الثلاثاء 16-أغسطس-1983
أينما ذكر اسم الله في وطن *** عددت أرجاءه من لب أوطاني
كاتب هذه السطور مغترب عن وطنه، بعيد عن أهله ودياره، ولكنه راض كل الرضا عن وضعه، فكما قال الإمام علي «الفقر في الوطن غربة والغنى في الغربة وطن».
ولولا الحدود والسدود وتلك القيود التي أوجدت ورسمت بيد الأعداء، بعد هدم الخلافة لتمزيق الوطن الإٍسلامي الواحد؛ لما نالنا ما نالنا من تهمة الاغتراب، ولكان الشام ووادي النيل عند الكل سيان فالقاعدة هي:
في ذلك البلد الأمين الذي نشأت فيه، وعرف أهله بالطيبة التي تصل في غالب الأحيان حد الغفلة، صدمت بالواقع الذي هو أمر من المر.
وجدت التاجر أخًا للعامل في صف الصلاة فقط، وإذا خرج من باب المسجد وطلب منه أخوه العامل سلعة نادرة أقسم له جهد أيمانه إنه لا يملك، وهو يملك، ويحتكر.
وجدت الموظف جعل من وظيفته مغنمًا ومتجرًا تدر له من المال ما لا يدره حانوت كبير لتاجر قدير.
وجدت من يسألني ألا يصير الحرام حلالًا والمنكر معروفًا في مثل وضعنا هذا؟ وإلا كيف نعيش إن لم نفت بهذا، ونحلل ما حرمه الله حيث الضرورات تبيح المحظورات.
تبدل الأرض غير الأرض، والأهل غير الأهل؛ لأنه تبدل الحاكم غير الحاكم، والمنهج غير المنهج.
لقد بعث الله رسلًا من قبل كل رسول لمعصية واحدة؛ فبعث صالحًا لإصلاح الفساد الناتج من التطفيف في الكيل والميزان، وأرسل لوطًا لتطهير المجتمع من الانحراف الخلقي، وأرسل موسى لانتزاع السلطان من الطاغوت ورده إلى الله الذي له الحكم والأمر، وهكذا كل الرسل أرسلوا لإصلاح مفسدة واحدة فقط.
وهالني أن تجتمع كل هذه المفاسد وأكثر في المجتمع الواحد؛ حتى انقلب المجتمع جاهليًا دونها كل الجاهليات التي عرفتها البشرية، ولن يبعث الله رسولًا بعد لأن الرسالة ختمت فما العمل؟
ليس الاغتراب اغتراب الأبدان عن الأوطان، ولا التباعد الأهل والأحباب، فإن التباعد لا يضر إذا تقاربت القلوب، وإنما الاغتراب الحقيقي هو اغتراب الفكر والروح، فإن كل فرد من المسلمين يعيش في عقر داره وبين أهله وولده مغتربًا بعد أن أحدث الغزو الثقافي شرخًا كبيرًا يصعب علاجه في جدار آيل للسقوط، وليس أدل على ذلك إن وجدت من يقول لي: أمريكا دار إسلام.
قلت: بل أمريكا دار الهربس والإيدز.
ابن بطوطة
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل