العنوان الأزمة التركية العراقية حول حزب العمال الكردستاني نظرة تاريخية (2 من 3).. العوامل التي أدت إلى المواجهة.
الكاتب أورخان محمد علي
تاريخ النشر السبت 12-يناير-2008
مشاهدات 51
نشر في العدد 1784
نشر في الصفحة 32
السبت 12-يناير-2008
أدرك حزب العمال الكردستاني أن البساط قد ضاع من تحت أقدامه بعد مجيء حزب العدالة والتنمية وقيامه بإصلاحات واسعة أكسبته قلوب الأكراد.
بلغ عدد النواب الأكراد لصالح حزب العمال (٢٣) نائبًا، بينما بلغ عددهم لصالح العدالة (٧٥) نائبًا.
هناك دول تمول هذا الحزب وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية و"إسرائيل" وبعض المؤسسات المدنية في أوروبا.
الدور الإسرائيلي واضح جدًا لأن "إسرائيل" تسعى مع الولايات المتحدة الأمريكية لشرق أوسط جديد تكون فيه "إسرائيل" اللاعب الرئيس.
في العدد السابق ألقيت نظرة تاريخية على صراع حزب العمال مع الدولة التركية، وأهم الأسباب التي دعت هذا الحزب لقيادة عصيان مسلح والخطوات التي اتخذتها حكومة السيد أردوغان لمعالجة أصول المشكلة وجذورها التاريخية؛ وفي هذا العدد نحاول فهم العوامل الكامنة وراء هذا الأمر، والتي يمكن اختصارها في عاملين:
1- عامل في المدى القريب.
2- عامل في المدى البعيد.
أما عامل المدى القريب فهو أن حزب PKK أدرك بأن البساط قد سحب من تحت أقدامه بعد مجيء حزب العدالة والتنمية، وقيامه بالإصلاحات الأخيرة والحقوق التي أعطاها للأكراد، وكذلك الإصلاحات الاقتصادية والمشاريع التي بدأت في المناطق الكردية الفقيرة كل هذه الأمور كسبت قلوب الأكراد لصالح حزب العدالة والتنمية، وقد انعكس هذا بوضوح في الانتخابات العامة الأخيرة؛ حيث نال هذا الحزب النسبة العظمى من أصوات الأكراد متفوقًا على PKK الذي دخل هذه الانتخابات تحت اسم حزب المجتمع الديمقراطي DTP الذي لم يحصل إلا على (۲۳) مقعدًا في المجلس النيابي، بينما بلغ عدد النواب الأكراد في حزب العدالة والتنمية (٧٥) نائبًا، إذن من يمثل الشعب الكردي في الحقيقة؟ هل يمثله حزب PKK الماركسي أم حزب العدالة والتنمية؟
لقد أدرك حزب PKK هذا الخطر الداهم الذي أحدق به، والذي بدأ يهدد کيانه وبقاءه؛ لأن كل حزب سري وإرهابي يجب أن يتوافر له شرطان أساسان لكي يستمر في نشاطه:
1- دولة أو دول تموله.
2- أنصار من الأهالي يقدمون لأفراده الملاجئ والمخابئ بعد كل عملية.
بالنسبة للدول فهناك دول تمول هذه الحركة وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية و"إسرائيل" وبعض المؤسسات المدنية في أوروبا، كما أن هذا الحزب يحصل على أموال طائلة من تجارة المخدرات وتجارة الأسلحة، ولا سيما تجارة الأسلحة المتوافرة الآن بكثرة في شمال العراق بعد الغزو الأمريكي؛ لذا فقد اهتمت الحكومة التركية الحالية بمكافحة تجارة المخدرات، ونجحت في القبض على المئات من المتورطين فيها، فكانت ضربة قاصمة لأهم مصدر لتمويل هذا الحزب.
خسارة القاعدة الشعبية ومصادر التمويل دفعت PKK بعد الانتخابات الأخيرة للقيام بموجة من العمليات الإرهابية كان أكثرها قرب الحدود العراقية التركية ما يؤكد تسلل أفراده من شمالي العراق إلى تركيا ثم عودتهم إليه، وكانت الغاية تتمثل في إحراج حكومة أردوغان وإظهارها عاجزة أمام الشعب أولًا، ودفعها إلى حملة من الاعتقالات ضد الأكراد لكي يكون هناك رد فعل قوي يعيد إلى هذا الحزب بعض قاعدته الشعبية التي خسرها، ويؤجج مرة أخرى الشعور القومي الكردي، ولترويع رجال الأعمال وإيقاف مشاريعهم؛ لأن زيادة رفاهية تلك المنطقة ستكون عاملًا مهمًا في ميل الشعب الكردي نحو جانب الحكومة وإلى تخفيض نسبة البطالة بين الشباب، علمًا بأن البطالة من أهم العوامل التي تدفع الشباب إلى الانضمام لهذا الحزب الذي يتكفل عادة بمعيشتهم، ويقدم لهم المعونة الاقتصادية، كما أن رؤساء البلديات المنتسبين لهذا الحزب (الذين جاءوا إلى مناصبهم بالانتخابات المحلية) يقومون بتوظيف أفراد عوائل وأقارب الذين ينخرطون في الحزب.
العامل الآخر الذي أدى إلى انحسار التأييد الشعبي لـ PKK هو تنامي الصحوة الإسلامية في تركيا ومن ضمنها المنطقة الكردية، وكلما حل الفكر الإسلامي في منطقة تراجعت الأفكار الأخرى أمامه ومنها الفكر القومي العنصري، ولحركة (طلاب النور) نشاط ملحوظ في هذه المنطقة لذا فقد اشتكى زعماء PKK من هذا النشاط، ودعوا المؤسسة العسكرية إلى القضاء على "النشاط الرجعي" في هذه المنطقة قائلين إنهم في صف واحد مع المؤسسة العسكرية للقضاء على الرجعية وتقوية العلمانية، وأن على العسكر أن يعرفوا أنهم معهم في هذا الأمر، والغريب أن حزب PKK قدم نفسه للأكراد كحزب ماركسي وكحزب قومي، ولا يدري أحد كيف يجتمع النقيضان الفكريان في حزب واحد، فالفكر الماركسي فكر أممي ولا يعترف بالفكر أو التوجهات القومية، والماركسيون في جميع أنحاء العالم يحاربون الفكر القومي، ويصفونه بأنه فكر ضيق ومتحجر، ولم يكن معظم الشعب الكردي يعرف أن هذا الحزب حزب ماركسي الحادي، وعندما بدأ يعرف بدأ ينفض عنه؛ لأن الشعب الكردي شعب مسلم متمسك بدينه.
أما العامل في المدى البعيد فنود أن تؤكد أولًا على أن أي تحليل لما يجري في الشرق الأوسط سيكون تحليلًا ناقصًا إن لم يؤخذ عامل إسرائيل بالاعتبار أما في هذه المسألة فعامل "إسرائيل" واضح جدًا لأن "إسرائيل" تسعى مع الولايات المتحدة الأمريكية لشرق أوسط جديد أي لتغير الحدود الحالية للمنطقة ورسم حدود جديدة لها، والورقة الكردية ورقة ثمينة جدًا في يد إسرائيل؛ إذ بها تستطيع إسرائيل إضعاف العراق وإيران وسورية وتركيا، وبذلك تضرب عصفورين بحجر واحد قد يسأل سائل: يمكن فهم محاولة إسرائيل إضعاف أعدائها العراق سورية إيران، ولكن ما الداعي لإضعاف تركيا وهي دولة لها علاقات جيدة معها ومع أمريكا التي تعد حليفًا لتركيا منذ أكثر من خمسين عامًا؟
الجواب: الدول تخطط لخمسين سنة أو أكثر، أمريكا وإسرائيل تريدان أن تكون "إسرائيل" هي اللاعب الرئيس في الشرق الأوسط، والدول المنافسة لها في هذه المنطقة ثلاث دول هي (إيران، وتركيا، ومصر)، أما مصر فقد انسحبت من الميدان، وتقوقعت على نفسها، لذا فإن إسرائيل (ومعها الولايات المتحدة الأمريكية) تؤيدان إقامة دولة كردية في شمالي العراق، أي تجزئة العراق، ومن مصلحتهما ظهور حركة كردية انفصالية في إيران وفي تركيا؛ لأن مثل هذه الحركة تستنزف موارد هاتين الدولتين المنافستين لها وتضعفهما، وهذا هو السبب في أن "إسرائيل" قامت بتدريب البيشمركة في شمالي العراق، كما أن الولايات المتحدة الأمريكية تمول وتسلح وتدرب حزب PJAK وهو حزب كردي انفصالي في إيران كما سلحت حزب PKK منذ سنوات، حتى إن رئيس أركان الجيش التركي الأسبق دوغان كونش صرح مرة بأنه يملك أدلة قوية على قيام أمريكا بمساعدة PKK، فهذا الحزب ضروري في مشروع "الشرق الأوسط الكبير" الذي تخطط له الولايات المتحدة الأمريكية و"إسرائيل"، والغريب أن الجيش التركي كان يجد (بجانب الذين يقتلهم من الإرهابيين من PKK في المناوش المسلحة أو يأسرهم) يجد أن أسلحتهم أمريكية الصنع، وعندما طلبت تركيا من الولايات المتحدة الأمريكية تفسيرًا لهذا الأمر كان المبرر الأمريكي هو لقد فقدنا (١٩٠) ألف قطعة سلاح في العراق؛ لذا قد تكون هذه الأسلحة قد سربت إلى أيدي هذا الحزب، أيعقل هذا؟ هل الأمور فوضوية إلى هذه الدرجة في جيش أكبر دولة حاليًا؟
منذ مجيء حزب العدالة والتنمية إلى الحكم في تركيا والحكومة التركية تتصل بالحكومة العراقية، وكذلك بالولايات المتحدة الأمريكية طالبة منهما القيام بمنع تسلل أفراد PKK من العراق إلى تركيا فلم تجد منهما غير التسويف والمماطلة.
صحيح أن الحكومة العراقية معذورة حاليًا؛ لأنها لا تستطيع المحافظة على الأمن في بغداد وفي المحافظات الأخرى، فكيف تستطيع المحافظة على حدودها؟ ولكن أمريكا ليست معذورة، فهي المسؤولة عن أمن حدود العراق حاليًا؛ لذا قدمت تركيا إليهما المقترح التالي: (إما أن تقوموا أنتم بهذا الأمر أو دعونا نحن نقوم به أو نقوم به مشاركة).
مطالب تركيا تحديدًا هي:
1- قطع جميع الإمدادات عن أفراد هذا الحزب الذي يملك معسكرات عديدة في العراق (منها معسكرات جبل قنديل ومعسكرات الزاب وغيرهما).
2- تخريب قواعده في العراق.
3- القبض على زعمائه وتسليمهم إلى تركيا.
ولكن لم تتلق سوى كلمات المماطلة والتسويف كانت الحكومة العراقية (وكذلك الولايات المتحدة الأمريكية) تعتقدان بأن تركيا لن تجرؤ على القيام بحركة عسكرية في شمالي العراق؛ خوفًا من التورط بمجابهة مع الجيش الأمريكي هناك.
ولكن عندما بلغ السيل الزبى ويئس السيد رجب طيب أردوغان منهما أنذر كلًا من حكومة العراق والولايات المتحدة بأنهما إن لم يقوما بهذا الأمر فسيقوم به الجيش التركي، وعمل ما يلزم مهما كلفه الأمر، وقال إنه لا يتردد عن هذا، وإن كان الثمن الدخول في مواجهة مع الولايات المتحدة الأمريكية في العراق.
كان إنذارًا قويًا وغير متوقع من أحد في العراق أو أمريكا، وشفع إنذاره هذا بطلب من المجلس التركي إعطاء حكومته الإذن للقيام بالعمليات خارج الحدود التركية، وجاء الإذن بأغلبية لم تحصل حتى الآن في هذا المجلس؛ إذ حصل على (۵۱۷) صوتًا من مجموع (٥٢٤) صوتًا كان هناك بعض النواب خارج تركيا، كما أن ۱۹ نائبًا من حزب PKK الذي يملك ۲۳ نائبًا صوتوا ضد القرار)، ثم خطا الخطوة التالية فحشد أكثر من مائة ألف جندي على الحدود التركية العراقية.
عرف الجميع بأن الأمر جد لا هزل فيه، فسارع العديد من المسؤولين العراقيين والأمريكيين إلى أنقرة طالبين إعطاءهم مهلة، واتصلت وزيرة الخارجية الأمريكية رايس بالسيد أردوغان طالبة مهلة قصيرة.