العنوان الأردن.. رفض شعبي لعودة الشيوعية
الكاتب أحمد رمضان
تاريخ النشر الثلاثاء 27-فبراير-1990
مشاهدات 73
نشر في العدد 956
نشر في الصفحة 24
الثلاثاء 27-فبراير-1990
• الشعب الأردني أطاح بآمال اليسار والتيار
العلماني باختيار ممثلين من التيار الإسلامي.
• النواب الإسلاميون حريصون على المسيرة
الديمقراطية والمحافظة عليها.
في وقت تنداح
فيه الكرة الشيوعية في جميع أنحاء العالم إلى القاع، يبدو أن بعض العلمانيين العرب
ما زالوا يصمون آذانهم عن سماع هدير الجماهير الثائرة ضد طغيان الماركسية
واستبدادها في أجزاء من العالم عُرفت على مدى عقود بدول الستار الحديدي. في هذا
الوقت بالذات، يُبدي اليسار العربي حماسًا غريبًا لتمكين الشيوعية في البلاد
العربية والإسلامية، وإعادة «الهيبة» المفقودة لها، والتي هُدرت تحت ضربات الحرية
الشعبية الهادرة المنتفضة.
وفي الأردن منذ
أن أطاح الشعب الأردني بآمال اليسار والتيار العلماني باختيار ممثليه من التيار
الإسلامي الواسع... بدأت أقلام هؤلاء تنشط في اتجاه تبرير الانتكاسة... ووضع
التفسيرات الواهية لها، مطالبين في الوقت نفسه بما يسمونه «الديمقراطية الحقيقية»
وهي في اعتبارهم منحهم حق اختراق المجتمع الأردني، والقبض على مفاصله بوسائلهم
السرية الانقلابية. وسعى هؤلاء إلى التركيز على ضرورة السماح للحزب الشيوعي
الأردني بممارسة نشاطه الحزبي في الساحة الأردنية، مع أن الأمين العام لهذا الحزب
يعقوب زيادين قد هُزم شر هزيمة في معركة الانتخابات أمام الصحفي الأردني فخري
قعوار، ولم ينجح من الشيوعيين سوى مرشح واحد هو عيسى مدانات، الذي يحاول لملمة بعض
السدنة حوله من اليسار والتيار العلماني. ومعروف أن الشيوعية محظورة في الأردن
دستوريًا منذ أكثر من ثلاثين عامًا، ومع ذلك فإن الحكومات المتعاقبة لم تمارس
العنف ضد معتنقيها، الذين يجدون أكثر من وسيلة لمزاولة نشاطاتهم، وقد تمكنوا عبر
هذه النافذة من دخول الانتخابات، التي أثبتت ضآلة حجمهم وصغر موقعهم.
محاولة
الاختراق:
وقد عمدت
الحكومة الأردنية مؤخرًا إلى طرح مشروع خاص على مجلس النواب للموافقة عليه «وهو
قانون» إلغاء قانون مقاومة الشيوعية لسنة 1990، والذي أثار جدلًا عنيفًا في أوساط
النواب، وقاومه بشدة معظم النواب الذين يجدون أنهم يمثلون قاعدة شعبية مسلمة، يجب
عليهم الحفاظ على هويتها وعقيدتها وانتمائها. في هذا الصدد أكد الدكتور عبد الله
العكايلة أن المادة 40 من نظام مجلس النواب تضع القانون للمذاكرة. وتساءل: كيف أن
مشروع القانون هذا يخالف أحكام الدستور الأردني «المادة الثانية»، ومع ذلك يُطرح
على مجلس النواب لإقراره؟!... واعتبر الدكتور العكايلة أن قرار الحكومة بإحالة هذا
القانون للمجلس يشير إلى أن الديمقراطية بدأت تصطدم مع الدستور. وأضاف: هل أمريكا
والدول الغربية العلمانية تسمح لمثل هذا القانون أن يسود لديها؟!... كيف أن دولة
97% من مواطنيها مسلمون تسمح بمثل هذا القانون؟
وشدد على أن هذا القانون سيعيد الأردن إلى معضلة
جديدة، وطالب مجلس النواب برده باعتباره مخالفًا للدستور الأردني.
فكاهة:
أما النائب سليم
الزعبي فقد اعتبر عدم الموافقة على القانون مقدمة لمصادرة حرية الرأي... وقد دوت
القاعة بالضحك من قبل النواب والحضور حين قال النائب المذكور: «إن كثيرًا من
الإخوة الشيوعيين يؤدون الواجبات الدينية (...)».
المسيرة
الديمقراطية:
وقد رد على ذلك
النائب الدكتور عبد اللطيف عربيات الناطق الرسمي باسم كتلة الحركة الإسلامية في
المجلس حيث قال: «إن النواب حريصون على المسيرة الديمقراطية، والمحافظة عليها،
ولسنا في سبيل مصادرة الحرية، ونؤكد على ذلك لأننا نحن الذين نحتاج إلى الحرية،
لنقول بالكلمة الطيبة ما نريد، لهذا أرى أن يحال إلى اللجنة القانونية أو إلغائه».
وقد أثنى العديد من النواب على هذا
الاقتراح. واعتبر النائب محمد دودين أن مشروع القانون يعني السماح للحزب الشيوعي
بممارسة أعماله ونشاطاته في الأردن، وهذا سابق لأوانه، وأكد أن ذلك مرتبط بالميثاق
الوطني، وطلب تأجيل مناقشة مشروع القانون لحين العمل بالأحزاب... وقد نال هذا
الاقتراح ثناء بعض النواب.
ادعاءات:
أما النائب
الماركسي الوحيد عيسى مدانات فقد أشار إلى أن النظام الداخلي للحزب الشيوعي
الأردني لا توجد فيه أية مادة تشترط أن يكون العضو ملحدًا أو غير ملحد «...» وأكد
أنه لم يحصل من وقت قريب أو بعيد أن تهجم الحزب على الأديان والمعتقدات، بل على
العكس إن تربيتنا للأعضاء في الحزب تؤكد على احترام الأديان «...».
انتصار الحق:
وعقب على ذلك
النائب الأستاذ يوسف العظم فقال: أنا من أنصار أن يقف المسلم والشيوعي في المدرج
الروماني «وسط عمان» ليشرح الماركسي فكره، والمسلم معتقداته، والبقاء للأفضل، وأن
الإسلام هو الذي سيبقى لأنه الأفضل. وأضاف: إن النظرية الشيوعية تقوم على قاعدة
فكرية وهي «لا إله والحياة مادة» والبيان الشيوعي لماركس ص14 يقول: إن الأبوة
والبنوة ليست سوى برجوازيات، لا بد من القضاء عليها، وليست البنات سوى أدوات في
هذا المجال كالشاكوش والزرادية.
وقال معقبًا:
لسنا بصدد مناقشة الفكر الشيوعي، وما قاله الزميل «مدانات» حول عدم محاربة الأديان
هو صحيح في الممارسات الحالية فقط، وليس على الصعيد المستقبلي. وأكد أنه ليس كل
شيوعي يصلي هو شيوعي بنظر الحزب، وكل من يدينون بالأديان ليسوا شيوعيين بشكل صرف.
وطالب بتحويل مشروع القانون إلى اللجنة القانونية إضافة إلى انتظار الميثاق
الوطني، الذي سيصدر بهذا الشأن، وسيسمح بحرية الأحزاب. وقد طرح رئيس مجلس النواب
سليمان عرار على المجلس إحالته إلى اللجنة القانونية، فنال موافقة 55 نائبًا، وقد
تبين أن هناك تفاهمًا حول ذلك بين التيار الإسلامي، والكتلة الوطنية المحافظة. ومن
المؤكد أن اللجنة القانونية ستعمد إلى دراسة القانون بعناية، خشية مخالفته لفقرات
الدستور الأردني، الذي ينص في مادته الثانية على أن الإسلام هو «دين الدولة»،
وستقدم اللجنة مقترحاتها إلى المجلس في وقت لاحق. ويلاحظ المراقبون أن عودة الحزب
الشيوعي الأردني إلى ساحة العمل السياسي، تواجه صعوبات بالغة التعقيد، في ضوء
الصورة الداكنة التي تلاحق معظم الأحزاب الشيوعية في العالم، والظروف الداخلية
التي يحياها الأردن، وخاصة ما يتعلق منها بتنامي الصحوة الإسلامية، وعودة الروح الإيمانية
إلى قلوب الجماهير... مما يعني أن السماح للشيوعية بمزاولة نشاطها من جديد سيعتبر
انتكاسة مؤلمة لآمال هذه الجماهير وطموحاتها في ديمقراطية نقية يمارسها أناس، ذوو
تاريخ نظيف بعيدًا عن روح الانقلابات والاستبداد، وفكرة الحزب الواحد التي تأخذ
بألباب الشيوعيين.