العنوان الأحداث في أذربيجان «2» أذربيجان وصحوة المارد الإسلامي
الكاتب د. محمد علي البار
تاريخ النشر الثلاثاء 13-فبراير-1990
مشاهدات 68
نشر في العدد 954
نشر في الصفحة 46
الثلاثاء 13-فبراير-1990
• المذابح وحرب المجاعات كانت الطابع الرئيسي
لسياسة لينين.
• خطر امتداد الزخم الإسلامي إلى مناطق أخرى
من العالم يهدد مصالح الدولتين العظميين.
• لينين خدع المسلمين وسلمهم مصحف عثمان رضي
الله عنه.
تناولنا في
العدد الماضي موقع أذربيجان، وفتحها، ودخول الإسلام فيها، ومتى وقعت تحت الاحتلال
واتفاق القوى الكبرى على المسلمين، ويستكمل الكاتب عرض الموضوع.
الثورة البلشفية
تخدع المسلمين:
عندما انفجرت
الثورة البلشفية، كان كثير من المسلمين يتطلع إليها كمنقذ ومخلص من نير القياصرة
واستبدادهم، خاصة أن فلاديمير إيليتش أوليانوف المعروف باسم لينين كان يصدر البيان
تلو البيان للمسلمين، يحثهم على الالتحاق بصفوف الثورة ضد القياصرة المجرمين،
ويعدهم بأن يعيد لهم كرامتهم وحريتهم الدينية والسياسية.
وكان أول بيان
أصدره لينين إلى المسلمين (22 نوفمبر 1917) يتضمن الآتي: "يا مسلمي روسيا، يا
تتار الفولجا والقرم! يا أيها القرغيز وسكان سيبيريا والتركستان، يا سكان القوقاز
الأبطال، وقبائل الشاشان، وسكان الجبال الأشداء.. أنتم يا من هُدمت مساجدكم،
وحُطمت معابدكم، ومزق القياصرة الطغاة قرآنكم، وحاربوا دينكم، وأبادوا ثقافتكم
ولغاتكم!!
"ثوروا من
أجل دينكم وقرآنكم وحريتكم في العبادة!!! إننا هنا نعلن احترامنا لدينكم ومساجدكم،
وإن عاداتكم وتقاليدكم حرة لا يمكن المساس بها، ابنوا حياتكم الكريمة الحرة
المستقلة دون أي معوقات، ولكم كل الحق في ذلك.. واعلموا أن جميع حقوقكم الدينية
والمدنية مصونة بقوة الثورة ورجالها والعمال والفلاحين والجنود وممثليهم..
"لهذا نطلب
منكم تأييد الثورة ومساندتها؛ لأنها تقوم من أجلكم، ومن أجل حريتكم الدينية
والمدنية".
وقام لينين
بخداع المسلمين، وسلمهم مصحف عثمان - رضي الله عنه - الذي كان في حوزة القياصرة،
كما قام بتسليمهم عددًا كبيرًا من الوثائق التاريخية والآثار الإسلامية الهامة.
وقد بلغت
الدعاية البلشفية مبلغًا كبيرًا من النجاح بين المسلمين، حتى اعتقد كثير منهم بأن
ثورة أكتوبر هي منحة السماء لإنقاذ المسلمين من النير القيصري الروسي، والاستعمار
الغربي الأوروبي.
واستمر لينين في
بياناته للمسلمين، ومن ذلك بيانه الصادر عام 1919، والذي جاء فيه: "يا مسلمي
العالم الذاهبين ضحايا الاستعمار، استيقظوا، استيقظوا!! إن روسيا قد أقلعت عن
سياسة الحكومة القيصرية.. تلك السياسة الضارة الخبيثة التي كانت تتمشى عليها
حكومتنا السابقة.
إن روسيا اليوم
تمد يدها إليكم، وتنصركم على تحطيم أغلال الاستعباد والاستبداد البريطاني.
إن روسيا تطلق
لكم الحرية الدينية، وتعترف بحدود بلادكم المعروفة، ولن توافق على إعطاء رقعة من
بلادكم للأرمن... ويمنح المسلمون في روسيا الاستقلال التام".
ولم يكد لينين
يتخلص من قوات آركنجل وكرلشاك ودينكين، حتى بدأ لينين بالالتفات إلى المسلمين
الذين ناصره الكثير منهم.
ومنذ عام 1918،
أرسل لينين مجموعة من الإرهابيين الروس، وتعاون معهم مجموعة من الأرمن والجورجيين
إلى باكو عاصمة أذربيجان، وفي مارس، قام الحزب الشيوعي بمذبحته الرهيبة التي تم
فيها قتل 18 ألف مسلم آزاري "أذربيجاني".
ومع هذا، فقد
تمكن المسلمون من السيطرة على باكو، وأعلنوا قيام جمهورية أذربيجان الحرة التي
اعترف بها الحلفاء، واعترف بها لينين نفسه، نتيجة انشغاله بحرب قوات روسيا
البيضاء.
ولكن ما إن
استتب له الأمر، حتى عاد وهاجم أذربيجان بقوات جرارة، لم تستطع الصمود أمامه، وذلك
في 27 أبريل 1920.
وتجاهلت دول
أوروبا والولايات المتحدة اعترافها بأذربيجان، وسرعان ما اعترفت بسيطرة لينين على
القوقاز بأكمله.
وثار القوقاز
بقيادة علماء الإسلام، واستطاع الإمام نجم الدين غوتسو أن يقود الثورة المسلمة ضد
روسيا وجحافلها، فاستمرت ثورته حتى عام 1925 عندما أُسر نجم الدين غوتسو وسيد أمين
وأُعدما رميًا بالرصاص.
ثم تكررت ثورات
القوقاز الذي سلمته بريطانيا ليد لينين، عندما رأت قوات روسيا البيضاء
"القيصرية" تفشل أمام لينين.
وكان البديل أن
يتحول القوقاز الجنوبي إلى دولة إسلامية، ففضلت بريطانيا أن يتسلمه لينين بدلًا من
المسلمين.
وهي السياسة
التي تسير عليها دول أوروبا والولايات المتحدة، حيث يفضلون أن تبقى تلك البلاد
شيوعية تحت حكم روسيا بدلًا من تحولها إلى دولة إسلامية.
وقامت روسيا
البلشفية بحرب إبادة للمسلمين، وكلما اشتدت المقاومة ازدادت تلك الحرب شراسة،
واستخدم لينين حرب المجاعات لتركيع الثوار المسلمين.
وعلى امتداد
الساحة الإسلامية من القوقاز غربًا وحتى قرغيزيا وقازاقستان شرقًا، كانت المذابح
وحرب المجاعات هي الطابع الرئيسي لسياسة لينين وستالين من بعده.
وعلى سبيل
المثال، يذكر تقرير الرفيق كالينين الذي ولاه لينين مسؤولية القرم، والذي نشرته
"إيزفستيا" في 15 تموز 1922 أن عدد الذين أصابتهم المجاعة في القرم
نتيجة الحصار الروسي أكثر من مليون تتاري قرمي مسلم، مات منهم 100 ألف شخص.
وانخفض سكان
القرم من 5 ملايين مسلم عام 1922 حتى وصلوا إلى أقل من مليون عام 1940. ثم قام
ستالين بقتل وطرد من بقي من سكان القرم الإسلامية التي لم يعد فيها إلى اليوم قرمي
تتاري مسلم واحد.
وواجهت
التركستان أيضًا مذابح مروعة وحرب مجاعات شديدة، ففي مجاعة 1932-1934 التي دبرها
البلاشفة، مات أكثر من 3 ملايين تركستاني مسلم، حتى أكل من بقي منهم الميتة، بل
أكل بعضهم جثث أقاربهم وأطفالهم!!
وتوالت الثورات
في القوقاز وفي أذربيجان بصورة خاصة، ولكن الإعلام الغربي تجاهل تلك الثورات التي
بلغت أكثر من 52 ثورة في الفترة ما بين 1920-1980.
جورباتشوف
والبيروسترويكا
لقد قام
جورباتشوف بتغيير النظام الشيوعي القمعي البوليسي في روسيا ودول أوروبا
بالاشتراكية. وساهم مساهمة فعالة في إنهاء الطغمة الحاكمة في دول أوروبا الشرقية،
وقضى على حلف وارسو، ودعا إلى الانفتاح والسلام... إلخ.
وبدأت دعوات
الانفصال والاستقلال تدخل البيت السوفييتي نفسه، وأعلنت دول البلطيق الواقعة تحت
الحكم الروسي منذ بداية الأربعينيات ثورتها السلمية على الحكم الروسي.
وسمحت السلطات
في موسكو لدول البلطيق مثل ليتوانيا وإستونيا بالتحرك في خط يؤدي إلى الاستقلال
الكامل عن الاتحاد السوفييتي، كما سمحت السلطات في موسكو بإعادة دور الكنيسة
الأرثوذكسية، حامية الإمبراطورية الروسية القيصرية، بل وبدأت إذاعة موسكو تذيع
القداس تلو القداس.
ونقل التليفزيون
الروسي صلوات واحتفالات خاصة بأعياد الميلاد، بعد حرب طويلة دامت بين الكنيسة
والحزب الشيوعي لأكثر من 60 عامًا، وكان اليهود يتمتعون على الدوام بحريتهم
الدينية. وازدادت تلك الحرية بشكل مذهل في عهد جورباتشوف. وبدأت الطائرات الروسية
تحمل أفواج المهاجرين من اليهود مباشرة من روسيا إلى تل أبيب، حتى لا يهرب أحد من
المهاجرين اليهود إلى أوروبا أو الولايات المتحدة، وتحولت موجة المهاجرين إلى سيل
لُجِّيّ. وأعلن شامير رسميًّا أن أراضي يهودا والسامرة "الضفة الغربية"
هي أرض يهودية، وهي وطن أولئك المهاجرين من روسيا، والذين يتوقع وصول ثلاثة أرباع
المليون منهم خلال السنوات الثلاث القادمة.
وأدت سياسة
جورباتشوف المنفتحة على الغرب - وعلى اليهود بصورة خاصة - إلى أن يكون جورباتشوف
أكثر الشخصيات السياسية في العالم شعبية، وخاصة في الغرب.
ولكن ما هو نصيب
المسلمين من كل ذلك الانفتاح؟ صحيح أن سياسة الإعدام والسحل والإبادة قد اختفت.
وصحيح أن سياسة تهديم المساجد وتحطيم دور العبادة الإسلامية قد اندثرت. بل وسُمح
للمسلمين في كثير من الأماكن أن يعيدوا بناء بعض المساجد والمعاهد الدينية.
ولكن الحملة ضد
الإسلام لا تزال مستمرة. ومن المستحيل أن يتصور الإنسان برامج إسلامية دينية تذاع
من محطات محلية في باكو وطشقند مثلًا. وتزداد الحملة شراسة في أذربيجان على وجه
الخصوص للأسباب التالية:
1. تعتبر أذربيجان من أغنى مناطق الاتحاد
السوفييتي بالبترول، وقد بدأت روسيا تستغل نفط باكو منذ عام 1901، ولا يزال نفط
باكو وأذربيجان يشكل أكثر من 50% من جملة النفط الذي ينتجه الاتحاد السوفييتي،
والذي وصل إلى 12 مليون برميل يوميًّا عام 1989. وتنتج أذربيجان بالإضافة إلى
النفط والغاز الطبيعي الحديد بكميات تصل إلى قرابة مليون طن سنويًّا، وتتمتع
أذربيجان بمصادر الكهرباء الوفيرة من مساقط المياه والنفط. كما أنها تنتج 4 ملايين
طن من الألومنيوم سنويًّا، وكمية كبيرة من النحاس، ولها ثروات زراعية كبيرة،
وتعتبر المصدر الأول للشاي في الاتحاد السوفييتي، وهي بعد ذلك منتجع سياحي هام.
ومن الواضح أن روسيا لا تستطيع أن تعطي أذربيجان من الحرية السياسية ما يمكن أن
تعطيه ليتوانيا أو إستونيا مثلًا.
2. تقع أذربيجان في موقع استراتيجي هام، وإذا
سُمح لأذربيجان بالاستقلال؛ فإن العقد سينفرط تمامًا. وستنتهي الإمبراطورية
الروسية، وستمزق الاتحاد السوفييتي. ولا شك أن جمهوريات القوقاز الأخرى ستحذو حذو
أذربيجان، ليس ذلك فحسب، ولكن جمهوريات التركستان ستطالب هي الأخرى باستقلالها.
3. إن أذربيجان وجمهوريات التركستان الخمس مع
جمهوريات تتاريا وبشكيريا الموجودة على ضفاف الفولجا تشكل أكثر من ثلث مساحة
الاتحاد السوفييتي بأكمله، ولا يمكن أن تسمح روسيا ولا أمريكا بإقامة دولة إسلامية
بهذه الضخامة.
4. إن خطر امتداد الزخم الإسلامي إلى مناطق أخرى
من العالم يهدد مصالح الدولتين العظميين والدول الأوروبية الأخرى. وينذر ذلك كله
بصحوة المد الإسلامي الذي ينبغي أن تُبذل كل الجهود لعدم إخراجه من القمقم، لهذا
كله على روسيا أن تقمع بشدة أي ثورة إسلامية، أو حتى قومية في أذربيجان.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل