجراء مناورات بحرية مشتركة بتعاون ومشاركة الولايات المتحدة، هذا التعاون المتعدد الجوانب يرتقي بالفعل إلى مستوى تحالف استراتيجي فعلي بين البلدين.

سوريا العدو المشترك!

تستطيع تركيا بتقوية علاقاتها مع "إسرائيل" الرد على ما تعتبره استفزازًا سوريًا بإيواء عبد الله اوجلان زعيم حزب العمال الكردستاني... وتدريب قواته في منطقة البقاع اللبنانية التي تعتبرها تركيا تحت الإشراف السوري، ومن الواضح أن تركيا تحتاج إلى أصدقاء فاعلين للتصدي لمحاولة اقتطاع جزء كبير من تركيا من أجل إقامة دولة كردية.

في مايو عام ۱۹۹۷م تعمد نورهان تایان وزیر الدفاع التركي زيارة الجولان أثناء زيارته "الإسرائيل"... ورد له رئيس وزراء "إسرائيل" نتنياهو التحية فصرح برفض بلاده لفكرة قيام دولة كردية وأدان كثيرًا الهجمات التي يشنها هذا الحزب وقال: نحن لا نرى أي فرق بين الإرهاب الكردي والإرهاب الذي تعاني منه "إسرائيل".

تركيا والدور الإقليمي:

تتطلع المؤسسة العسكرية التركية أن تشكل لها هذه العلاقة مع "إسرائيل"  نقطة ارتكاز تمكنها من تحويل البلاد إلى قوة إقليمية عظمى تلعب دورًا مباشرًا في سياسات المنطقة بعد فترة طويلة من العزلة، ويبدو أن العلاقات العسكرية والاقتصادية التركية – "الإسرائيلية" وما تتضمنه من تعاون تكنولوجي، هي كما يرى الجنرال إفري «ضابط الجو "الإسرائيلي"  الذي عمل منذ سنوات على بناء هذه العلاقة الاستراتيجية بين تركيا و"إسرائيل"» أكثر أهمية من التضامن الإسلامي أو دخول النادي الأوروبي على الرغم من أنه من غير المناسب وصف هذه العلاقة الجديدة بالتحالف، فمثلما تؤدي التهديدات التي يواجهها بلدان اثنان إلى بروز مصالح متبادلة، تؤدي الثقة المتزايدة بينهما أيضًا إلى أن يصبحا رفاقًا في مجالات أخرى غير السلاح والتعاون العسكري.

([1]) الأمين العام لاتحاد المنظمات الطلابية.

الرابط المختصر :