العنوان نقوش على جدار الدعوة: الأخلاق الآسرة
الكاتب د. جاسم المهلهل آل ياسين
تاريخ النشر الثلاثاء 24-مارس-1998
مشاهدات 76
نشر في العدد 1293
نشر في الصفحة 66
الثلاثاء 24-مارس-1998
لا تخفى قيمة الأخلاق الفاضلة على أحد من الأسوياء الذين ينشدون بين الناس الفضيلة، ويكرهون الرذيلة، والذين سمت نفوسهم، وطمحت إلى المعالي قلوبهم، فتعلقت أيديهم بأسبابها، واستطاعت أن تقتعد ذروتها قلة من البشر في مقدمتهم الأنبياء والمرسلون الذين حملوا منهج الحق إلى الخلق، لينذروا من كان حيًا ويحق القول على الكافرين هؤلاء هم أشد الناس بلاء، فلا عجب أن يكونوا أعلاهم خلقًا، وأكثرهم فضلًا، وأوقرهم نبلًا، وأعظمهم وفاء واجملهم صبرًا، لأنهم كلفوا أعظم الرسالات، وحمّلوا أقوى الأمانات، وهل يقوم بهذا إلا الكمل من بني الإنسان، الذين هم في الذروة بين الأنام؟ ﴿ اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ ۚ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾ (الحج: 75-76)، ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ (الأنعام: 124)
وقد كان رسول الله ﷺ له في مقام الأخلاق مكان فسيح، وكفى أن الله سبحانه وتعالى أثنى عليه في كتابه بقوله: ﴿وإنك لعلى خلق عظيم﴾ (القلم: ٤)، ويعجز كل قلم ويعجز كل تصور عن وصف قيمة هذه الكلمة العظيمة من رب الوجود، وهي شهادة من الله في ميزان الله لعبد الله يقول له فيها ﴿وإنك لعلى خلق عظيم﴾، ومدلول الخلق العظيم هو ما هو عند الله، مما لا يبلغ إلى إدراك مداه أحد من العالمين.. (إن حقيقة هذه النفس من حقيقة هذه الرسالة، وإن عظمة هذه النفس من عظمة هذه الرسالة، وإن الحقيقة المحمدية كالحقيقة الإسلامية لأبعد من مدى أي مجهر يملكه راصد لعظمة هذه الحقيقة المزدوجة أن يراها ولا يحدد مداها) (في ظلال القرآن ج 6، ص ٣٦٥٦، ط دار الشروق).
وكان ممن رأى هذه الحقيقة دون أن يحدد مداها زيد ابن حارثة، الذي أفرده الله بأشرف الشرف، كما يقول محمد الصادق عرجون فذكره في القرآن باسمه، ممتنًا عليه بإنعامه عليه بنعمة التوفيق إلى الإيمان في طليعة أسبق السابقين، وممتنًا عليه بإنعام رسوله الله ﷺ بالحرية والولاية، ﴿وإذ تقول للذي أنعم الله عليه وأنعمت عليه﴾، (محمد رسول اللهﷺ، جـ 1 ص ٥٠٩)، لقد رأى زيد شيئًا من رسول الله ﷺ قبل أن يبعث فأبى أن يفارقه ولو كان الفراق ليعود إلى أبيه وقبيلته بين أناس لا يقدمون على الأعراف شيئًا واحدًا. ولكن زيدًا قدم صحبة محمدﷺ قبل بعثته على الأعراف المرعية والتقاليد المتبوعة، وقال لأبيه وعمه حين علما بمكانه وحضرا لافتدائه وأخذه، وخيره رسول الله ﷺ بين الذهاب معهم بغير فداء وبين البقاء فاختار أن يبقى وقال لأبيه وعمه إني قد رأيت من هذا الرجل شيئًا، ما أنا بالذي اختار عليه أحدًا، فخرج به رسول الله ﷺ إلى الحجر وقال: «اشهدوا أن زيدًا ابني، يرثني وأرثه، وظل يدعى زيد ابن محمد حتى أنزل الله ﴿ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله﴾ فدعي زيد بن حارثة.
فما الشيء الذي راه زيد بن حارثة من رسول الله ﷺ؟ إنه -كما يقول د. محمد حبش-: «عظيم خلقه وطيب معشره».
والدعاة إلى الله على بصيرة هم أولى الناس بالسير على خطی رسول الله ﷺ، والتخلق بأخلاقه ما استطاعوا إلى ذلك سبيلًا، ليكونوا من الذين يألفون ويؤلفون، الذين يعرفون الصفح فيصفحون، والعفو فيتسامحون، والرفق فيرحمون ممن يصدق فيهم قول الله ﴿والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين﴾، إن أخلاق الإسلام خير عون للدعاة عند الأذى، وخير رفيق عند الضيق، والذي يتحلى بها يصبح عند الناس قدوة به يقتدون، وإلى ما يدعو إليه يفدون ويستمسكون والذين عاشوا مع رسول الله ﷺ قبل البعثة وبعدها أحبوه حبًا ما عليه من مزيد، حتى إنهم كانوا يفتدونه في المهالك بأنفسهم وأموالهم وأهليهم وما يملكون.
والناس هم الناس في كل عصر، والنفوس هي النفوس تحب من أحسن إليها وتكره من أساء إليها، فهل هذه الأخلاق في أذهان الدعاة؟ وهل هم على هذا المستوى السابق الذي يجعلهم من بين الهداة أسأل الله أن يوفقنا في أعمالنا وأن يلحقنا -برحمته- في عباده الصالحين.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل