العنوان الأساليب الإسلامية للأمن والطمأنينة من المصائب الدنيوية
الكاتب د. حسين شحاتة
تاريخ النشر الثلاثاء 16-أبريل-1985
مشاهدات 91
نشر في العدد 713
نشر في الصفحة 30
الثلاثاء 16-أبريل-1985
يتمثل المنهج الإسلامي لطمأنة الإنسان من الخوف الذي يتأتى من المصائب التي يترتب عليها نقص في الأموال وما في حكمها في الآتي:
- الإيمان القوي بأن حدوث المصائب من قدر الله، وما شاء فعل، ولا راد لقضائه وقدره؛ مصداقًا لقوله -تبارك وتعالى-: ﴿قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا ۚ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ (التوبة: ٥١)؛ أي أننا تحت مشيئة وقدرة الله، وأنه -جل شأنه- يريد ابتلاء عباده المؤمنين، وأصل ذلك قول الله: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ ۗ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾ (البقرة: ١٥٥)، وعلى الفرد المسلم أن يصبر ويتقي الله؛ فإن ذلك من عزم الأمور.
- اطمئنان الفرد إلى أن هناك حاكمًا عادلًا يعمل على تأمين الرعية ضد المصائب ماديًا ومعنويًا، فالشعور بوجود مثل هذا الحاكم يبث في نفس الناس الطمأنينة والاستقرار، ومن أهم ما يجب أن نشير إليه في هذا المقام أن في زكاة المال سهمًا للغارمين، ومنهم من أصابتهم جائحة أو كارثة وما في حكم ذلك، وحكم الصحابة مليء بالأدلة القوية الناطقة بآثار تطبيق ذلك على شعور الرعية.
- اطمئنان وثقة الفرد المؤمن العضو في الجماعة المسلمة بأن إخوانه سوف يتعاونون ويتكافلون ويتضامنون معه في تخفيف نتائج الأضرار وآثار المصائب وفقًا لنظام التكافل الاجتماعي، الذي يعتبر من أهم أركان النظام الاجتماعي في الإسلام، ودليل ذلك قول الله -تبارك وتعالى-: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ ۖ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ (المائدة: 2)، ومن صفات المؤمنين الإيثار والتجرد والإخلاص في الإحسان إلى الناس، وأصل ذلك قول الله -تبارك وتعالى-: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ ۚ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾) الحشر: 9)، والسنة النبوية الشريفة حافلة بالأحاديث الشريفة التي تحث على تعاون وتكافل وتضامن المسلمين منها قول الرسول -صلى الله عليه وسلم-: «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم، كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو؛ تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى».
ولقد طبق التكافل الاجتماعي في صدر الإسلام فاطمأن المسلمون وأمنوا، ومن نماذج ذلك التكافل الذي حدث بين المهاجرين والأنصار في المدينة، وتظافر الأمة الإسلامية كلها مع المسلمين في الجزيرة العربية في عام الرمادة، وفي هذا المقام تذكر القارئ بقول عمر بن الخطاب: «لو عثرت بغلة في العراق لسئلت عنها لمَ لمْ أسوِ لها الطريق؟».
ويظهر مما سبق عظمة الإسلام في تحقيق الأمن والطمأنينة لدى الناس، وجعلهم آمنين على رزقهم ومستقبلهم، فالمؤمن القوي الصابر، والحاكم العادل ونظام الزكاة ونظام التكافل الاجتماعي يمثلون مقومات الأمن والطمأنينة ضد مصائب الدنيا ماديًا ومعنويًا، فهل نحن في حاجة بعد ذلك إلى شركات للتأمين لتأمن لنا؟ ولذلك إذا طبق نظام الإسلام فلسنا في حاجة إلى أن ندخل أنفسنا في دوامة: هل التأمين التجاري مشروع أم لا؟
سبل الأمن والطمأنينة من ظلم وبطش الرؤساء والطواغيت:
من مصادر الخوف التي يعاني منها الناس سلوك وتصرفات بعض الرؤساء الطواغيت باختلاف مستوياتهم سواء أكان ملاحظًا، أو مديرًا، أو وكيلًا، أو وزيرًا، أو رئيس دولة، والخوف يأتي من الرؤساء عندما لا يحكمون بين الناس بالعدل، فعندما يطلب من شخص ما مقابلة رئيسه تجده يرتعد ويضطرب، لماذا؟ إنه الخوف من الظلم والبطش والقهر المتوقع منه.
والأسلوب المعاصر لتحرير الفرد من الخوف من بطش وجور الرؤساء والطواغيت هو النفاق والرياء والكذب، ويقود ذلك إلى المذلة والشرك بالله، وهذا الأسلوب -وما في حكمه- حرمته الشريعة الإسلامية؛ لأنه لا يتفق مع أدمية الإنسان الذي أكرمه الله وفضله على كثير من المخلوقات، وفي هذا الخصوص يقول الشيخ محمد الغزالي «إن الإسلام حرم على المسلم أن يهون أو يستذل أو يستضعف، إن اعتزاز المسلم بنفسه ودينه وربه هو كبرياء إيمانه، وكبرياء الإيمان غير كبرياء الطغيان، إنها آنفة المؤمن أن يصغر لسلطان، أو يتضع في مكان، أو يكون ذنبًا لإنسان، ويستطرد قائلًا: ويستطيع الفرد أن يحتفظ بعزة نفسه أمام رؤسائه حين تسد الثغرات التي ينفذ منها إليه اللوم والتقريع.
ويثار في هذا الصدد سؤال: هل تمكنت شركات التأمين من أن تصدر بوالص تأمين ضد ظلم، وبطش، وجور الرؤساء والمديرين والطواغيت؟ كلا، لا يزال الناس يعيشون في رعب، وخوف، وفزع بالرغم من النفاق والكذب، ما هو السبيل؟ إلى من يلجأ المظلومون؟ إلى من يرتكن الضعفاء؟
والمنهج الإسلامي لتأمين الناس من ظلم وبطش الرؤساء والطواغيت هو القوة والعزة النابعة من الإيمان، يقول الدكتور القرضاوي إن الإنسان يحتاج إلى قوة تسند ظهره، وتشد أزره، وتأخذ بيده، وتذلل العقبات، وتقهر أمامه الصعاب، وتنير له الطريق، وهذه القوة مستمدة من العقيدة ومن الإيمان؛ فالإيمان بالله هو الذي يمدنا بروح القوة، فالمؤمن لا يرجو إلا فضل الله، ولا يخشى إلا عذاب الله، ولا يبالي بشيء في جنب الله، بالإضافة إلى ما سبق من ضرورة العيش في جماعة المسلمين؛ لأن في الاتحاد قوة، وفي الفرقة ضعفًا.
والقرآن الكريم حافل بالآيات الكريمة التي تحث الناس على التحرر من خوف الرؤساء والطواغيت، منها قوله -تعالى-: ﴿فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ (آل عمران: 175)، وقوله -تبارك وتعالى-: ﴿فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا ۚ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ (المائدة: 44)
وجاءت السنة النبوية لتعمق مسألة عدم الخوف من الناس الكفرة والطواغيت، فيحثنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- على قول الحق، ولا نخش لومة لائم، وحذرنا من النفاق والرياء، ونذكر من أحاديثه قوله -صلى الله عليه وسلم-: «من أحب أن يكون أقوى الناس فليتوكل على الله»، وحذرنا من النفاق، فيقول -عليه الصلاة والسلام: «لا يكن أحدكم إمعة يقول أنا مع الناس إن أحسن الناس أحسنت، وإن أساءوا أسأت، ولكن وطنوا أنفسكم إن أحسن الناس أن تحسنوا، وإن أساؤوا أن تتجنبوا إساءتهم» رواه الترمذي، وعن ابن عباس قال كنت رديف رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال «يا غلام، احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، تعرف إلى الله في الرخاء؛ يعرفك في الشدة، إذا سألت فأسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، فإن العباد لو اجتمعوا على أن ينفعوك بشيء، لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، جفت الأقلام وطويت الصحف». وفي هذا الحديث معانٍ عديدة، منها: أن الفرد يجب أن يعلم أن النافع والضار هو الله؛ فلن تموت نفس حتى تستكمل رزقها، وأن الرزق ليطلب العبد كما يطلب أجله.
فإذا آمن الإنسان بكل ما سبق سواء أكان راعيًا، أو من الرعية ما ظهر النفاق، ولا الرياء، ولا الذل، ولا الاستكانة، ولكانت القوة بالحق والعزة والكرامة، ولو اتحد الناس المؤمنون، واعتصموا بحبل الله ما قويت شوكة الرؤساء الظالمين والطواغيت الكافرين.
ولقد كان منهج الدعوة في عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قائمًا أولًا على تحرير الناس من ظلم وبطش الكفار، الذين كانوا يستعبدون الناس، لقد تمكن الإسلام في بضع سنين أن يحرر العبيد، ويطهر المجتمع من النفاق والرياء، ويجب على القارئ أن يرجع إلى السنة النبوية الشريفة، وإلى تاريخ الصحابة ليستنبط من تجاربهم كيف كانت حرية الكلمة، والنقد، والشورى، والأمان، والاطمئنان: ﴿إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَذِكْرَىٰ لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ (ق: 37).
سبل الأمن والطمأنينة على الذرية بعد الموت:
من طبيعة النفس البشرية الخوف على الأولاد من نقص الأموال خشية الموت المفاجئ، ولذلك نجد الأفراد يقومون بالتأمين على حياتهم لمصلحة الأولاد حتى يتمكنوا من وجود مال يساعدهم في حياتهم، ولكن هذا تأمين مادي بحت، بالإضافة إلى أنه غير مضمون ولا يكفي الذرية.
ويتمثل المنهج الإسلامي في طمأنة وتأمين خوف الأفراد من هذا النوع من المخاطر فيما يأتي:
1 - التربية الإسلامية الصحيحة الصالحة للأولاد.
2- الحث على الادخار ونظام الوصية والإرث.
3- سلوك الفرد نفسه السلوك الطيب والقول الحسن.
- نظام التكافل الاجتماعي الذي سبقت الإشارة إليه آنفًا.
ودليل ذلك من القرآن الكريم ما ورد في سورة الكهف في قصة سيدنا موسى والخضر، يقول القرآن الكريم: ﴿وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَّهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَن يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ ۚ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ۚ ذَٰلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِع عَّلَيْهِ صَبْرًا﴾ (الكهف: ۸۲) وقوله أيضًا ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾ (النساء: 9).
ودليل ذلك من السنة النبوية الشريفة حث الرسول -عليه السلام- على الجهد والاجتهاد والتوفير في الإنفاق لأجل الأولاد بعد الموت، وحديثه لسيدنا أبي بكر -رضي الله عنه- عندما تبرع بماله كله في سبيل الله، قال له: «ماذا تركت لأولادك»؟ قال «تركت الله ورسوله».
نستنبط من الآيات والأحاديث الشريفة أن تأمين الخوف على الذرية بعد الموت عن طريق العمل الصالح والسلوك الطيب في الحياة الدنيا، وتكافل المسلمين ورعاية حقوق اليتامى، والمحافظة على أموالهم، هذا بالإضافة إلى الاطمئنان أن هناك حاكمًا مسلمًا، وجماعة مسلمة ترعى وتحافظ على حقوق اليتامى.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل