العنوان ماذا خـسر العالم بانحطاط المسلمين اقـتصاديًا؟
الكاتب وسام فؤاد
تاريخ النشر السبت 06-يوليو-2002
مشاهدات 70
نشر في العدد 1508
نشر في الصفحة 46
السبت 06-يوليو-2002
يعيدنا العنوان إلى كتاب كان قد ألفه العلامة الإسلامي أبو الحسن الندوي -يرحمه الله- في مطلع السبعينيات، بعنوان «ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين»، وقد وضعه لانتشال رجال الأمة من حال الانكسار الحضاري التي عانوها منذ استعلت حضارة الغرب النابذة للقيم. والآن، وبعد أكثر من ربع قرن من الزمان على ظهور هذا الكتاب تنزع نفوس المثقفين لاستلهام عنوانه.
ملامح الأزمة الاقتصادية العالمية في واحد من أهم الاجتماعات الاقتصادية العالمية التي شارك فيها أكبر الاقتصاديين العالميين، وأكثر ساسة العالم خضرمة في مجال السياسة والاقتصاد اختزل هؤلاء القادة العالم إلى رقمي ۲۰ و ۸۰ .
ففي مؤتمر الاقتصاد المعولم الذي انعقد بجوار وادي السيليكون في ولاية كاليفورنيا الأميركية منذ أكثر من عام وحضره الرئيس الأمريكي الأسبق جورج بوش ورئيسة وزراء بريطانيا السابقة مارجريت تاتشر وآخر رئيس للاتحاد السوفييتي جورباتشوف واقتصاديون كبار مثل ديفيد باکارد، وماسايوشي صن، وزيجينيو بريجنيسكي، مستشار الأمن القومي الأمريكي الأسبق: اختزل قادة العالم مستقبله الاقتصادي في تركيز العمالة في ۲۰% فقط من إجمالي عدد سكان العالم، فهؤلاء فقط سيكفون في المستقبل للحفاظ على نشاط الاقتصاد الدولي وأعلن أحد أكبر التجار وهو واشنطن سيب أنه لن تكون ثمة حاجة إلى أيد عاملة أكثر من ٢٠% من سكان العالم، فهذا الرقم سيكفي لإنتاج جميع السلع ولسد حاجة الخدمات التي يحتاج إليها المجتمع العالمي هذه النسبة هي التي ستعمل وتكسب المال وتستهلك.
هذا الرقم المخيف لم يحلم به حتى أكثر مفكري اليسار تشاؤمًا حيال مستقبل العالم. فأولئك المتشائمون كانوا يتحدثون منذ بضع سنين عن تآكل الطبقة الوسطى في كل المجتمعات وهو الطرح الذي أفزع مفكري العالم، حتى وجد لهم العالم الاقتصادي البريطاني أنتوني جيدنز ما أسماه بنظرية الطريق الثالث، وهو الذي قام بالتنظير للمدرسة التي انتمت إليها التجارب الاقتصادية لكل من الرئيس الأمريكي بيل كلينتون ورئيس الوزراء البريطاني توني بلير ولكن يبدو أن قوة العولمة الاقتصادية أكبر من كل من الولايات المتحدة وبريطانيا. فقد ذهب كلينتون ونائبه آل جور إلى أرشيف التاريخ، وحل محلهم الجمهوريون الرافضون للدور الاجتماعي للدولة، كما تقلصت طموحات البرنامج الانتخابي الذي نجح به توني بلير في الانتخابات النيابية البريطانية ليصبح أول رئیس ورزاء عمالي بعد ٢٩ سنة من حكم المحافظين، حيث يرتد بلير يوما بعد يوم نحو المذهب التاتشري «نسبة إلى رئيسة الوزراء المحافظة مارجريت تاتشر» فيرفع الضرائب، ويرفض الدعم وهو ما دعا البريطانيين في الانتخابات البلدية الأخيرة للتصويت للمحافظين كنوع من العقاب له بعدما تلاشى الفارق بين العمال والمحافظين في السياسات الاجتماعية.
وكملمح فرعي من هذه الصورة البائسة يمكننا الإشارة إلى إحصائية طريفة ومبكية في آن واحد. فهناك في العالم ٣٥٨ مليارديرًا يمتلكون ثروة تضاهي ما يملكه ۲٫٥ مليار نسمة من سكان المعمورة هذا إن كان لنا أن نبقى على اسمها المعمورة. وعلى صعيد الدول نجد أن ۲۰٪ من دول العالم تستحوذ على ۸٥٪ من الناتج العالمي الإجمالي، وعلى ۸٤٪ من التجارة العالمية، ويمتلك سكانها ۸٥٪ من مجموع المدخرات العالمية.
إنها كارثة بكل المقاييس. وعلى الرغم من بشاعة الأرقام السابقة إلا أن علماء الاقتصاد تفننوا في معالجتها بحيث لا تصدم شعوب الدول المتأخرة على سلم التقدم.
في بعض الدول النامية يبلغ متوسط الدخل اليومي للفرد أقل من دولار أمريكي واحد، بينما في الغرب أناس مثل بيل جيتس يصل دخلهم اليومي أكرر دخلهم اليومي، إلى ۱۷ مليون دولار، حتى إن بعض الباحثين يلجأ لحساب دخول هؤلاء بالثانية الواحدة، ويصل دخل بيل جيتس بالثانية الواحدة إلى ما يقارب ۲۰۰ دولار.
بهذه الصورة لن يمكن حتى لتنازل الدول الغنية عن ديونها المستحقة على الدول الفقيرة أن يحل المشكلة، وكل ما سيتم تغييره لن يتجاوز مئات المليارات، وهو رقم ضئيل بالنسبة لموازنات الدول الكبرى التي تعد بمئات التريليونات فحتى لو ألغيت هذه الديون فإن هذا يعني تدوير ٥% فقط من الدخل العالمي لصالح الدول المدينة. وهو رقم لن يؤثر كثيرًا على العلاقة المضطربة بين الجانبين.
ماذا عن إعادة توزيع الدخول والثروات
لولا الحياء والعزة بالإثم لوقف زيجينيو بريجينسكي مستشار الأمن القومي الأميركي الأسبق ليعرب عن تأييده لنظام الزكاة والصيرفة الإسلامي كعلاج وحيد لأزمة الاقتصاد العالمي الحالية والمستقبلية. وإن وقف أحد مفكري الإسلام لترديد نفس المقولة لقابلته منظومة معدة سلفًا من مقولات التأنيب والتوبيخ، غير أن بريجنسكي كان له توجه ثالث كعادته المشكلة التي تصدى لها بريجينسكي قامت على بعدين :
الأول: التفاوت الحاد في توزيع الثروة والدخل العالميين. حيث يمتلك ٣٥٨ شخصًا ما يفوق ما يملكه ۲٫٥ مليار شخص.
الثاني: أن استمرار نمط تقسيم العمل دوليًا وقطريًّا من شأنه أن يطرد قوة العمل من سوق العمالة ليقتصر هذا السوق فقط على ٢٠% منها، وهو ما يعني أن أربعة أخماس قوة العمل لن تجد عملًا منتجًا، وستكون عالة على الخمس الباقي.
نعم ستكون «عالة» ولهذا صك بريجينسكي أحدث المصطلحات الاستراتيجية الاقتصادية مسميًا إياه بالإعالة المرفهة، أو Titytainment وهو مصطلح إنجليزي منحوت من كلمتين هما:
كلمة Tit بمعنى الثدي الضخم للمرضع التي يفيض لبنها عن حاجة وليدها، فتوزعه على آخرين.
كلمة Entertainement وتعني الترفية، ولا يخفى في إطار علم اجتماع المعرفة - المدلول الجنسي للكلمة. فالثدي الممتلئ يجمع بين وظيفتي إطعام الصغار والمتعة. ولعل هذا المفهوم يعكس النزعة الفرويدية التي ترى أن الطفل يظفر من الأم بمتعتي إشباع حاجته للطعام والمتعة الجنسية. وفي هذا الإطار يظهر الفارق بين هذا المصطلح بما يحمله من دلالات تنتمي للبيئة الغربية الباحثة عن المتعة، ومصطلح الزكاة المنتمي إلى البيئة الحضارية الإسلامية والتي اكتسب منها معاني التزكية والتطهير والإحسان.
والفكرة الأساسية الكامنة وراء مفهوم بريجينكسي تكمن في توفير خليط من التسلية المخدرة والتغذية الكافية، مما يؤدي إلى تهدئة خواطر سكان الكوكب المحبطين.
لكن الردود على أطروحة بريجينسكي جاءت لترفض هذا الطرح، معتبرة أن الالتزام الاجتماعي من جهة المؤسسات الإنتاجية أمر غير وارد في ظل الضغوط الناجمة عن المنافسة التي تفرضها العولمة، وتجعلها أساس النمو الاقتصادي في منظومة الاقتصاد الغربية وبناء على هذه الردود توقع المهيمنون على مصائر الاتحادات والمؤسسات الصناعية أن الأمر لن يستمر طويلًا حتى نرى في الدول الصناعية الغربية نفسها أفرادا ينظفون الشوارع بالسخرة، أو يعملون خدمًا في المنازل قصد الحصول على ما يسد الرمق ناهيك عما لم يتم ذكره من اتساع نطاق ممارسة الدعارة وتنامي معدلات الجريمة.
حالة المجتمع الرأسمالي المرفهة انتهت
خلال عقد التسعينيات وقفت مجموعة اليساريين العالميين -وفيهم عرب- يراجعون أنفسهم، ليروا أن الفكر الاشتراكي وصل إلى طريق مسدود، بينما الممارسة الرأسمالية نجحت في تلبية مطالب الرجل العادي من خلال تزويده بكم هائل من الكماليات وهي السلع التي كانت دون مقدرة الرجل العادي عبر عصور التاريخ وكان من أبرز من تبنوا هذه الفكرة في العالم العربي المفكر جلال أمين في كتابه: «مصر في مفترق طرق».
ولكن في الوقت الذي كان فيه المفكرون العرب ينقلون هذه القراءة إلينا من مفكري الغرب المبشرين بالعولمة، أخذ عالم المستقبليات جون نايزيت يحلل واقع المجتمعات الصناعية ليتوصل إلى نتيجة مفادها أن عصر المجتمعات الصناعية، وما أفرزه من مستوى معيشي مرتفع لغالبية المجتمع ليس سوى حدث عابر في التاريخ الاقتصادي.
عودة إلى بريجينسكي فالردود التي استهجنت أطروحته لن تجد لها سندًا بل ستكون نظريته في الغالب محل احتفاء وبخاصة لدى الساسة، ومفكري الاجتماع الاستراتيجيين أو علماء الهندسة الاجتماعية والسياسية. فاستمرار التفاوت والاستقطاب الطبقي الحاد من شأنه أن يحول حالة الإحباط العامة إلى ثورة عارمة تعيد ذكريات الثورات الاجتماعية بما تحمله من دموية وراديكالية حيال قضية توزيع الثروات، ومن ناحية أخرى فإن استمرار الاستقطاب الطبقي الدولي من شأنه أن يقود إلى أحداث قد تفوق في وحشيتها وتدميرها أحداث سبتمبر ۲۰۰۱ . ولذا من المتوقع أن يتم تطبيق الإعالة المرفهة لا على المستوى القطري والإقليمي الغربي فحسب، بل على مستوى الكوكب ككل.
نظرية جزئية بطبيعتها: ورغم أن المعطيات تشير إلى صلاحية طرح بريجينسكي، إلا أن هذا لا ينفي كون أطروحته جزئية بحكم تأسيسها ويحكم هدفها في أن فهي جزئية بحكم تأسيسها لأنها نشأت من داخل المنظومة الغربية بهدف الحفاظ عليها من غضبة الجياع المحبطين ومن هنا كان بحثها عن توليفة من المنح المخدرة للإحباط بالترفيه. والجوع بالغذاء وهي جزئية بحكم هدفها : فهدفها ليس العلاج، بل الوقاية من التدهور إنها لا تقدم بديلًا، بل تقدم مسكنات فحسب، فهي لا تستهدف علاج الخلل الهيكلي في توزيع الثروة ولا الخلل الهيكلي في تقنية الإنتاج وتأثيرها على علاقات العمل وتقسيمه، بل تستهدف استمرار هذه الأوضاع دون تغيير وتسعى لتكريس تلك الاستمرارية بقدر عال من الأمان والحماية لمسيرة العجلة الاقتصادية الرأسمالية بكل تشوهاتها .
أطروحة أدنى نجاعة بكثير من الزكاة
وبالرغم من قطنة بريجينسكي إلى الحاجة لإجراء يكفل إعادة توزيع الثروة، إلا أنه فشل في الوصول إلى المستوى الرفيع الأطروحة الزكاة في التشريع الإسلامي فالزكاة مقدار ثابت: ربع العشر أما أطروحة بريجينسكي فلم تجرؤ على قياس أو تحديد قيمة ما اعتبره الغربيون إنارة، يمكن التملص من الالتزام بها بإحالتها إلى مجموعات من الهيئات الخيرية والاجتماعية.
ومن جهة ثانية فإن الزكاة وظيفة اقتصادية تتميز بطابع الإلزام فيها، وهي ترتبط بعقيدة المسلم الذي لا يكتمل إيمانه إلا بتأديتها. أما الإعالة المرفهة فلا شيء يلزم أصحاب المليارات بدفعها. ولو تعمقنا أكثر في فلسفة الزكاة لوجدنا أنها تنبع من ضمير إسلامي جمعي ذي وعي تربوي يجعل هذه الفريضة ملزمة على صعيد الفرد حتى قبل تحويلها إلى مؤسسات قادرة على الاستمرار أما الإعالة المرفهة فهي: بطبيعتها مفروضة على واقع قيمي يتحلل من أي التزام اجتماعي، فضلًا عن أن محاولة تقنينها في مؤسسات عبر سياسات الدولة وتشريعاتها لن تخلو من جهود للتملص منها عبر إخفاء الأرباح أو نقل النشاط الاقتصادي للدول التي لا تفرض مثل هذه الإعالة أو الإثارة كما ينظرون إليها.
ومن جهة ثالثة فإن الزكاة ضريبة ربانية على أصل الثروة، بينما الإعالة ستكون جزءًا زهيدًا من الأرباح، سيتم خصمه في الغالب من الوعاء الضريبي لدافعها. وهذا ما يجعل الزكاة أكثر فاعلية في علاج التفاوت الحاد في الدخول والثروات.
وهناك أبعاد أخرى تثري المنظومة الاقتصادية الإسلامية عن نظيرتها الرأسمالية فبينما يأتي طرح بريجينسكي كعلاج وقتي مع استمرار بقية المنظومة الرأسمالية في دورانها بنفس تشوهاتها، نجد أن المنظومة الإسلامية الشاملة ترفض من الأساس مصادر التشوهات التي تحفل بها المنظومة الرأسمالية، وتطرح نموذجًا تراحميًا شاملًا للنماء. ولعل الإحاطة بكافة جوانب تلك المنظومة تقتضي المتابعة في وقت آخر نلمس فيه بعدًا جديدًا مما خسره العالم بانحطاط المسلمين اقتصاديًا.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل