; الأدلة البديهية على أن وسائل الدعوة اجتهادية | مجلة المجتمع

العنوان الأدلة البديهية على أن وسائل الدعوة اجتهادية

الكاتب عبدالرزاق خليفة الشايجي

تاريخ النشر الخميس 06-يونيو-1996

مشاهدات 74

نشر في العدد 1202

نشر في الصفحة 44

الخميس 06-يونيو-1996

• الدعوة إلى الله «عبادة»، لكنها ليست کالعبادات بالمفهوم الخاص، والمسلمون مطالبون بابتكار وسائل جديدة لإيصال الإسلام لكافة الخلق.

• لا يجوز تحريم وسيلة من وسائل الدعوة بدعوى أنها لم تكن موجودة في العصر الأول طالما أنها محكومة بالضوابط الشرعية.

  لا نكاد نذيع خبرًا، أو نكشف سرًا، إن قلنا إن في صفوف الداعين للإسلام اليوم مجموعة من المفاهيم التي يجب أن تصحح؛ إذ إن عدم تصحيحها يعني ببساطة الاستمرار في ترسيخ العوائق التي تفرق القلوب، وتشتت الجهود، وتمنع من الاستفادة الجادة البصيرة من تجارب العاملين للإسلام في أنحاء الأرض، فضلًا عن الاستفادة من تجارب غيرهم.

  وإن من أهم القضايا التي تنتظر البيان الكافي والتصحيح الفعلي لدى الكثرة الكثيرة من أبناء الدعوة الإسلامية.

۱ - مسألة التعاون بين الجماعات الإسلامية والدعاة إلى الله.

2 - الإسلاميون والعمل السياسي والمشاركة في المجالس البرلمانية.

٣ - فقه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على ضوء حاجات الدعوة المعاصرة.

٤ - موقف المسلم من الحكومات المعاصرة.

 ٥ - وسائل الدعوة بين التوفيق والاجتهاد.

 ٦- فقه الواقع حدوده وضوابطه.

 ٧- البيعة والعهد عند الجماعات الإسلامية.

8- الجماعات الإسلامية والأحزاب السياسية.

 فهذه المسائل لا بد من دراستها ومعالجتها على ضوء نصوص الكتاب والسنة، وفهم سلف الأمة، ذلك أن اهتزاز كثير من الأسس الدعوية في منظور كثير من الدعاة واختلافهم حول جوانب من فقه الدعوة هو المحرك الأول للجدل الدائر في الساحة الإسلامية وعنه يتولد الاختلاف وبعض الرواسب الأخرى.

  ولا شك أن هذا الجدل إنما ينبعث من حاجة علمية دعوية ملحة، فإذا استطاع أهل العلم إعطاء الأحكام المستقرة في هذه الأمور أمكن سد باب كبير من أبواب الخلاف زيادة على توضيح الحكم الشرعي لهذه الأمور.

 وهذه مهمة أهل العلم الراسخين لا يشاركهم فيها غيرهم، ولما كان من أولويات العمل الإسلامي أن أكتب في هذا المجال حسب ما توصلت إليه من خلال البحث والاطلاع، وهي محاولة جاءت على عجل حركتها، ثم عجلت بها مناوشات بعض الأحبة العاملين في ميدان الصحوة الإسلامية، والله أسأل أن يجعل في هذا الموضوع نورًا وبرهانًا لكاتبها.

  وقبل الشروع في تدليلي على أن وسائل الدعوة اجتهادية، أرى من الأهمية بمكان تحديد بعض المصطلحات التي عليها مدار البحث.

 1- الدعوة: عرفها شيخ الإسلام ابن تيمية بقوله: الدعوة إلى الله هي الدعوة إلى الإيمان به وبما جاءت به رسله بتصديقهم فيما أخبروا به، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت، والدعوة إلى الإيمان بالقدر خيره وشره، والدعوة أن يعبد العبد ربه كأنه يراه (۱).

2- أصول الدعوة هي أدلة الدعوة ومصادرها وأركانها. (2)

3- وسائل الدعوة: ما يتوصل به الداعية إلى تطبيق مناهج الدعوة في أمور معنوية أو مادية (۳).

 ٤- توقيفية: ما يتوقف العمل به على النص الخاص، وما لا يصح فيه استعمال القياس (٤).

بيان سبب الاختلاف في وسائل الدعوة، هل هي توقيفية، أم اجتهادية؟

وإنما وقع الخلاف، واختلط الأمر على القائلين بالتوقيف لسببين، هما:

السبب الأول: خلطهم بين العبادة «بمفهومها العام» الذي نص عليه شيخ الإسلام في مواطن عديدة من كتبه، وأنها هي «كل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأفعال والإرادات الظاهرة والباطنة»، فيدخل في مفهوم العبادة بمعناها العام في كل ما كان فيه ثواب وأجر حتى الجماع كما جاء في الحديث الصحيح، فإن وضع الشهوة في موضعها بقصد الإعفاف وإحصان النفس مما يحبه الله ويرضاه، ويأمر به، ويثيب عليه، والعبادة «بمفهومها الخاص» عن الفقهاء، وهي ما يقابل العاديات أو المعاملات، مثل: الصلاة، والصوم، والحج ونحوهما من العبادات التي لا تشرع إلا بإذن الشارع، والأصل فيها التوفيق بخلاف المعاملات التي الأصل فيها الإباحة، كما قال العلامة السعدي في القواعد الفقهية:

وليس مشروعًا من الأمور *** غير الذي في شرعنا مذكور

 والأصل في عاداتنا الإباحة *** حتى يجيء صارف الإباحة

وقال في شرحه وهذان الأصلان ذكرهما شيخ الإسلام -رحمه الله- في كتبه، وذكر أن الأصل الذي بنى عليه الإمام أحمد مذهبه أن العادات الأصل فيها الإباحة، فلا يحرم منها إلا ما ورد تحريمه، وأن الأصل في العبادات أنه لا يشرع منها إلا ما شرعه الله ورسوله...إلخ، فجاء هؤلاء فقالوا: الدعوة إلى الله عبادة، والعبادات توقيفية، فالدعوة إلى الله توقيفية.

ولا شك أن الدعوة إلى الله عبادة في مفهوم العبادة العام؛ إذ إنها مما أمر الله به، ومما يحبه ويرضاه ويثيب عليه، غير أنها ليست كالعبادات بالمفهوم الخاص كالصلاة، والصوم، والحج التي فصلت فيها السنة حتى لم يعد هناك مجال للاجتهاد فيها، فالجهاد في سبيل الله هو من الدعوة إلى الله، وفي القيام بالجهاد واختيار وقته وكيفية إيقاعه اجتهاد واسع للإمام وقادة الجيوش، فهو-أي الجهاد- عبادة من حيث كونه مما أمر الله به وأثاب عليه، وتصرف من حيث كونه للمجاهدين فيه اجتهاد واسع في كيفية الإتيان به.

قال شيخ الإسلام أبن تيمية: «ولا ريب أن الألفاظ في المخاطبات، تكون بحسب الحاجات كالسلاح في المحاربات، فإذا كان عدد المسلمين في تحصنهم وتسلحهم على صفة غير الصفة التي كان عليها فارس والروم في جهادهم بحسب ما توجبه الشريعة التي مبناها على تحري ما هو لله أطوع وللعبد أنفع، وهو الأصلح في الدنيا والآخرة» (٥).

السبب الثاني: إن لكل علم مصطلحاته الخاصة به، كما أن هناك مصطلحات عامة مشتركة بين العلوم، وكثيرًا ما تتداخل المصطلحات العامة مع المصطلحات الخاصة، فلا يدقق المستعملون لها في تحديدها، إلى أن يأتي وقت تستقر فيه تلك المصطلحات، وتصبح أعرافًا ثابتة عامة كانت أو خاصة، ومن هنا جاء التداخل والغموض في بعض المصطلحات»، فخلط من قال بأن وسائل الدعوة توقيفية بين »أصول الدعوة»، «ووسائل الدعوة»، فقالوا: إن الوسائل توقيفية، وهذا يعني أنها ليست وسيلة، بل صارت عبادة يجب الإتيان بها على الوجه الذي جاء به النص التوقيفي، ويمنع الاجتهاد في استحداث وسائل جديدة، ومعلوم الفرق بين أصول الدعوة الإسلامية ووسائلها، في أصول الدعوة مثل الدعوة إلى توحيد الله -عز وجل- وطاعته، واتباع رسوله -صلى الله عليه وسلم-، ونحوها من أصول الإسلام الذي يجب على المسلمين دعوة الناس إليها، هذه الأصول توقيفية لا يزاد فيها، ولا يدعى الناس إلا إلى ما أمر الله به ورسوله ولا اجتهاد في استحداث أصول جديدة.

وأما »الوسائل» فإنها الأسباب التي يتوصل بها الداعية إلى إبلاغ الناس دعوة الإسلام، فهذه الوسائل غير محصورة في الشرع، قال شيخنا محمد الصالح العثيمين: ليس للوسائل حد شرعي، فكل ما أدى إلى المقصود بعينه فلا نقر به، فلو قال: أنا أريد أن أدعو شخصًا للغناء والموسيقى، لأنه يطرب لها ويستأنس بها، وربما يكون هذا جذبًا له فأدعوه بالموسيقى والغناء، فهل نبيح له ذلك؟ لا، لا يجوز أبدًا، لكن إذا كانت وسيلة لم ينه عنها غير المقاصد وليس من اللازم أن ينص الشرع على كل وسيلة بعينها، يقول هذه جائزة وهذه غير جائزة، لأن الوسائل لا حصر لها، ولا حد لها، فكل ما كان وسيلة لخير فهو خيره.

والأصل فيها الحل، للمسلمين الاجتهاد في استحداث وسائل جديدة لإيصال الدعوة الإسلامية إلى الخلق كافة كاستخدام الأقمار الصناعية مثلًا، أو تنظيم جماعات دعوية تخرج وفق برامج وأنظمة دقيقة، بشرط أن لا تدعو الناس إلا إلى الأصول الإسلامية الصحيحة، ولا تستحدث أصولًا مبتدعة كالبدع والخرافات ونحوها.

     وكذلك لا تستخدم وسائل محرمة شرعًا كمن يستخدم الغناء واللهو وسيلة لجذب الناس ودعوتهم إلى الإسلام؛ لأن هذه الوسيلة محرمة في الأصل سواء استخدمت لدعوة الناس أو لغير دعوتهم.

 كما خلطوا بين ما وافق الشرع، وبين ما نطق به الشرع، فجعلوا الوسائل التي لم ينطق بها الشرع هي وسائل بدعية، وإن كانت توافق ما نطق به الشرع يقول شيخ الإسلام ابن القيم: »قال ابن عقيل في الفنون جرى في جواز العمل في السلطنة بالسياسة الشرعية أنه هو الحزم، ولا يخلو من القول به إمام، فقال الشافعي: لا سياسة إلا ما وافق الشرع، فقال ابن عقيل السياسة ما كان فعلًا يكون معه الناس أقرب إلى الصلاح وأبعد عن الفساد، وإن لم يضعه الرسول ولا نزل به وحي».

 قال ابن القيم معلقًا فإذا أردت بقولك إلا »ما وافق الشرع»، أي لم يخالف ما نطق به الشرع فصحيح، وإذا أردت »ما سياسة إلى ما نطق به الشرع» فغلط وتغليط للصحابة، فقد جرى من الخلفاء الراشدين من القتل والتمثيل ما لا يجحده عالم بالسنن، ولو لم يكن إلا تحريق عثمان المصاحف، فإن كان رأيًا اعتمدوا فيه على مصلحة الأمة، إلى أن قال: وهذا موضع مزلة أقدام ومضلة أفهام، وهو مقام ضنك ومعترك صعب، فرط فيه طائفة فعطلوا الحدود، وضيعوا الحقوق، وجرءوا أهل الفجور على الفساد، وجعلوا الشريعة قاصرة لا تقوم بمصالح العباد، محتاجة إلى غيرها، وسدوا على نفوسهم طرقًا صحيحة من طرق معرفة الحق والتنفيذ له، وعطلوها مع علمهم وعلم غيرها قطعًا أنها حق مطابق للواقع، ظنًا منهم منافاتها لقواعد الشرع، ولعمر الله إنها لم تناف ما جاء به الرسول، وإن نفت ما فهموه هم من شريعته باجتهادهم، والذي أوجب لهم ذلك نوع تقصير في معرفة الشريعة، وتقصير في فهم الواقع، وتنزيل أحدهما على الآخر، فلما رأى ولاة الأمر ذلك، وأن الناس لا يستقيم لهم أمر ورأي ما فهمه هؤلاء من الشريعة أحدثوا من أوضاع سياستهم شرًا طويلًا وفسادًا عريضًا، فتفاقم الأمر وتعذر استدراكه، وعز على العالمين بحقائق الشرع تخليص النفوس من ذلك واستنقاذها من تلك المهالك، فلا يقال إن السياسة العادلة مخالفة لما نطق به الشرع، بل هي موافقة لما جاء به، بل هي جزء من أجزائه (٦).

حکم وسائل الدعوة:

        سبق أن عرفنا وسائل الدعوة به ما يتوصل به الداعية إلى تطبيق مناهج الدعوة من أمور معنوية أو مادية، فلا بد للمرء في سبيل تحقيق أهدافه، والوصول إلى غايته من استخدام الوسيلة التي تعينه على ذلك، فإن الله -عز وجل- قد ربط الأسباب بالمسببات، وأمر بالأخذ بالوسائل المؤدية إلى الغايات قال تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ (سورة المائدة: آية ٣٥) وقال: ﴿أُولَٰئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَىٰ رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ ۚ﴾ (سورة الإسراء: آية ٥٧).

 والدعاة إلى الله أولى الناس بابتغاء الوسائل التي تقربهم من الله، وتصل بدعوتهم إلى الناس تمشيًا مع سنن الله في الأرض، حيث جعل من سنن الهداية إرسال الرسل الكرام، وتنزيل الكتب، وهو القادر على أن يهدي الناس جميعًا دون هذه الوسائل (۷)، وتنقسم الوسائل المستخدمة في الدعوة إلى الله إلى أربعة أقسام:

القسم الأول: وسيلة منصوص عليها:

 فهذه لا خلاف في مشروعية استعمالها لتحقيق هدف من أهداف الدعوة، فإن أية وسيلة نص الشارع على مشروعيتها بأن أمر بها واستخدامها على سبيل الوجوب أو الندب أو صرح بإباحته وجواز استخدامها، فهي وسيلة مشروعة بحسب نوع مشروعيتها، من وجوب أو ندب أو إباحة يلتزم الداعية باستخدامها، أو يسعه التوصل بها إلى دعوته، وقد وردت نصوص كثيرة في ذلك (۸)، منها:

- القول: ﴿وَقُوْلُوْا لِلنَّاسِ حُسْنَاءً (سورة البقرة: 83).

- الحركة: ﴿فَامْشُوْا فِي مَنَاكِبِهَا﴾ (سورة الملك: 15).

- الكتابة: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ (سورة التحريم: 9).

- الصدق: ﴿مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ ۖ﴾ (سورة الأحزاب آية 23).

القسم الثاني: وسيلة منصوص على تحريمها:

        فهذه لا خلاف في عدم مشروعية استعمالها لتحقيق هدف من أهداف الدعوة إلى الله، فإن أية وسيلة نص الشارع على النهي عنها بوجه من أوجه النهي، فهي وسيلة ممنوعة بحسب نوع النهي تحريمًا كان أو كراهة على الداعية أن يتجنبها، ويتنزه عن استخدامها (۹)، وقد وردت نصوص شرعية تنهى عن بعض الوسائل المعنوية أو المادية من ذلك النهي عن

-        الكذب: ﴿إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ (سورة النحل: 105).

-        الكبر: ﴿وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا (سورة الإسراء: 37).

-         إخلاف الوعد: »أربع من كن فيه كان منافقًا خالصًا، ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من نفاق حتى يدعها، إذا عاهد غدر».

-        المعازف: »ليستحلن أقوام من أمتي الخمر والحرير والمعازف».

-         الكذب على رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: »من كذب علي متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار».

        القصص المكذوبة و الحكايات الملفقة والأحاديث الموضوعة، لا يجوز استخدامها في الدعوة إلى الله، وإن كانت تفيد أحيانًا في توبة بعض العصاة، وهداية بعض الناس، إلا أن هذا من الكذب الذي حرم الله أصله، وكذلك العبادات المبتدعة كالسماع الصوفي، والمعازف، ونحو ذلك مما حرمته الشريعة.

القسم الثالث: وسيلة دلت الشريعة على إباحتها بالنظر إلى ذاتها:

        إما بنص أو باستصحاب البراءة الأصلية، فهذه يجوز استعمالها لتحقيق هدف من أهداف الدعوة، بأية وسيلة دعوية لم ينص الشارع على مشروعيتها، ولم يأت بالنهي عنها، وإنما سكت عنها، فتدخل في دائرة الإباحة بناء على أن الأصل في الأشياء الإباحة، فيسع الداعية استخدامها في دعوته؛ ذلك لأن النصوص الشرعية محدودة مهما كثرت والوسائل متجددة متطورة مع تعاقب الأزمان، فلا يمكن أن تستوعب النصوص الحديث عنها، فالأصل في هذا النوع من الوسائل الإباحة ما لم يعرض له عارض يخرجه عن ذلك الأصل (۱۰).

القسم الرابع: وسيلة تختلط فيها المصالح والمفاسد:

الوسائل التي تختلط فيها المصالح والمفاسد:

-        كاتولي الولايات في ظل الحكومات المعاصرة.

-        والدخول إلى المجالس البرلمانية في ظل الأنظمة الديمقراطية.

-        وتنظيم المسيرات والاحتجاجات والاعتصامات.

-        تكوين الجماعات الدعوية.

-        المشاركة في النقابات العمالية والمهنية.

        فهذه الوسائل ينظر فيها، فإن ترجحت مصلحتها فهي مشروعة، وذلك من باب تغليب جانب درء المفاسد على تحقيق المصالح، أو موازنة بين المفاسد إذا اجتمعت وتقديم أخف المفسدتين.

  على أنه يجب التنبيه إلى أمر هام وهو أن تقدير المصالح والمفاسد، إنما هو بميزان الشرع لا بميزان الهوى والمصالح الدنيوية؛ لأننا إذا أطلقنا القول من غير تقييد لحصل بسبب ذلك اضطراب عظيم في الدين، كما قرر ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية (۱۱)، كما ينبغي التنبيه إلى أمر آخر وهو أن الحكم قد يختلف من بلد إلى آخر، ومن وقت إلى آخر.

 وأما إذا ترجحت مفسدتها فهي غير مشروعة، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (إذا تعارضت المصالح والمفاسد والحسنات والسيئات أو تزاحمت، فإنه يجب ترجيح الراجح منها فيما إذا تزاحمت المصالح والمفاسد، وتعارضت المصالح والمفاسد، فإن الأمر والنهي وإن كان متضمنًا لتحصيل ودفع مفسدة فينظر في المعارض له، فإن كان الذي يفوت من المصالح أو يحصل من المفاسد أكثر لم يكن مأمورًا به، بل يكون محرمًا إذا كانت مفسدته أكبر من مصلحته، لكن اعتبار مقادير المصالح والمفاسد هو بميزان الشريعة، فمتى قدر الإنسان على اتباع النصوص لم يعدل عنها، وإلا اجتهد برأيه لمعرفة الأشباه والنظائر، وقل أن تعوز النصوص من يكون خبيرًا بها ودلالتها على الأحكام) (۱۲).

        ولا يجوز تحريم وسيلة من الوسائل بدعوى أنها لم تكن موجودة في العصر الأول، فإن هذا ليس دليلًا على التحريم، فإن مجرد الترك لا يكون دليلًا على التحريم ما لم يكن مقصودًا من باب القربة مع قيام الداعي للفعل، فلا يصح الاستدلال »بترك» الرسول -صلى الله عليه وسلم- للفعل على تحريمه هكذا بإطلاق، وإنما لا بد من تقييد الترك بثبوت وجود المقتضى للفعل في زمنه قطعًا، وهذا يصعب إثباته في معظم ما تركه -صلى الله عليه وسلم- أو تركه السلف الصالح، ومن هنا لم يدخل أحد من علماء السلف في تعريف السنة تركه -صلى الله عليه وسلم- للشيء، وإنما عرفوها بأنها ما صدر عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من قول أو فعل أو تقرير، وقد استقر منهج الخلفاء الراشدين -رضوان الله عليهم- على الأمر الجديد الذي لم يفعله رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ينظر فيه من حيث ذاته، فإن كان خيرًا يفعل، وإلا ترك، كما تم بعد المناقشة في ذلك بين الخليفتين الراشدين أبي بكر وعمر-رضي الله عنهما- في مسألة جمع القرآن حيث استدل أبو بكر-رضي الله عنه- أولًا بقوله: كيف أفعل شيئًا لم يفعله رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وأجابه عمر-رضي الله عنه- بقوله: والله إنه خير، ثم قال أبو بكر: فلم يزل عمر يراجعني حتى شرح الله صدري لذلك، ورأيت في ذلك الذي رأى عمر (۱۳).

  ويمثل هذا الجواب أجاب الخليفتان -رضي الله عنهما- زيد بن ثابت -رضي الله عنه- لما استشكل الإشكال نفسه فقالا: والله إنه خير فكانت هذه سنة راشدة ثابتة، والله أعلم، ولا يخفى أن ترك السلف لهذه الوسائل الحادثة في هذا العصر سببه أنها لم تكن موجودة في زمانهم.

ما يترتب على القول بأن وسائل الدعوة توقيفية:

۱ - تجهيل كافة علماء المسلمين الذين غاب عنهم القول بأن وسائل الدعوة توقيفية.

٢ - تحريم تكوين الجماعات الدعوية.

3- تحريم الدخول في المجالس البرلمانية، والنقابية.

٤ - تحريم الجمعيات الخيرية المتخصصة في مجالات الدعوة المختلفة.

5 - تحريم استخدام وسائل مختلفة لتغيير المنكر، والاعتصامات والمهرجانات الخطابية وغيرها.

٦ - منع إقامة الجامعات، وإنشاء الكليات وإدارتها بأساليب الإدارة الحديثة التي يكون غالبها مما أحدثه غير المسلمين، ومنحهم الشهادات على النظم التي تعترف بها الدولة، وغالبًا ما تكون من الأنظمة المستوردة من غير بلاد المسلمين.

7- تحريم المشاركة في الاتحادات الطلابية.

8- عدم مسايرة الدعوة للواقع المعاش من حيث تغييره بالقول أو بالفعل مما يجعل أهداف الدعوة واقعًا غير متحقق في الحياة.

9- إغلاق باب الاجتهاد على المسلمين في وسائل الدعوة، وفي ذلك تعطيل لتحقيق أهداف الدعوة مع تغيير الزمان والمكان، واقتضاء ذلك بتغيير الأسباب والوسائل.

۱۰- إدخال الدعوة في حرج عظيم وتضييق لما وسع الله، مما يؤثر على صورة سماحتها وقابليتها على مواكبة المتغيرات في زمن نحن أحوج ما تكون إلى إظهار ذلك فيه.

۱۱- إلغاء أية وسيلة لم تكن على عهده -صلى الله عليه وسلم- وإن كانت مباحة في شريعته، وإن أدت إلى تحصيل مصلحة شرعية توافق سنته ودينه.

