العنوان الآثار السياسية للكارثة الاقتصادية الأمريكية
الكاتب د. عصام العريان
تاريخ النشر السبت 11-أكتوبر-2008
مشاهدات 57
نشر في العدد 1822
نشر في الصفحة 21
السبت 11-أكتوبر-2008
فرضت الكارثة الاقتصادية التي لحقت بالأسواق المالية الأمريكية نفسها على العالم أجمع وما زالت تلك الكارثة غير المسبوقة والتي سماها المراقبون أزمة القرن تؤثر في أسواق العالم أجمع، خاصة تلك الدول الأوروبية والأسيوية التي ترتبط بأمريكا بحبل سري وبسبب هيمنة أمريكا اقتصاديًا وسياسيًا على العالم، وفرضها سياسات العولمة على الجميع..
ورغم إقرار الكونجرس الأمريكي خطة الإدارة الأمريكية بعد تعديلها وبأغلبية كبيرة؛ بسبب حجم الكارثة ولدواعي الانتخابات القادمة بعد شهر، ومعارضة المواطن الأمريكي الاعتيادي الذي خسر حتى الآن أكثر من ثلث مدخراته، خاصة أصحاب المعاشات؛ إلا أن قدرة تلك الخطة على إنعاش الاقتصاد وحل الأزمة ما زالت محل شك كبير لدى المحللين والمراقبين، ويتداعى القادة الأوروبيون لقمة اقتصادية وسط اتهامات غير مسبوقة لأمريكا وسياستها الاقتصادية، وتنهال الاتهامات أيضا من روسيا وكندا، ويجمع الجميع أن ما بعد الكارثة لن يكون كما كان قبلها اقتصاديًا وكذلك سياسيًا.
ومنذ سنوات طويلة ارتبط الاقتصاد بالسياسة، وأصبح تأثير القدرة الاقتصادية على النفوذ السياسي واضحًا لا لبس فيه؛ فهل سيكون لتلك الكارثة آثار سياسية على قدرة أمريكا في العالم وقيادتها للأحلاف العسكرية وهيمنتها المطلقة بعد سقوط الاتحاد السوفييتي منذ عشرين سنة؟!
إن أول تداعيات »الكارثة« هو انهيار فكرة «العولمة» التي روَّج لها مبشرون كثيرون والتي ربطت الاقتصاد بالثقافة والسياسة فقد كان السبب الرئيس في الكارثة هو «الليبرالية المتوحشة» والأفكار المتعلقة بحرية السوق، بعيدًا عن الرقابة الحكومية وحزمة الأفكار والسياسات التي روج لها «المحافظون الجدد»، والتي عُرفت بـ: «العولمة».
لقد ظهرت العولمة كغطاء ناعم للاستعمار الأمريكي الجديد الذي عرض نفوذه في أرجاء العالم، وقد ربط كافة المؤرخين صعود الإمبراطوريات العالمية في التاريخ بقدراتها الاقتصادية والعسكرية وها وهي سنن الله تنطبق على الإمبراطورية الأمريكية؛ فالانهيار الاقتصادي الحالي ضرب معظم جوانب الاقتصاد والحياة الأمريكية.
ولن تنقضي بضع سنوات إلا وستضعف القدرة العسكرية الأمريكية، وستعود إلى سيرتها الأولى قبل بروز فكرة هيمنة الإمبراطورية الأمريكية والسيطرة العسكرية على العالم، وشن الحروب الاستباقية في أكثر من مكان.
أما أوروبا التي عاشت خلال أكثر من نصف قرن تابعة لأمريكا بعد الحرب العالمية الثانية، والتي فرضت النفوذ الأمريكي العسكري والسياسي والاقتصادي على الدول الأوروبية الكبرى، فها هي تخرج منها تصريحات ومؤشرات تدلل على تحرّرها من ذلك النفوذ الأمريكي!
وإذا برزت أوروبا كقطب مستقل عن الهيمنة الأمريكية؛ فإن ذلك يعني تنافسًا عالميًا جديدًا أو استعدادًا لوراثة العهد الأمريكي، وعودة إلى قيادة أوروبا للعالم من جديد، ولكن مع وجود منافسين عالميين آخرين، خاصة روسيا والصين والهند.
هل ستعود روسيا إلى نظام اقتصادي مختلف بعد التأثيرات الضخمة للكارثة على اقتصادها وعلى أسواقها المالية الناشئة؟ سؤال يفرض نفسه ولكن على الأقل سياسيًا؛ فقد قوي موقف روسيا الجديدة التي يقودها »بوتين» ويريد لها نفوذًا عالميًا مستقلًا.
أما الصين التي تراقب من بعيد؛ فلا أخبار ولا تحليلات عن مدى الخسارة التي لحقت بها وبأسواقها واقتصادها، خاصة أنها من أكبر المستثمرين في السوق الأمريكية المنهارة، والظاهر أنها لن تتأثر كثيرًا؛ بسبب دور الحكومة في الرقابة والقيادة الاقتصادية والحذر الصيني المعهود، وبالتالي سيتعزز نفوذ الصين السياسي في العالم.
ماذا عن منطقتنا العربية والإسلامية؟
لقد عاشت المنطقة محلًا للنفوذ الاستعماري الغربي الأوروبي ثم الأمريكي، وتجاذبتها آثار الحرب الباردة خلال الخمسينيات والستينيات قبل أن تعود إلى الحظيرة الأمريكية في الثمانينيات وحتى الآن.
فهل نتحرر من النفوذ الأمريكي إذا ضعفت القدرات الأمريكية؟ أم أن اعتماد نخبنا السياسية والاقتصادية على التبعية سيجعلهم يبحثون عن راع جديد وصاحب نفوذ أقوى؟ أم ستضرب الفوضى في المنطقة وهناك من العوامل والأسباب الداعية إليها الكثير؟ أم ستنهض قوى المقاومة والممانعة بعد الكارثة التي ألمت بأمريكا وأوروبا؟!
المشكلة الرئيسة أن الربا والسياسات الاقتصادية المتعلقة به من «خلق النفوذ» الوهمية والائتمان الذي لا يعتمد على أسس واقعية؛ بل على مجرد الثقة والنفوذ المالي وتنامي النزعة الاستهلاكية والبحث عن الربح الحرام من أي طريق، هذا الربا المحرم في كل الشرائع السماوية سيطر على مفاصل الاقتصاد العالمي، ولا يقدر المسلمون على تقديم البديل الإسلامي في اللحظة الراهنة؛ بسبب حال الضعف السياسي والاقتصادي والثقافي والفكري الإسلامي رسميًا وشعبيًا ونخبويًا.
ستنهار الإمبراطورية الأمريكية وبعدها ستتحلل الدولة الأمريكية نفسها كما انهارت وتحللت قوى كبرى عالمية من قبل، وسيعود الاتزان إلى الساحة العالمية وقد يكون ذلك مناخًا مواتيًا لصعود قوة إسلامية واحدة؛ تحقق للمسلمين مكانة تليق بهم وبرسالتهم التي جعلها الله رحمة للعالمين ..
الأعداد القادمة
المجتمع تواصل فتح الملف دراسات لـ:
د. حسين شحاته
د. علي محيي الدين القرة داغي
أ. عبد الكريم حمودي
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل