العنوان بعد طرح الاقتصاد الإسلامي كبديل للرأسمالي المنهار... الأزمة المالية العالمية بين التحديات والفرص
الكاتب د. أشرف دوابه
تاريخ النشر السبت 07-فبراير-2009
مشاهدات 74
نشر في العدد 1838
نشر في الصفحة 46
السبت 07-فبراير-2009
الأزمة كشفت تصدع الرأسمالية وقرب انتهاء هيمنة القطب الاقتصادي الواحد
خبراء وسياسيون عالميون يؤكدون الانهيار الإمبراطوري لأمريكا خلال العقدين الأولين من القرن الحالي
منهج المسلمين الاقتصادي يقوم على الاستثمار الحقيقي وتوسيع قاعدة الإنتاج.. فهل هم قادرون على تسويقه؟
صحف غربية كبرى دعت إلى تطبيق الشريعة الإسلامية في المجال الاقتصادي للتخلص من الأزمة المالية
وزارة الخزانة الأمريكية والحكومة الأسترالية بصدد دراسة أعمال الصيرفة الإسلامية
ما زالت الأزمة المالية العالمية تلقي بلهيبها على الاقتصاد العالمي، وهي في حقيقتها تحمل في رحمها تحديات وفرصا. فقد كشفت تلك الأزمة عن تصدع النظام الرأسمالي، وعن انتقاص لهيمنة أمريكا »، وانتهاء لسيادة القطب الواحد في المستقبل القريب والبعيد، وهذا ما يقبله العقل ويقره الشرع.
فالعقل يؤكد أنه ليس بعيدًا أن يتصدع الاقتصاد الأمريكي وتنتهي الإمبراطورية العظمى ذات القطب الواحد كما حدث البريطانيا من قبل، وهذا ما شهد به الغربيون أنفسهم وقد ذكر المؤرخ الكندي المشهور بول كنيدي - منذ عشرين عاما - أن الولايات المتحدة ستبدأ في الانهيار الإمبراطوري في نهاية العقد الأول من القرن الحادي والعشرين كما أشار تقرير حديث للمخابرات الأمريكية إلى أن نفوذ الولايات المتحدة الاقتصادي والسياسي سينتهي خلال عقدين من الزمان وألقت «ألمانيا» باللوم على الولايات المتحدة في حدوث الأزمة المالية العالمية باندفاعها الأعمى وراء أرباح أكبر، وقالت: إنه سيتعين على «واشنطن» قبول قدر أكبر من القواعد المنظمة لعمل السوق وخسارة مكانتها كقوة مالية عظمى.
وصرح وزير المالية الألماني بير شتاينبروك أن الولايات المتحدة ستفقد مكانتها كقوة عظمى في النظام المالي العالمي، وسيصبح النظام المالي العالمي متعدد القطبية بشكل أكبر.
وطالب الرئيس الروسي ديمتري ميدفيديف بإقامة نظام اقتصادي مالي جديد أكثر عدلا يقوم على عدد من الأقطاب، وسيادة القانون والأخذ بالمصالح المتبادلة، معتبرا أن ما سماه عهد الهيمنة الاقتصادية الأمريكية قد ولى. وقال عهد هيمنة اقتصاد واحد، وعملة واحدة ولى بدون رجعة.
وتوقع الرئيس الأمريكي الأسبق «بل كلينتون أن يتجه العالم نحو نظام متعدد القطبية في الاقتصاد.
ووجه الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي، انتقادات حادة إلى النظام الرأسمالي العالمي وطالب بإعادة بناء النظام المالي والنقدي العالمي من جذوره.
وقد حذر من قبل موريس آلي» الحاصل على جائزة نوبل في الاقتصاد عام ١٩٨٨م من أخطار النظام الرأسمالي فقال: إن النظام الاقتصادي الرأسمالي يقوم على بعض المفاهيم والقواعد التي هي أساس تدميره إذا لم تعالج وتصوب تصويبا عاجلا. ووجه انتقادات حادة إلى أسلوب عمل الأسواق المالية والنظام المالي الرأسمالي، وتنبأ فيه بحدوث أزمات حادة وشبه البورصات وما يتم فيها به كازينوهات للمراهقين والمقامرين.
سنن كونية: أما ما يؤيده الشرع فمن سنن الله الكونية أن الأيام دول، ولكل أمة أجل وأن عاقبة الطغيان الزوال، يقول تعالى: ﴿الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ(11) فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ(12) فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ(13) إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾ (الفجر:14).
ويقول جل وعلا: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ ۖ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً ۖ وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ (الأعراف:34).
والسؤال الذي يطرح نفسه هل المسلمون أصحاب الرسالة والمنهج الشامل الصالح لإنقاذ البشرية جمعاء على مستوى الحدث والتحدي والجاهزية؟!
لقد علا صوت الاشتراكيين لتسويق بضاعتهم البائرة التي أكل عليها الدهر وشرب، مستغلين أزمة النظام الرأسمالي وقد عدل بعضهم عن منهجهم التدخلي الشمولي وطالبوا بضرورة تدخل الدولة في الاقتصاد ضمن السياسات الكلية لا الجزئية.
تسويق المنهج الرباني
والمسلمون أولى بتسويق منهجهم الرباني الشامل الكامل فالنظام الاقتصادي الإسلامي يقوم على الاستثمار الحقيقي لتوسيع القاعدة الإنتاجية، ولا يفصل بينه وبين الاستثمار المالي، فكل تيار مالي لابد أن يقابله تيار سلعي في ربط محكم. كما أن النظام الاقتصادي الإسلامي وضع سياجًا يحول دون الوقوع في الأزمة المالية الحالية بتحريمه أسبابها، من ربا وبيع ديون ومقامرة.
والنظام الاقتصادي الإسلامي ينظر للفرد والجماعة معا، فيحترم الملكية الفردية ولا يكبتها - كما في النظام الاشتراكي -، ويؤهلها لتنمو في حضن القيم الإيمانية والأخلاقية فلا غش ولا تدليس ولا احتكار ولا ربا ولا مقامرة ولا غرر ولا غين ولا استغلال كما هو عليه النظام الرأسمالي، وهو في الوقت نفسه لا يهمل دور الدولة كشريك للتنمية مع القطاع الخاص من خلال اضطلاعها بمشروعات المنافع العامة التي تقوم عليها حياة الناس من خلال استخدام أفضل للموارد المائية والرعوية ومصادر الطاقة والثروة المعدنية ففي الحديث الناس شركاء في ثلاثة الكلأ، والماء، والنار.
رواه أحمد وأبو داود.
وقد فطن العديد من عقلاء الغرب إلى قيمة النظام الاقتصادي الإسلامي فقد أشارت الباحثة الإيطالية لوريتا نابليوني إلى أهمية التمويل الإسلامي ودوره في إنقاذ الاقتصاد الغربي، وأضافت قائلة: «التوازن في الأسواق المالية يمكن التوصل إليه بفضل التمويل الإسلامي بعد تحطيم التصنيف الغربي الذي يشبه الاقتصاد الإسلامي بالإرهاب، ورأت أن التمويل الإسلامي هو القطاع الأكثر ديناميكية في عالم المال الكوني. وذكرت أن المصارف الإسلامية يمكن أن تصبح البديل المناسب للبنوك الغربية.
وفي تقرير صحفي بعنوان نجاح البنوك الإسلامية في مواجهة الأزمة المالية العالمية ذكرت صحيفة آر بي ديلي الروسية أن أعداد غير المسلمين الذين يرون أن البنوك الإسلامية وعاء آمن لأموالهم يحميها من خطر أزمة السيولة التي تضرب بنوك العالم الآن في تزايد وأضاف التقرير: إن أسباب نجاح تجربة البنوك الإسلامية في تحجيم الخسائر في ظل هذه الأزمة هو احتكامها إلى الشريعة الإسلامية التي تحرم الرباء بالإضافة إلى اعتمادها على الودائع المصرفية بدلا من القروض المصرفية.
ودعت كبرى الصحف الاقتصادية في أوروبا إلى تطبيق الشريعة الإسلامية في المجال الاقتصادي، كحل للتخلص من براثن النظام الرأسمالي الذي يقف وراء الكارثة الاقتصادية التي تخيم على العالم ففي افتتاحية لمجلة تشالينجز (Challenger) - في سبتمبر ٢٠٠٨م كتب رئيس تحريرها بوفيس فانسون (Bea fils Vincent) موضوعًا بعنوان: (البابا أو القرآن تساءل فيه عن أخلاقيات الرأسمالية؟ وقال: «أظن أننا بحاجة أكثر في هذه الأزمة إلى قراءة القرآن بدلا من الإنجيل لفهم ما يحدث بنا وبمصارفنا ؛ لأنه لو حاول القائمون على مصارفنا احترام ما ورد في القرآن من تعاليم وأحكام وطبقوها ما حل بنا ما حل من كوارث وأزمات، وما وصل بنا الحال إلى هذا الوضع المزري لأن النقود لا تلد النقود.
كما طالب رولان الاسكين (Roland Laskine) رئيس تحرير صحيفة الوجورنال Le Journal des fienance د فينانس في مقال له - في افتتاحية الصحيفة في سبتمبر ۲۰۰۸م بعنوان: هل تأهلت وول ستريت لاعتناق مبادئ الشريعة الإسلامية؟ - بضرورة تطبيق الشريعة الإسلامية في المجال المالي والاقتصادي لوضع حد لهذه الأزمة التي تهز أسواق العالم من التلاعب بقواعد التعامل والإفراط في المضاربات الوهمية غير المشروعة.
وقد دعا مجلس الشيوخ الفرنسي إلى ضم النظام المصرفي الإسلامي للنظام المصرفي في فرنسا» وقال المجلس في تقرير أعدته لجنة تعنى بالشؤون المالية في المجلس إن النظام المصرفي الذي يعتمد على قواعد مستمدة من الشريعة الإسلامية مريح للجميع مسلمين وغير مسلمين.
وكانت « بريطانيا، قد أصدرت نصوصًا تشريعية وضريبية من شأنها أن تشجع النظام الإسلامي المالي وفتح بها أول مصرف إسلامي عام ٢٠٠٤م.
وفي ألمانيا اتخذت إجراءات من أجل السماح بنظام تداول الصكوك ونظام التكافل التأمين.
وقد أصدرت الهيئة الفرنسية العليا للرقابة المالية وهي أعلى هيئة رسمية تعنى بمراقبة أنشطة البنوك قرارا يسمح للمؤسسات والمتعاملين في الأسواق المالية بالتعامل مع نظام الصكوك الإسلامي في السوق المنظمة الفرنسية.
كما تدرس وزارة الخزانة الأمريكية أبرز ملامح أعمال الصيرفة الإسلامية ومدى الاستفادة منها في علاج الأزمة المالية العالمية كما تعكف المؤسسات المالية والحكومة الأسترالية على دراسة إدخال نظام الصيرفة الإسلامية ومبادئها إلى النظام المالي الأسترالي.
وكل هذه الأقوال والأفعال التي انطلقت من هنا وهناك تأتي لتنتصر لرسول الله ﷺ ﴿إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ﴾ (التوبة: ٤٠). فالذين تطاولت السنتهم ووسائل إعلامهم بسبه للنيل منه أبى الله إلا أن يبحثوا عن منهجه الاقتصادي: ليخرجهم من ظلمات الأزمة المالية.
والأزمة المالية العالمية بذلك فتحت المجال أمام البديل الإسلامي ليتبوأ مكانه الصحيح في الاقتصاد العالمي، وهي في حقيقتها لا تخلو من فرص إيجابية تحتاج لاستثمارها من قبلنا - نحن المسلمين - وتعد فرصة تاريخية لنكون إيجابيين وعمليين بتسويق بضاعتنا الربانية ممثلة في المنهج الاقتصادي الإسلامي كمنظومة عصرية متكاملة تلبي احتياجات البشرية في اقتصادياتها، وتجمع بين الشفافية والعدالة الاجتماعية والأمان والثقة، سواء من خلال العمل على أن يشارك الاقتصاد الإسلامي بفعالية في تصحيح الرأسمالية الغربية واستخدام وسائل الإعلام المرئية والمقروءة وشبكة الإنترنت ونحوها في تقديم الفكر الاقتصادي الإسلامي بصورة واقعية تطبيقية، أو من خلال العمل على أن يكون الاقتصاد الإسلامي أحد الأنظمة الاقتصادية العالمية، أو من خلال وضع مشروع اقتصادي إسلامي بصياغة منظومة اقتصادية إسلامية شاملة ومتكاملة قابلة للتطبيق، تربط بين فقه النص وواقع العصر ولو على المستويين المتوسط والطويل لعلنا نصل في المستقبل إلى أن يكون الاقتصاد الإسلامي هو النظام الاقتصادي العالمي.