الثلاثاء 23-أكتوبر-1984
من المسلم به أننا نعيش في الضنك الاقتصادي، وهو أمر عظيم بالنسبة لهذا البلد المعطاء، فالضنك بدأت بوادره للجميع، ولم نعد نحتاج إلى دلائل وبينات على وجوده، بل إن الطفل الصغير ليشعر به.. والمرأة العجوز أحست بذلك.
فالقضية إذًا ليست محصورة في مجموعة من المتعاملين في سوق الأوراق المالية المؤسسين والمساهمين في البنوك الربوية؛ بل الأمر تعداهم إلى ذاك الرجل الذي يجمع القمامة من أمام البيوت، فكان هذا المسكين يصبحه الناس ويمسونه ويواسونه من غربته ومهنته بدنانير يطير لها فرحًا، ويزداد بها عملًا ونصحًا، فانقطع هذا الرافد وظل المسكين على راتبه المذبوح بالسكين، بل الأمر أفجع من ذلك وأبعد، فتلك الأسرة التي في أعالي الصعيد والتي كان يأتيها راتب معينها غدقًا في كل شهر، أما اليوم فصاحبهم يبحث عن إقامة وإعانة، وهناك في أدغال إفريقيا ومستنقعات الهند آلاف الأيتام والمحتاجين والأسر المتضررة تستغيث بكل آت ومقيم يلبس «الغترة والعقال».. ولكن لا معين!
وعلى ذلك فالمأساة الاقتصادية لا يتأثر بها أهل الكويت بخاصة، بل كل من يعولهم هذا الشعب الكريم من المقيمين والمغتربين، وعلى ذلك أضرب صورة عملية لهذا الأمر: لقد كانت لجنة بيان ومشرف للزكاة والخبرات تعول خمسًا وعشرين أسرة سنوية في مخيمات الفلسطينيين في منطقة «الزرقاء» وقبل شهر حل القسط السنوي، ولم تستطع اللجنة أن تؤدي ما عليها من التزام! ومن مثل هذا كثير، والله يعين هذا الاقتصاد الكسير.
على أن الضمان الاقتصادي والعيش الراقي إنما هو في دين الله العلي القدير.. فهذا نبي الله نوح عليه السلام يخاطب قومه فيما يحكيه ربه سبحانه: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (10) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا (11) وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا (12) مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلهِ وَقَارًا (13)﴾ (نوح: 10- 13).
فالرجوع إلى الله بمعنى الاحتكام لشرعه، والانصياع لأمره، والتوقير لدينه، والشكر لعطائه وفضله. وهذا ملك مصر يجعل الله له إرهاصات من خلال رؤيا في المنام تفزعه وتنذره عن أمر جلل سيحدث له ولأمته: ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ﴾ (يوسف: 43) فيستشير وزراءه، وعلى العادة حتى يحافظوا على ما هم عليه لا بد من التحذير الموضعي: ﴿قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلَامِ بِعَالِمِينَ﴾ (يوسف: 44).
ولكن رحمة الله بالبشر تجعل الإلحاح شديدًا من قبل الملك حتى لا يجد بدًّا من الرجوع إلى البحث، وإن كان في غيابت السجن، وإن كان الملك هو الذي سجنه عندما كان خطرًا على العرف الأخلاقي والدمار الاجتماعي الموجود في قصر الملك، ولكن لا فكاك حتى يعيش الجميع وتستمر الحياة فيرجع الملك الحيران إلى النبع الصافي، إلى التشريع الإلهي، المتمثل في نبي الله يوسف: ﴿يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ (يوسف: 46)، فيكون البيان الاقتصادي لحل هذه المشكلة: ﴿قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تَأْكُلُونَ …﴾ (يوسف: 47- 49) وبعد أن سن التشريع عليه السلام جعل له ضابطًا وهو عملية الرقابة والاستمرارية به: ﴿قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ (يوسف: 55). وعلى ذلك إن أردنا الحل فهو موجود في بيان النبي محمد صلى الله عليه وسلم المتمثل في كتاب ربه وسنته، فما علينا إلا أن نخرجه من سجنه في الرفوف والمآتم إلى واقع الحياة؛ حتى يحافظ الملوك على ملكهم ويحيى الناس في عزهم.
وبعد هذا البيان أصبح واضحًا أنه لا بد وأن نقيم اقتصادنا على قاعدة لا إله إلا الله، أي وفق منهج الله سبحانه، فالاقتصاد الإسلامي ليس مجرد أحكام شرعية تولد لنا مجموعة مواقف إسلامية من المشاكل الاقتصادية المعاصرة، وإنما هو جزء من نظرية إسلامية متكاملة تنبثق من تصور اعتقادي محدد المعالم والأهداف، ومن خلال هذا التصور تطرح جميع أنواع العلاج بشتى الصور والمشاكل، وعلى ذلك فالأساس الأول لدراسة النظرية الإسلامية في الاقتصاد تبتدئ بدراسة الأسس لهذا الاقتصاد، حتى تكون دراستنا أصيلة الانتماء، متميزة الأسس، متكاملة الأصول والفروع، متناسقة، متوازنة في مواقفها من المشاكل المتجددة، والأسس هي:
أولًا: الأساس الاعتقادي الذي يؤثر في نفسية الفرد وسلوكه:
في كتاب الله سبحانه وتعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم يظهر أساس العقيدة الذي يقوم على:
١- ترسيخ ربوبية الله سبحانه وتعالى وألوهيته عن طريق النص والعقل.
٢- بيان صلة الإنسان المخلوق بالله الخالق.. إنها صلة العبد بالخالق، فالحاكمية المطلقة لله، والعبودية للإنسان.
٣- إلزامية وجود رسل يقومون بنقل الرسالة إلى الناس.
﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا﴾ (الأحزاب: 36).
٤- وجود منهج يتبعه الرسل ويأمرون الناس باتباعه، وهو القرآن الكريم. ولعلنا هنا نقف مع هذا المنهج الذي يتميز به.
النظرة للحياة
فالحياة ليست غاية، والملكية ليست مطلقة عن الحدود والقيود، والإنتاج والاستثمار يجب أن يكون خاضعًا للأساليب الأخلاقية والتي لا تمس المصالح الاجتماعية، والإنفاق واجب إسلامي لتحقيق التوازن ولامتصاص الأحقاد الطبقية، والاستهلاك يجب أن يخضع لقاعدة الاعتدال من حيث تحريم التبذير والإسراف والبخل والتقتير.
النظرة للإنسان
حيث إن الإنسان مستخلف في الأرض وليس مالكًا على الحقيقة: ﴿وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾ (الحديد: 7) ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ (البقرة: ٣٠).
ففكرة الخلافة كما أنها تمنح الإنسان الحق، فإنها في نفس الوقت تقيد هذا الحق؛ لأن المستخلف لا يملك إلا أن ينظر إرادة من استخلفه، فهو وكيل، ووكالته مقيدة ضمن الحدود التي منحته إياها الشريعة؛ ويترتب على هذا الأمر:
أ- أن يراعي مالك المال حقوق الجماعة في الأموال الموجودة معه.
ب- إسقاط ملكية المالك عن جزء من أمواله بشكل متجدد في كل عام، وهو الزكاة.
ثانيًا: الأساس الأخلاقي
إن التشريع الإسلامي لا يفصل بين القاعدة الأخلاقية والقاعدة التشريعية؛ بخلاف التشريعات الوضعية، فالإنسان الذي يستطيع أن يتخلص من رقابة القانون عليه لا يستطيع أبدًا أن يتخلص من رقابة القواعد الأخلاقية.
ثالثًا: الأساس التشريعي
ومصادره هي:
- القرآن الكريم.
- السنة المبينة.
- المصادر الاجتهادية.
ويلاحظ هنا أن المصادر النقلية تمثل المصدر الثابت للنظرية الإسلامية في الاقتصاد، ويبقى الاجتهاد المصدر المتجدد، وقد جاءت المصادر النقلية للنظرية الإسلامية بتحريم التعامل بالربا، ومنع الاحتكار، ومنع أكل أموال الناس بالباطل.
وهنا بعد بيان الأسس التي يقوم عليها الاقتصاد لا بد من بيان الدور الاجتماعي للمال: وهو دور يتنافى مع النظرة الفردية للمال؛ فالمال يرتبط بمالكه من خلال معادلة يمثل المجتمع الركن الثالث لها، وبهذا وردت المادة ١٦ من الدستور الكويتي التي تنص على أن الملكية ورأس المال والعمل مقومات أساسية لكيان الدولة الاجتماعي وللثروة الوطنية، وهي جميعًا حقوق فردية ذات وظيفة اجتماعية ينظمها القانون.
واجب الدولة
وفي الختام نطرح سؤالًا: هل على الدولة مسئولية اقتصادية؟
من المقرر أنه ليس مسئولية الدولة في نظر الإسلام خاصة بالأمن الداخلي والدفاع الخارجي؛ وإنما تتعدى هذا الهدف لتجعل منها أداة لرعاية المصالح الاجتماعية التي تتمثل في العدل الاجتماعي، وذلك بالانتصار للفئات الضعيفة التي لا تملك القدرة على الدفاع عن مصالحها المالية، والعمل على إعادة العلاقات والمعاملات المالية إلى حقيقتها، لا عن طريق منع الربا والاحتكار والغبن فقط، وإنما عن طريق منع الأسباب المؤدية إلى هذه المعاملات، ثم تقوم الدولة بتهيئة المال الكافي لسد حاجة الإنسان وتوفير حد معين من المعيشة له، وذلك عن طريق مبدأ التكافل في الجماعة في موارد الدولة العامة.
انظر كتاب: أثر تطبيق النظام الاقتصادي الإسلامي في المجتمع، مجموعة بحوث مقدمة لمؤتمر الفقه الإسلامي الذي عقدته جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية في الرياض سنة ١٣٩٦هـ، ففيه فائدة جليلة.