; الأردن خيار عرفات الجديد | مجلة المجتمع

العنوان الأردن خيار عرفات الجديد

الكاتب عبدالله الصالح

تاريخ النشر الثلاثاء 24-يناير-1984

مشاهدات 67

نشر في العدد 655

نشر في الصفحة 18

الثلاثاء 24-يناير-1984

• الأردن يستهل عام ٨٤ بإحياء البرلمان وتشكيل حكومة جديدة

• اعتبارات سياسية وأخرى أمنية واقتصادية وراء التغييرات.

• تحرك أردني - فلسطيني على الجبهة الأوروبية للتأثير على القرار الأميركي.

• شامير يرفض مبادرة ريغان ويدعو الأردن للتفاوض على أساس كامب ديفيد.

• الملك وعرفات يتفقان ويحصلان على دعم القمة العربية القادمة.

استهل الملك حسين عام ١٩٨٤م بإجراء تغييرات في بنية النظام السياسي الأردني تمثلت باستئناف انعقاد مجلس النواب المجمد منذ عام «١٩٧٤م» وحل المجلس الوطني الاستشاري وحل حكومة مضر بدران واستبدالها بحكومة يرأسها أحمد عبيدات.

وقد اجتمع مجلس النواب حتى كتابة هذا المقال مرتين تم فيهما تعديل المادة «۷۳» من الدستور الأردني بما يسمح للمجلس باختيار نواب بدلًا ممن توفوا ولا تسمح الظروف بإجراء انتخابات جديدة لاختيارهم، وقد تم بالفعل اختيار سبعة نواب جدد بدلًا من سبعة أعضاء متوفين من الضفة الغربية. وسيتم قريبًا اختيار ثمانية أعضاء أردنيين ليكتمل نصاب المجلس إلى ستين عضوًا مناصفة بين الضفتين.

فما هي دلالات هذه التغييرات، وهل لها علاقة بالمستجدات السياسية في الشرق الأوسط وخاصة القضية الفلسطينية، وما هو مستقبل الاتفاق الأردني الفلسطيني؟!

اعتبارات داخلية

يقول المسؤولون الأردنيون: إن دعوة البرلمان للانعقاد بعد تجميد دام عشر سنوات هو لاعتبارات داخلية تتعلق بضرورة الديمقراطية للمجتمع الأردني، وجاءت الإشارة إلى هذا الأمر واضحة في كتاب تكليف وزارة أحمد عبيدات. وقد تكون هناك اعتبارات أخرى جديدة حيث إنه إذا كانت هذه التغييرات تستهدف ترسيخ النهج الديمقراطي في الحكم؛ فلماذا تم تجميد البرلمان طيلة عشر سنوات، ولماذا عودته في هذا الوقت بالذات؟!

على المستوى الداخلي لوحظ أن المسألة الأمنية أصبحت في الآونة الأخيرة هاجس الحكومة وذلك بسبب سلسلة من حوادث التفجير والاغتيالات التي استهدفت الهيئات الدبلوماسية الأردنية في الخارج وبعض المنشآت في الداخل وتتجه أصابع النظام الأردني إلى اتهام مجموعة «أبو نضال» المنشقة عن فتح منذ عام «۷۳» والمدعومة من نظام عربي طائفي معروف.

كما أن النظام الأردني قد تعرض لتهديد جاء على لسان وزير دفاع دولة العدو السابق أرييل شارون ورئيس وزرائها الحالي إسحق شامير الذي يتلخص بعبارة أن الأردن ينبغي أن يكون الدولة الفلسطينية! وتأتي إجراءات ضم الضفة الغربية من استيلاء على الأراضي وإقامة المستوطنات وتهجير السكان وهدم المخيمات ونقلها إلى ضفاف نهر الأردن لتعزز المخاوف الأردنية.

ولو تأملنا في تشكيل وزارة عبيدات لوجدنا أنها ضمت ثلاثة وزراء أولهم رئيس الوزراء نفسه ممن لهم خبرة بأجهزة الأمن والمخابرات، كما ضمت شخصيات جديدة تتسم في التغييرات الأخيرة.

وثمة بعد داخلي آخر هو البعد الاقتصادي الذي أشار له كتاب التكليف الوزاري والمخصصات المقررة للأردن في قمة بغداد آخذة في النقصان كما أن البلد منذ مطلع عام «۸۲» يشهد بوادر ركود اقتصادي قد ينتهي بأزمة حادة، لذا يأمل النظام من عودة البرلمان وتشكيل حكومة جديدة زيادة الاهتمام بهذه المسألة وإشراك الشعب الأردني في مسؤولية تطوير الاقتصاد.

أسباب سياسية

ومهما كانت أهمية الاعتبارات الداخلية في التوجيهات الأردنية الأخيرة، إلا أن الاعتبارات السياسية خاصة المتعلقة بالقضية الفلسطينية تظل هي الاعتبارات الأهم وراء دعوة البرلمان الأردني للانعقاد كما يجمع المراقبون والمحللون السياسيون.

فالإجراءات الأردنية جاءت بعد أن شهدت الساحة الفلسطينية تطورات خطيرة بدءًا بالانشقاق والاقتتال المسلح في مخيمي نهر البارد والبداوي ثم حصار طرابلس ثم الخروج من طرابلس ولقاء ياسر عرفات بالرئيس المصري حسني مبارك.

كما جاءت الإجراءات الأردنية في وقت شهدت فيه العلاقات الأمريكية- الأردنية فتورًا بسبب الضغط الأمريكي المتواصل على الملك حسين للدخول في مفاوضات مع دولة العدو في الوقت الذي لا تفي فيه أمريكا بوعودها وتزيد في تلاحمها الاستراتيجي مع دولة العدو الصهيوني.

والسؤال الآن: ما هي دلالات التغيرات الأردنية في ضوء المستجدات السياسية على ساحة القضية الفلسطينية؟

مع أن المسؤولين الأردنيين يصرون كما أسلفنا على أن المسألة داخلية بحتة إلا أن الاستعداد للقيام بدور في حل القضية الفلسطينية ليس بخاف على أحد.

فالبرلمان الأردني تم تجميده عام «٧٤» في ضوء قرار قمة الرباط باعتبار منظمة التحرير الفلسطينية الممثل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني! كما أن خطاب تكليف أحمد عبيدات بتشكيل الوزارة الجديدة تضمن ثلاثة خطوط سياسية رئيسية تمثل التوجه الأردني وهي:

• «مواصلة الحوار المسؤول مع منظمة التحرير الفلسطينية، الممثل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني - المنظمة الشرعية الحرة التي تمثل طموحات ومصالح الشعب الفلسطيني».

• ضرورة العمل على تحقيق الحد الأدنى من التضامن العربي.

• تطوير أسلوب اتخاذ القرار في جامعة الدول العربية بما يحقق مرونة وقدرة على الحركة من أجل إنقاذ الأرض وشعب فلسطين.

وجاءت التصريحات الرسمية على ألسنة عبيدات ووزيرة الإعلام ليلى شرف لتؤكد على هذه النقاط وتركز على اعتراف الأردن بأحقية المنظمة في التمثيل الفلسطيني.

ولكن يبقى السؤال قائمًا، إذا كان الأردن لا يهدف إلى مصادرة حق المنظمة في تمثيل الفلسطينيين كما تذهب سوريا والمنشقون أو كما يخشى بعض أعضاء اللجنة المركزية لفتح، فماذا يريد الملك حسين من اتخاذ هذه الخطوة؟

رسالة لعرفات

يرى المراقبون أن الملك حسين بدعوة البرلمان الأردني للانعقاد يوجه بذلك رسائل ثلاث:

الرسالة الأولى: وهي الأهم بالطبع، موجهة للسيد ياسر عرفات تدعوه لاستئناف المباحثات مع الملك حول سبل التعاون لإنقاذ الأرض وشعب فلسطين في الضفة وغزة قبل فوات الأوان! ولتحديد مستقبل العلاقة بين الكيانين التي قد تكون اتحادًا كونفدراليًّا.

وقد دعا الملك عرفات لذلك أكثر من مرة خاصة بعد دعوته لإحياء دور البرلمان وفي تقدير الملك أن عرفات الذي قطع مباحثات معه في شهر أبريل الماضي يستطيع استئنافها في الوقت الحاضر خاصة وأنه نجا من الطوق السوري، ولم يعد هناك خيار للحل سوى التعاون معه للدخول في مفاوضات على أساس مبادرة ريغان أو مشروع فاس أو مشروع دولي يعدل في قرار مجلس الأمن رقم «٢٤٢».

الرسالة الثانية: موجهة للإدارة الأمريكية التي طالما ضغطت على الأردن للدخول في اتفاقيات كامب ديفيد أو المرحلة الثانية من كامب ديفيد كما أسماها مسؤول أمريكي في أحد اجتماعات مجلس النواب الأمريكي في أثناء نقاشه للمعونات الأمريكية للأردن.

وقد أعلن الملك حسين رفضه للطرح الأمريكي معلنًا ما يلي:

تمسكه بأحقية المنظمة في التمثيل الأردني.

 - ضرورة الإجابة على تساؤلات تتعلق بضمانات أمريكية للأردن.

 - ضرورة الضغط على دولة العدو لوقف المستوطنات.

وبعد احتلال الإسرائيليين للبنان وتجديد الاتفاق الاستراتيجي بينها وبين أمريكا ألقى الملك حسين الكرة في ملعب الأمريكيين و«الإسرائيليين» عندما عاود فأكد على استعداده للدخول في المفاوضات إذا تعهدت أمريكا بالضغط على إسرائيل للانسحاب من لبنان ووقف بناء المستوطنات!

وهذا يعني أن الأردن مستعد للدخول في المفاوضات واصطحاب عرفات للدخول معه...

الرسالة الثالثة: موجهة لحكومة شامير وهي تقول بأن الأردن مستعد للتفاوض مع الفلسطينيين؛ فهل أنتم مستعدون؟

محور أردني- فلسطيني- مصري

ويبدو أن ياسر عرفات أجاب على رسالة الملك حسين الضمنية مسبقًا بزيارته لمصر، حتى إذا ما لبى الدعوة وهذا ما صرح به أكثر من مرة فاوض الأردن وبيده ورقة مصر، وفاوضه الملك وبيده ورقة ممثلي الضفة. فإلى ماذا ستنتهي المباحثات إذًا؟

تشير الوقائع والمعلومات في ضوء تطورات الوضع السياسي الراهن إلى أن تحركًا أردنيًّا- فلسطينيًّا بدعم مصري- فرنسي يعمل على جبهة أوروبا هو الأنشط والأكثر حيوية. لكن ليس لاعتبار أن أوروبا قادرة على الحل بمعزل عن أمريكا، وإنما للتأثير على القرار الأمريكي بضرورة الضغط على «إسرائيل» خاصة وأن أمريكا ستكون مشغولة بالانتخابات طيلة عام ١٩٨٤م، على حد تعبير هاني الحسن مستشار السيد ياسر عرفات!

ومن المحتمل أن يكون هذا التحرك قد أعد له منذ وقت، فإحياء العلاقات الفلسطينية - المصرية كان متزامنًا مع إحياء العلاقات الأردنية - المصرية، ومن المتوقع أن يسهم قرار القمة الإسلامية بعودة مصر الذي كان لعرفات الجهد الأكبر فيه بدفع هذا المحور إلى الأمام.

ويظل مستقبل هذا المحور مظلمًا حتى لو تحقق ما صرح به مدير مكتب المنظمة في القاهرة عضو المجلس الوطني الفلسطيني السيد سعيد كمال من أن المنظمة قد توافق على أن يتولى الأردن التفاوض عن الضفة وحسني مبارك عن قطاع غزة!!

• فالأردن وعرفات اللذان يأملان من مؤتمر القمة العربية القادمة دعم تحركهما المنتظر الاتفاق عليه وتحديد معالمه قبل انعقاد القمة، سيكونان قادرين على تحدي وتجاهل نقد النظام السوري والمنشقين، ولكن الأردن وعرفات يدركان جيدًا أن حكومة العدو ما زالت تصر على رفض مبادرة ريغان ومشروع فاس العربي كما ترفض التحدث إلى أي ممثل لمنظمة التحرير. كما أن أمريكا ما زالت غير جادة في الضغط على إسرائيل؛ فماذا يفعلان؟

كما قال هاني الحسن لمجلة الوطن العربي في الشهر الماضي: الحديث عن مؤتمر دولي يحضره الاتحاد السوفياتي أصبح حديثًا أردنيًّا فلسطينيًّا مشتركًا، ولكن كما قال مسؤول أمريكي «الملك يدرك جيدًا أن الولايات المتحدة هي الدولة الوحيدة المقبولة لدى الطرفين: العربي، والإسرائيلي لذلك فإن الأردن الذي لا يملك قدرة عسكرية رادعة سيميل إلى المضي في طريق المفاوضات لكن بحذر شديد. ومع ذلك يركز الإعلام العربي والأمريكي على أن المفاوضات بقيادة أمريكا أو رعايتها ستحقق السلام! وسيشار إلى تصريحات لحزب العمل الإسرائيلي على لسان شيمون بيريز بضرورة الدخول في مفاوضات مع الملك حسين حول مستقبل الضفة الغربية وقطاع غزة دون شروط مسبقة!

وسيشار إلى أزمة حكومة شامير الاقتصادية وتخفيض عدد المستوطنات المقرر إنشاؤها حتى عام ۱۹۸٥م إلى النصف! وسيقال بأن أمريكا قررت مضاعفة مساعدتها للأردن عام ١٩٨٤م.

ولكن الحقائق تبقى أصلب وأكبر من أن يغطيها ركام الإعلام المستكين أو المغرور أو المغلوب على أمره!

والسؤال الذي لا بد للمراقب المسلم أن يطرحه هو: إذا كان الحديث عن السلام مع العدو بالمنطق المطروح لا يزيد عن كونه سرابًا ﴿ يَحۡسَبُهُ ٱلظَّمۡـَٔانُ مَآءً حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءَهُۥ لَمۡ يَجِدۡهُ شَيۡـٔٗا (النور:39) كما في التعبير التأني، فلماذا يمضي بعض المسؤولين العرب في هذا الطريق؟

نعم قد يكون الضعف، وقد يكون الخوف من التهديد الأمريكي- الصهيوني المشترك، وقد يكون هذا كله. ولكن في حساب الأمة وفي حساب التاريخ لا يمكن لهذا كله أن يسوغ الخضوع، فما بالكم إذا صار الخضوع فلسفة؟

اللهم اهد قومنا إلى الصراط المستقيم.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل