; الآخر.. والإسلام (٣ من ٣)- تنازلات المسلمين.. وماذا بعد؟! | مجلة المجتمع

العنوان الآخر.. والإسلام (٣ من ٣)- تنازلات المسلمين.. وماذا بعد؟!

الكاتب د. زينب عبدالعزيز

تاريخ النشر السبت 27-أغسطس-2011

مشاهدات 59

نشر في العدد 1967

نشر في الصفحة 50

السبت 27-أغسطس-2011

  • هجمة «الآخر» الشرسة على الإسلام باتت واضحة.. والرد عليها يجب أن يكون حاسمًا لا تهاون فيه
  • في أول جلسة لها مع لجنة الأزهر أكدت لجنة الفاتيكان أنه «لا نقاش في العقيدة».. فما جدوى الحوار والخلاف أساسا في العقيدة؟!
  • الأزهر فرط في حق الإسلام بقبوله إلغاء مادة الدين من التعليم كمادة أساسية للنجاح والرسوب

ؤلمني ويخجلني أن أشير إلى عدة نماذج مما قدمه بعض المسلمين من تنازلات في حق دينهم، رضوخًا أو مرضاة للمؤسسة الكنسية، جهلًا أو عن عمد، إلا أن ما وصلت إليه الأوضاع حاليا بحاجة إلى وقفة صارمة دفاعا عن الدين.. فالأزهر - الذي يمثل في مصر وفي العالم الإسلامي أكبر وأعرق رمز للإسلام - فرط في حق الإسلام وفي حق نبيه عليه الصلاة والسلام، بقبوله إلغاء مادة الدين من التعليم كمادة أساسية للنجاح والرسوب، وقبوله «تعديل» المناهج الدينية وتغيير الآيات في المناهج الدراسية بدلا من شرح وتفسير أسباب نزولها، وإسناد المعاهد الأزهرية إلى التربية والتعليم أو تحويلها إلى مرافق أخرى، و«تعديل» الخطاب الديني والمساس بثوابته، وإغلاق المساجد بين الصلوات، وتضييق نطاق بناء المساجد، وتحويل ما لم تقم فيه الشعائر بعد إلى مرافق أخرى، بل وهدم ما تم بناؤه قبل استخراج تصاريح البناء!

وهنا لا يسعني إلا أن أسأل: هل يمكن لهؤلاء المسؤولين والوزراء أنفسهم القيام بمثل هذا التصرف حيال الكنائس التي فاق عددها نسبة أتباعها مقارنة بقلة عدد المساجد بالنسبة للمسلمين؟! فما أكثر ما تم بناؤه من كنائس بلا تراخيص، بل ما أكثر الأراضي التي أخذت بوضع اليد ولم يتحرك أحد، وما أكثر الكنائس التي تضخم حجمها في مكانها إلى درجة الانبعاج الفظ معماريًا، أو تلك المنازل التي تحولت إلى كنائس بوضع قباب تعلوها الصلبان على أسطحها!

وقد خرج العاملون بالأزهر عن تعاليم دينهم ووصايا الرسول عليه الصلاة والسلام بالتهاون في مسألة الحجاب في فرنسا، وبتسليم وفاء «قسطنطين» «نصرانية زوجة قسيس أسلمت» بدلًا من حمايتها، كما غضوا الطرف عن الدفاع عن الإسلام وعن نبيه الكريم في مهزلة مسرحية عرضتها كنيسة الإسكندرية بإحالتها إلى عالم الصمت والنسيان، والصمت أيضا حينما أهانت سلطات القمع الأمريكية المصحف الشريف في «جوانتانامو» وغيرها، وخاصة ذلك الصمت الغريب حينما تم إعلان عيد ميلاد «ربنا يسوع» عطلة رسمية في الدولة «ذات الأغلبية المسلمة»، وكان من الأكرم لهم أن يوضحوا ما بهذا الإجراء من مساس بعقيدة المسلمين الذين يمثلون الأغلبية الساحقة في مصر، وكيف أن مثل هذه الإجراءات تخرج عن حدود التسامح لتسهم أو لتمهد الطريق العمليات التنصير الدائرة!

والأدهى من هذا وذاك، وغيره جد كثير بكل أسف، هو التوقيع في ١٨ أبريل ٢٠٠٥م، على اتفاقية بين الأزهر والفاتيكان والكنيسة الأنجليكانية بالموافقة على أن يقوم المنصرون بأنشطتهم في مصر دون أن يتعرض لهم أحد.

كما أشير خاصة إلى تلك الوثيقة التي بدأ بالتوقيع عليها – جهلًا أو عن عمد - ۱۳۸ من كبار العلماء والفقهاء المسلمين في أكتوبر ۲۰۰۷م، ثم تزايد عدد الموقعين، وهي بعنوان «تعالوا إلى كلمة سواء»، التي يقر فيها الموقعون «أننا - مسلمين ومسيحيين - نعبد نفس الإله»!! وهنا لا يسعني إلا أن أسأل كل من قاموا بالتوقيع على ذلك الخطاب المهين: هل نسيتم أن صفة الإله في الإسلام ليست الوحدانية فقط، وإنما هو «أحد صمد، لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوًا أحد».. بينما الإله عند النصارى هو «ربنا يسوع المسيح، ابن الله، الذي تجسد بشرا ليخلص الإنسانية، وصلب ودفن ونزل الجحيم، وبعث وصعد إلى السماء ليجلس عن يمين الأب، الذي هو نفسه، بما أن الآب والابن والروح القدس إله واحد»؟!

تجفيف منابع الإسلام

وفي نفس هذه السلسلة الممجوجة من التنازلات، صدرت الأوامر الخاصة بتجفيف الإسلام من المنبع إلى كل البلدان الإسلامية..

إضافة إلى الأوامر بتقليل طباعة المصاحف سنويًا، وبذلك سيأتي اليوم الذي لا نجد في متناول اليد سوى «الفرقان الحق؛ تلك البدعة المهينة التي ابتدعتها الأيادي العابثة في الإدارة الأمريكية، وتقوم بتوزيعها على بلدان العالم الإسلامي والعربي على أنه «القرآن المنقح»!

ولا أقول شيئاً عن الفضائيات والبرامج التي تسب الإسلام ونبيه الكريم ﷺ، ولا ترد أو نشرح الحقائق، بل ولا يسمح بذلك إلا على استحياء أو على مضض ذرا للرماد في الأعين!

فكيف بعد كل هذه التنازلات نتحاور مع هؤلاء القوم وتستجيب لمطالبهم بدلًا من وقف مهزلة التنازلات، وبدلًا من المطالبة بوقف هستيريا تنصير العالم، وبدلًا من تجميد العلاقات مع ذلك الغرب الصليبي المتعصب إلى أن يتم تصويب وتغيير كل هذه المهازل؟!

وتكفي الإشارة هنا إلى فساد ذلك الحوار، وإلى أن لجنة الحوار، الفاتيكانية قد فرضت في أول جلسة لها مع لجنة الأزهر وأخذت توقيعها على أنه« لا نقاش في العقيدة»، فما جدوى الحوار إذًا والخلاف بيننا في العقيدة؟!

مناشدة

إن موقف «الآخر» من الإسلام والمسلمين، والهجمة الشرسة على الإسلام باتت من الوضوح والصراحة المعلنة، بحيث إن الرد عليها لا بد وأن يكون حاسما قاطعا لا تهاون فيه.

ولقد استعرضت في عجالة أهم المحاور التي تثبت أن عملية تنصير العالم واقتلاع الإسلام هي قرار لا رجعة فيه بالنسبة للمؤسسة الكنسية، وأن كل الوثائق لديهم تصاغ بهدف تنفيذ ما قرروه عام ١٩٦٥م التنصير العالم.

لذلك، أناشد الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، وجميع المؤسسات والهيئات الإسلامية، أن تتكاتف للدفاع عن الإسلام، واتخاذ التدابير اللازمة لرفض ذلك القرار الخاص باقتلاع الإسلام والمسلمين الصادر عن مجمع الفاتيكان الثاني في وثيقة «في زماننا هذا»، تلك الوثيقة التي بنيت عليها أهم قضيتين منفصلتين متكاملتين: تنصير العالم من جهة؛ واقتلاع الجذور التاريخية الدينية لشعب فلسطين من جهة أخرى.

ففي القضية الأولى: لا بد من التصدي بمختلف الوسائل العملية تنصير العالم واقتلاع الإسلام، التي تقوم بها المؤسسة الفاتيكانية الفرض ديانة تم نسجها عبر المجامع على مر القرون، أي أنها أبعد ما تكون عن التنزيل الإلهي.

وعلى أولئك المحرفين فهم أن الإسلام قد أنزله المولى عز وجل بعد أن حاد اليهود والنصارى عن رسالة التوحيد بالله، ولا يحق لهم اقتلاعه بحجة حماية كل ما قاموا به من تحريف وتزوير وحماية لكيانهم!

وفي القضية الثانية: تم استبعاد الإسلام من مكان رسالات التوحيد والزج به بين الديانات الآسيوية، بهدف استبعاد المسلمين وخاصة الفلسطينيين من أرضهم لتقديم أرض بلا شعب لشعب بلا أرض، كما يقولون.

فكل ما أثبتته الأبحاث العلمية والحفائر التي قام بها الصهاينة في سيناء وفي أرض فلسطين أكدت أن اليهود لا أثر لهم أو لوجودهم في هذه الأرض، وتكفي الإشارة إلى أبحاث كتبها عدد من أمناء الأساتذة اليهود مثل كتاب «كشف النقاب عن الكتاب المقدس» لكل من «إسرائيل فنكلشتاين»  I.Finkelsteinو« نيل سيلبرمان»N. Silberman ، وكلاهما بالجامعة العبرية.. أو كتاب «كيف تم اختراع الشعب اليهودي» للعالم «شلومو ساند» Sh. Sand ، وغيرهما الكثير، لندرك أن القضية الفلسطينية قضية سياسية بحتة وليست دينية.

فاليهود - حتى بأقوال الكتاب المقدس بعهديه - لا حق لهم في أرض فلسطين التي اقترفوا فيها كل أنواع العدوان والمجازر المحرمة دوليا لاقتلاع شعبها، لأن وعد هبة الأرض في النصوص كان مشروطًا بالاستقامة، واليهود بأقوال الكتاب المقدس لم يستقيموا وحادوا عن التوحيد بالرجوع إلى عبادة العجل وإلى قتل الأنبياء، وهو ما ينص عليه أيضًا القرآن الكريم.

كما يجب إلغاء ذلك الخطاب المعنون «تعالوا إلى كلمة سواء»، وسحبه من التعامل مع المؤسسة الكنسية بأسرع وقت، فنحن كمسلمين لا نعبد السيد المسيح، الذي تم تأليهه في مجمع «نيقية» عام ٣٢٥م، ولا تعبد الثالوث الذي تم اختلاقه عام ٣٨١م في مجمع القسطنطينية، وإنما نحن نعبد الله الذي ليس كمثله شيء.

وفي نهاية هذا البحث، أتوجه بسؤال يتعلق بعملية تنصير العالم، وباقتلاع شعب فلسطين، أتوجه به إلى البابا «بنديكت السادس عشر» الذي يقود عملية تنصير العالم بهستيريا جنونية وبتعصب أكمه:

ما مصير اليهود في عملية تنصير

تضييق نطاق بناء المساجد وتحويل ما لم تقم فيه الشعائر إلى مرافق أخرى بل وهدم ما تم بناؤه قبل استخراج تصاريح البناء!

في ١٨ أبريل ٢٠٠٥م.. تم توقيع اتفاقية بين الأزهر والفاتيكان والكنيسة الأنجليكانية بأن يقوم المنصرون بأنشطتهم في مصر دون أن يتعرض لهم أحد!

العالم؟ بل ما مصير هؤلاء الصهاينة الذين استوطنوا أرضا ليست من حقهم يقينا، بينما يعاني الشعب الفلسطيني من عمليات قتل عرقي مكبلة الأصداء، على مرأى ومسمع من العالم أجمع؟ هل ستقومون بتنصير اليهود أيضا أم أنهم - لسبب ما - معافون من الخلاص المسيحي؟!

اعتذار صريح

كما أرجو من الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، ومن مختلف الهيئات الإسلامية أن تتضامن وتتكاتف لمطالبة بابا الفاتيكان ورئيس الكرسي الرسولي بتقديم الاعتذار العلني الصريح والواضح لجميع المسلمين عما يلي:

الاعتذار عن خطئه في سب الإسلام

في أكتوبر ٢٠٠٧م.. قام ١٣٨ من العلماء المسلمين بالتوقيع على وثيقة بعنوان «تعالوا إلى كلمة سواء»، يقر فيها الموقعون «بأننا - مسلمين ومسيحيين - نعبد نفس الإله»!

وسب سيدنا محمد ﷺ عمدًا متعمدًا، في الخطاب الذي ألقاه في جامعة «راتيسبون»، فقد تعمد ذلك باختيار استشهاد مغرض، والاستشهاد لا يقف في النص الذي يكتبه المؤلف، وإنما المؤلف هو الذي يختار الاستشهاد لتدعيم رأيه أو لتفنيد الاستشهاد.

الاعتذار عن كل ما قامت به المؤسسة الكنسية ضد المسلمين على مر التاريخ، منذ انتشار الإسلام وحتى يومنا هذا، مثلما اعتذرت لليهود رسميًا عن كل ما كالته لهم من اضطهاد على مر التاريخ.

الاعتذار عن عملية تنصير العالم التي يقودها بإصرار لاقتلاع الإسلام، والعمل على وقفها، فكل ما تسببت فيه من أضرار لكافة الشعوب، بما فيها أتباع المسيحية الذين فرض عليهم وعلى كنائسهم المحلية المساهمة فيها، يتطلب وقف مخازي القمع والإجبار الفرض التنصير، حتى وإن كان بزعم المساعدة أو تحت ستارها المتهتك.

الاعتذار عن الجزء المتعلق بالمسلمين في وثيقة «في زماننا هذا» التي ساهم في صياغتها، في مجمع الفاتيكان الثاني، وكان يحمل لقب واسم الكاردينال «راتسينجر» رئيس لجنة محاكم التفتيش، التي تغير اسمها لتصبح «لجنة عقيدة الإيمان»، وتصويب كل ما جاء بها من افتراءات ومغالطات تاريخية ودينية في حق الإسلام والمسلمين.

الاعتذار للفلسطينيين عن التسبب في اقتلاعهم من أرضهم بتحريف الحقائق التاريخية والنصوص، وعن كل ما تكبدوه من عدوان وتطهير عرقي ونهب لحقوقهم ولثرواتهم، بل ومحاصرة لا تزال تعتصر كيانهم وبنيانهم، والعمل على إعادتها لهم كاملة وعلى عودة اللاجئين الفلسطينيين، فاليهود يقينا لا حق لهم في هذه الأرض التي تم انتزاعها لأغراض سياسية.

وما لم يتم الاعتذار رسميًا عن كل ما تقدم، فيجب على المسلمين وقف التعامل مع هذه المؤسسة الصليبية الرعناء، إلى أن تستقيم وتعي معاني الحق والعدل والحرية والسلام، وإلى أن تدرك أن كل هذه القيم من حق جميع البشر لكي يعيشوا في أمن ووفاق.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل