العنوان اقتصاد: أبعاد الأزمة المالية العالمية (1 من 2)
الكاتب محمد غانم
تاريخ النشر السبت 04-أبريل-2009
مشاهدات 64
نشر في العدد 1846
نشر في الصفحة 36
السبت 04-أبريل-2009
هذه الأزمة لا تزال غامضة وإدراك حقيقتها مرتبط بالتفرقة بين مفاهيم الاقتصاد والمال والسياسات النقدية
الإنسان منذ الخليقة مجبول على النزعة الاقتصادية بفطرته ونوازعه الثقافية بصرف النظر عن انتمائه العقائدي
إصرار العقيدة الغربية على رفض تشريع الوحي جلب للمجتمع البشري مصائب كثيرة منها تلك الأزمة
.. والاقتصاد الوضعي القائم على إقصاء الدين واعتبار أن العقل مصدر العلوم الإنسانية والمشرع لها وراء الكارثة
إن حقيقة الأزمة المالية العالمية لا تزال غامضة على أكثر الناس، ولكي يتسنى لنا إدراك حقيقة هذه الأزمة، فإن علينا أولًا أن نفرق بين عدد من المفاهيم المتفرَّقة لهذه الأزمة، ومن بينها ماهية مضمون الاقتصاد، أو النظام الاقتصادي وكذا المال أو النظام المالي، كذلك مفهوم النقود وعلاقته بالنظام النقدي وبالسياسات النقدية ثم التساؤل الذي يتوج كل هذا القدر من صيغ الاستفهام وهو: أين موقع المؤسسة البنكية من كل هذا لتصبح ضرورة حضارية؟
إن هذه المفاهيم وغيرها، والعبارات اللغوية التي حملت معانيها وأغلبها بالإنجليزية لطبيعة نشأتها الأولى وكذا المدلولات والمصطلحات كانت جميعها موضع أبحاث اهتم بها علم الاقتصاد الحديث، ثم تطورت مناهجه وتعددت أساليبه وأغراضه وتنوعت أدوات قياسه ومنهج بحثه إلى حد جعل جمهرة من الناس تصنفه على أنه علم تخصصي يحتكره الأكاديميون والسياسيون، وإن تناوله موقوف على علمائه ومنظّريه، وليس لأحد دون أولئك أن يفهم أبعاده أو يسبر أغواره.. وتلك مغالطة شائعة وتصور قاصر، جعل الكثيرين يتخذون موقف المشاهد من القضايا الاقتصادية والمراقب لها في سلبية تجعل المرء لا يدلي بدلوه ولا يشارك برأي في قضايا حياتية كثيرة تتزاحم حوله كل يوم.
وحدة النشاط الإنساني
إن جوهر وحقيقة الأمر أن الإنسان منذ الخليقة مجبول على النزعة الاقتصادية شأنه في ذلك شأن فطرته الاجتماعية ونوازعه الثقافية، وكلها طبائع جُبل عليها الإنسان بصرف النظر عن التفسير العقائدي لهذه النزعات ضمن الظاهرة الإنسانية في شمولها وهي التي تدفع الإنسان ليمارس أنشطته المختلفة الاقتصادية منها أو السياسية أو الاجتماعية، ولقد عبّر الإنسان عن هذه الأنشطة ورسم لها قواعدها وأصولها منذ كانت بداية الإنسانية، علما بأن الأصل هو وحدة النشاط الإنساني، فالإنسان منذ الخليقة يأكل ويشرب، ويتناسل، ويترحل، ويتبادل المنافع والحاجات، وما إلى ذلك من الأنشطة، ولكل نشاط منها آثاره وأبعاده الاجتماعية والاقتصادية والسياسية وغيرها، فليس ثمة نشاط يُعرف بالنشاط الاجتماعي أو النشاط السياسي يمارسه الإنسان في زمن معين على سبيل الحصر، لكن هذا الفصل هو افتراض لأغراض الدراسة والأمور الأكاديمية وهو مستحيل عمليًا.
وما علم الاقتصاد إلا تعبير حديث عما يُعرف بالأنشطة الاقتصادية، كأحد مظاهر وحدة النشاط الإنساني طبقا للمعتقد الغربي إن جاز هذا التعبير، وهي تعتمد في فهم الظاهرة الإنسانية على أساسين: أولهما: اعتبار العقل هو مصدر العلوم الإنسانية أسوة بالعلوم الطبيعية، ثانيهما: إقصاء الدين كمصدر للعلوم الإنسانية وحصره في الشعائر الدينية، وعبَّر عن ذلك بعدة مفاهيم منها فصل الدين عن السياسة، وما لقيصر لقيصر ليس للخالق فيه نصيب، وإلى غير ذلك من ترَّهات جوفاء خالية من المعنى، متهافتة في المضمون.
تلك العقيدة الشوهاء ظهرت أول ما ظهرت في أوروبا، وبالتحديد نتيجة لصراعات طويلة بين سطوة الكنيسة وسلطة القياصرة من جانب ونخبة المثقفين من جانب آخر، وأحاطت بهذه العقيدة ظروف وخصوصيات كثيرة ومتفاوتة من مكان إلى آخر، وعُرفت بالإنجليزية بـ Secularism وبالفرنسية laicité ودخلت قاموس العربية فيما عُرف بكلمة «العلمانية» علمًا بأن مدلول هذه الألفاظ مختلف تمامًا، كما أن واقع هذا الصراع ليس له أصل في العالم الإسلامي غير أن هناك من يحاول أن يفرض نتائج هذا الصراع على المجتمعات الإسلامية فرضًا وبصور وأساليب عشوائية.
وليس من شك أن لتلك الحركة ثمة إنجازات إيجابية لعل أهمها الوصول بالمجتمعات الغربية إلى مستوى ملحوظ من سيادة الديمقراطية وسطوة القانون، واحترام حقوق الإنسان وغير ذلك من مظاهر إيجابية تنعم بها دول الغرب، غير أن هذه الحركة تنطوي على انحرافات تحيد بالبشرية عن فطرتها الأولى؛ ذلك أنها قدست العقل وتبتلت في محرابه، وآمنت به إيمانا مطلقا لا ينازعه فيه شريك في حين أقصت الدين وأبعدته عن مظاهر الحياة الدنيوية وسلوك الأفراد والجماعات وحصرت كل شأنه وطقوسه على طائفة بعينها لا يتعاطون غيره ولا يتدخل في شأن من شؤون الحياة.
انحراف الفهم
ولنا هنا وقفة فحواها أن علينا التفريق بين احترام العقل الإنساني، وإعماله في أطر حدوده الطبيعية والمرتبطة بقدرات الإنسان نفسه وتفاوتها بين الأفراد ضمن هذه الحدود وبين إطلاق العنان له وإخضاع كل أمور الكون وظواهره له، واستخدامه في تفسير أمور وظواهر خارجة عن نطاق الإدراك البشري أو الإحساس الآدمي كالغيبيات، والقضاء والقدر والألوهية وكنه كثير من العبادات، والتي مردها جميعًا إلى الوحي الإلهي فيتعسفون في إيجاد أسباب لها! ويجاهدون في ردها إلى العقل وإلى مدرجات الجامعات وأروقة المعامل وأبحاث العلماء والمكتشفين! وما الأزمة التي يجتازها العالم تلك الأيام إلا نتيجة حتمية لهذا الانحراف في الفهم والمعتقد، وتحميل مدارك الإنسان ما لا يحتمل، والاستعانة بها في فهم ما لم يُؤهل له؟ وترتب عن ذلك الانحراف في الفهم تراكمات عديدة أساسها واحد ومظاهرها متعددة بتعدد وتنوع النشاط الإنساني.
ومن نافلة القول أن فكرة الدين المبنية على وجود خالق حكيم قادر مقتدر خلق كل شيء، وجعل له وظيفته، وقدر حكمته، وخلق الإنسان فخصّه بعبادته، وجاءه المرسلون مكلفين بالشرائع والرسالات فتحقق العبودية لله وحده وتسود شريعة الله ويعم الخير والرخاء أرجاء المعمورة، حقيقة دينية قائمة على المنطق السديد، وإعمال العقل في حدود طاقته التي أودعها الخالق فيه.
أما الفكر السقيم الذي مؤداه وفحواه أن الكون جاء صدفة ثم تدرج في التطور إلى أن وصل إلى ما هو عليه بما في الإنسان نفسه فما تلك إلا نظرية تعتمد على الظن ولم يساندها منذ نشأتها برهان أو يقوم عليها دليل، بل على النقيض منها فما وصلت إليه البشرية من تقدم وإنجازات في العلوم والتكنولوجيا يدحض هذه النظرية من أساسها ويهدمها من جميع جوانبها.
مضمون علم الاقتصاد
خلاصة القول لهذا العرض المبسط هو إظهار الأثر الذي ترتب على اتباع عقيدة الـ Secularism، وتحديدًا في اعتبار العقل مصدر العلوم الإنسانية والمشرع لها من جانب وإقصاء شريعة الوحي من جانب آخر، والاستدلال تأسيسًا على ذلك هو مضمون علم الاقتصاد الوضعي، وكيف دفع ذلك كله إلى الأزمة الحالية التي يجتازها العالم أجمع.
يرتكز علم الاقتصاد على دعامتين رئيسيتين: أولاهما: ما يُعرف بالمشكلة الاقتصادية، ثانيتهما: اعتبار هذا العلم كغيره من العلوم الإنسانية، والمعروفة بالعلوم الاجتماعية على أساس أنه علم إيجابي Positive، وليس معياريًا Normative. والمتأمل لهاتين الدعامتين يدرك أنهما لم يأتيا من فراغ، بل هما تعبير لهذه العقيدة الغربية التي أوردناها أنفًا، بل هما ضمان لأصولها، فالمشكلة الاقتصادية والادعاء بأن ثمة انعدام تكافؤ بين الموارد المحدودة والرغبات غير المحدودة، برغم أن هذه المشكلة إن هي إلا افتراض محض مع غموض في دلالات عباراتها والمقصود منها وكذلك أثرها الاقتصادي، إلا أن ذلك الافتراض يجعل الإنسان في موقع المسؤول عن إصلاح خلل في الخَلق، فأدى ذلك به أن يُعمل العقل في ذلك الإصلاح فأخرجه ذلك كله عن دائرة حدوده، ونطاق معرفته فظلم نفسه ومن حوله وأساء استخدام فكره، فتوالت المصائب، وظهر الفساد في البر والبحر!
أما القول: إن علم الاقتصاد هو علم إيجابي وليس بمعياري؛ فإن ذلك يعني أن يختص بوصف الأشياء وصفاتها، ويرفض تمامًا مبدأ قبول التكاليف الدينية بما فيها من أوامر ونواه، وترغيب وترهيب، فخلط بين خصائص الأشياء الثابتة والمسخرة للإنسان التي تتناسب مع الغرض من وجودها وبين طبيعة الإنسان وتمتعه بدائرة اختيار هي العلة في تكليفه أمرًا ونهيًا لتكون اختبارًا له في الوصول إلى الغرض الوحيد من خلقه وهو عبادة خالقه.
وهكذا أصرت العقيدة الغربية على رفض تشريع الوحي فأصابت المجتمع البشري بأمراض عديدة وجلبت عليه مصائب كثيرة أقربها إلينا تلك الأزمة العالمية التي نواجهها جميعًا والتي يرجع سببها الرئيس إلى الاستهانة بتحريم الربا، وعدم الاعتراف بخطورته الماحقة على الأفراد والجماعات والأوطان والأمم، بل والإصرار على مقارفته برغم التهديد الإلهي بحرب من الله ورسوله لا قِبَل للإنسان بها ولا طاقة له عليها.
(*) باحث في الشؤون الاقتصادية- لندن
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل