العنوان الأخوة الممتدة
الكاتب د. سعد المرصفي
تاريخ النشر السبت 30-يونيو-2012
مشاهدات 69
نشر في العدد 2009
نشر في الصفحة 59
السبت 30-يونيو-2012
نجحت تجربة الإخاء في الإسلام لنبل مقصدها وسمو غايتها، وصدق مستهدفها وقيامها على أسس من المودة والمحبة والاحترام وكان لا بد لها أن تنجح، لأنها قد استكملت كل شروط تعميق الشعور الأخوي الصادق، حيث قامت على أصدق العواطف النبيلة وترسيخ المبادئ والقيم، وتهيأت لها الأسباب في الفهم والتطبيق وتمددت عبر العصور والدهور وتجاوزت الحدود والمسافات.
الرسول كان في حياته الأخ الأكبر للجماعة المؤمنة، ومازال بسيرته العطرة وسنته الشريفة كذلك، وقد استطاعت الجماعة المسلمة بالأخوة أن تحكم وأن تسود وأن تنشر الخير في ربوع العالم، وهنا يطالعنا ما رواه الشيخان وغيرهما عن أبي سعيد مرة قال: خطب النبي فقال: إن الله خير عبداً بين الدنيا وبين ما عنده، فاختار ما عند الله، فبكى أبو بكر، فقلت في نفسي: ما يبكي هذا الشيخ، إن يكن الله خير عبداً بين الدنيا وبين ما عنده، فاختار ما عند الله؟ فكان رسول الله هو العبد وكان أبو بكر أعلمنا، قال: يا أبا بكر، لا تبك إن أمن الناس علي في صحبته وماله أبو بكر ولو كنت متخذا خليلاً مِنْ أُمَّتِي لا تخذت أبا بكر، ولكن أخوة الإسلام ومودته لا يبقين في المسجد باب إلا سد إلا بابا أبي بكر.
وفي رواية عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: خرج رسول الله ﷺ في مرضه الذي مات فيه، عاصبا رأسه بخرقة، فقعد على المنبر، فحمد الله تعالى وأثنى عليه ثم قال: «إنه ليس من الناس أحد أمن علي في نفسه وماله من أبي بكر بن أبي قحافة ولو كنت متخذا من الناس خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا، ولكن أخوة الإسلام أفضل.....الحديث.
حقا، إنها أخوة ممتدة مباركة طيبة في الله عز وجل، والإخاء الحق لا ينبت في البيئات الخسيسة والفاسدة، حيث يشيع الجهل وتتراجع المبادئ والقيم، وتسود المادية وكل أشكال الأثرة والجبن والبخل والطمع والجشع، ومن ثم فلا إخاء ولا مودة بل عداوة وكراهية.
وقد رأينا الصحابة رضي الله عنهم وقد استلهموا أخوتهم المباركة من رسول الله، وجبلوا على شمائل نقية، واجتمعوا على مبادئ قدسية، وأسس رضية، وفقه عميق وبصر دقيق، وبصيرة وضيئة مضيئة، وقد نقلوا لنا جيلا بعد جيل هذا التأخي الوثيق في الله عز وجل، ومن واجبنا أن نتأخى ونورث هذه الأخوة لأبنائنا وأحفادنا ما حيينا، حتى تصبح اللحمة التي تجمع أبناء الأمة على كلمة سواء.
إن سمو الغاية التي اجتمع عليها الصحابة الأجلاء، وجلال الأسوة التي قادتهم إليها، نميا فيهم قيم الفضل والشرف، وهذا ما نفتقده الآن في أوساطنا ومجتمعاتنا، فقد كان رسول الله ﷺ إنسانا تجمع فيه ما تفرق في عالم الإنسان كله من أمجاد ومواهب وخبرات.. كان صورة حية متفاعلة جعلته في قمة من الكمال البشري، ولا غرو إذا كان الذين قبسوا من رسالته، وصحبوه في دعوته، رجالا يعيشون بالنجدة والوفاء والعطاء والسخاء، والإخاء والفداء.
إن الحب كالنبع الدافق يسيل وحده، ولا يتطلب جهداً أو مشقة، وإن الإخاء الحق لا يفرض بقوانين ومراسيم، إنما هو عقيدة تخلص الناس من نوازع الأثرة والشح والضعة والصراع والتكالب على دنيا زائفة.
إن الأخوة ترسخت بين المسلمين الأولين وتعمقت لأنهم ارتفعوا بالإسلام في نواحي حياتهم كلها، فكانوا عباد الله إخوانا، ولو كانوا عبيد أنفسهم ما أبقى بعضهم على بعض، ويجب أن نعلم أن التنويه بقيمة التسامي النفسي في تأسيس الإخاء، لا يمنع من الدعوة إليه، والترغيب فيه، والحث عليه، حتى يكون نظاما يأخذ المؤمنون به أخذاً، ويجعلوه منهاجاً قويما في جميع شؤونهم.
وإن أي دولة تريد لنفسها الحياة لا يمكن أن تنهض وتقوم إلا على أساس من وحدة الأمة وتساندها، ولا يمكن لأي من الوحدة والتساند أن يكون دون التآخي والمحبة المتبادلة، والتآخي لا بد أن يكون مسبوقا بعقيدة تجمع المؤمنين بها، ومن هنا نبصر أساس الأخوة التي جمع الرسول أفئدة المؤمنين عليها، ونبصر هذا الأساس قائماً على العقيدة الإسلامية، كما أبصرنا مبدأ التعاون والتناصر بين المؤمنين قائماً على العدل والمساواة.
وإذا كان المجتمع السليم يقوم على أساس من العدالة والمساواة، فإن الضمان الضروري والفطري لسلامة سير العدالة وتطبيق المساواة، إنما هو التأخي والتواد، والتقارب والتعاطف.
إن هذه المبادئ متواكبة متعاضدة، ومن هنا اتخذ الرسول مبدأ التأخي أساسا المبادئ العدالة الاجتماعية، التي قام على تطبيقها أعظم وأروع نظام إنساني اجتماعي في العالم كله عبر التاريخ.
ولقد تدرجت مبادئ هذه العدالة فيما بعد في شكل أحكام وقوانين شرعية ملزمة تأسست وقامت هي الأخرى على مبدأ الأخوة، التي تأسست بدورها على العقيدة الإسلامية، والله نسأل أن يبارك أخوتنا ويظلنا تحت ظله إخوانا متحابين في الله تعالى.