١٢ - إدخال الدعاة إلى الله في معركة خاسرة مع خصومهم من العلمانيين واللادينيين، حيث يقف الدعاة في وجه خصومهم الذين يستخدمون أحدث الأساليب الإعلامية والسياسية والاتصالات والتكنولوجيا المتطورة، فكيف يتوقع أن ينتصر الدعاة في معركتهم مع أعداء الإسلام؟ بل كيف يبقون في ميدان الصراع مع عدم الأخذ بالأسباب والوسائل الحديثة التي يكافئون أو يقاربون بها أعداءهم إذا لم تدل الشريعة على تحريمها؟

الخلاصة:

 إن الحكم على الشيء فرع من تصوره، فمن لم يفرق بين العبادة بمفهومها العام، والعبادة بمفهومها الخاص، ومن لم يفرق بين «العبادات المحضة»، و«المعاملات والتصرفات» التي يدخلها الاجتهاد من وجه، مع أنها عبادة من وجه، ومن لم يفرق بين أصول الدعوة إلى الله، ووسائل الدعوة إلى الله، ومن لم يفرق بين ما وافق الشرع، وما نطق به الشرع، فإنه سيقع في التخليط الذي وقع فيه من قالوا بأن الوسائل توقيفية والله -تعالى- أعلم.

 وعليه فلا يصح القول بأن الدعوة إلى الله توقيفية في وسيلتها وغايتها، والوسيلة لا تبررها الغاية، وهذه الوسيلة تعبدية محدثة فسبيلها الرد ابتداء؛ وذلك لأن الوسائل الدعوية كغيرها من الوسائل التي يستخدمها المسلمون في حياتهم، متطورة من عصر إلى عصر، ويكفي فيها أن تكون محكومة بالضوابط الشرعية، والفرق واضح بين جعل الشيء تعبديًا توقيفيًا، وبين كونه محكومًا بالحكم الشرعي (١٤).

 والقول بأن وسائل الدعوة اجتهادية هو قول الإمام ابن باز، والفقيه ابن عثيمين والمحدث الألباني، والعلامة الشيخ عبد الله بن قعود، وفضيلة الشيخ محمد المنصور، وشخينا عبد الرحمن بن عبد الخالق وغيرهم كثير.

 فالأصل في وسائل الدعوة الحادثة في هذا العصر أنها مشروعة ما لم تخالف أدلة الشرع ومقاصده، على أننا لا نبدع من يقول بأن وسائل الدعوة توقيفية أو نخرجه من دائرة أهل السنة والجماعة ونهجره، قال الشيخ ابن عثيمين عندما سئل هل يجوز الهجر بين الدعاة إلى الله بسبب اختلافهم في أساليب الدعوة.

فأجاب: لا يجوز الهجر بين المؤمنين، لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: لا يحل لمؤمن أن يهجر أخاه فوق ثلاث حتى ولو ارتكب معصية، فإن هجره لا يجوز إلا إذا كان في هجره مصلحة، كأن ينتهي عن معصيته ولهذا هجر النبي -صلى الله عليه وسلم- كعب بن مالك وصاحبيه -رضي الله عنهم-، حين تخلفوا عن غزوة تبوك، فإذا كان في هجر الفساق مصلحة راجحة فإنهم يهجرون، وإلا فلا يهجرون، هذا بالنسبة لعموم الفساق، أما الدعاة إلى الله فإنه لا ينبغي لهم، بل لا يجوز لهم أن يتهاجروا فيما بينهم بسبب اختلاف أساليب الدعوة، ولكن على كل واحد منهم أن ينتفع بأسلوب الآخر إذا كان أجدى وأنفع .

الهوامش:

1- مجموع الفتاوى (١٥/ ١٥٧ - ١٥٨).

2- المدخل إلى علم الدعوة، ص ٤٥.

3- المصدر السابق، ص ٤٩.

4- وسائل الدعوة بين الاجتهاد والتوفيق، ص ۱۷۷.

5- مجموع الفتاوى (107/4).

6 - الطرق الحكمية، ص ١٣ – ١٤.

7- المدخل إلى علم الدعوة، ص ۲۸۲- ۲۸۳.

8- المصدر السابق، ص ٢٨٦.

9- المصدر السابق، ص ۲۸۸.

۱۰ - المصدر السابق، ص ۲۹۰.

۱۱ - مجموع الفتاوى (343/1)

۱۲ - مجموع الفتاوى (۲۸/ ۱۲۹).

١٣ - المدخل إلى علم الدعوة، ص ۳۳۰ – ٣٣١.

١٤- المدخل إلى علم الدعوة ص ٣٢٩- ٣٣٠.

(*) أستاذ بكلية الشريعة جامعة الكويت.

الرابط المختصر :