; الأسباب الحقيقية لحملة الإبادة التركية ضد الأكراد | مجلة المجتمع

العنوان الأسباب الحقيقية لحملة الإبادة التركية ضد الأكراد

الكاتب محمد العباسي

تاريخ النشر الثلاثاء 04-أبريل-1995

مشاهدات 101

نشر في العدد 1144

نشر في الصفحة 22

الثلاثاء 04-أبريل-1995

موضوع الغلاف

  • تشيللر ضربت عرض الحائط بتوصيات رؤساء الأحزاب التركية حول معالجة المشكلة الكردية وتبنت الحل العسكري.
  • الغرب يتراجع عن التأييد غير المباشر للغزو بعد الحشود الإيرانية خشية غزوها شمال العراق.

إسطنبول: محمد العباسي

 العملية العسكرية التي يقوم بها الجيش التركي شمال العراق منذ يوم ٢٠ مارس الماضي، والحشود الإيرانية على الحدود مع العراق في نفس المنطقة التي تشهد العمليات العسكرية بالإضافة إلى تكثيف الوجود العسكري العراقي خلف خط عرض ٣6، وقيام العراقيين بقصف القرى الكردية في نفس الوقت، يشير إلى أن ثمة مؤمراة تنفذ ضد الشعب الكردي ليس في شمال العراق فحسب، ولكن في كافة المناطق التي يقطنها الأكراد في الدول الثلاث، الذين أكدوا بموقفهم هذا حقيقة المقولة التي تتردد دائمًا بأن «الأضداد يجتمعون ضد الأكراد»، وهو الأمر الذي سيزيد بالقطع من تنامي القومية الكردية التي لم تفلح طلقات الرصاص في إخمادها في نفوس هذا الشعب المسلم بل زادتها اشتعالًا والتهابًا.

 والموقف الغربي من القضية الكردية، والذي يبدو مؤيدًا للحقوق الإنسانية للأكراد لا يعدو أن يكون أكثر من محاولة لتجميل الوجوه الغربية التي خلقت المشكلة الكردية في مؤامرة لوزان، والذي تم فيها فسخ معاهدة سيفر التي كانت تنص على إعطاء الأكراد حق تقرير المصير مثلهم مثل العرب، علاوة على محاولة شغل الدول التي يعيش فيها الأكراد بمشاكل داخلية لممارسة الضغوط السياسية عليها. والضحية في جميع الأحوال هم الأكراد أولًا وشعوب تركيا والعراق وإيران ثانيًا.

خلفية الأحداث:

 ولفهم الصورة بشكل أوضح يجب قراءة الأحداث الأخيرة في ضوء الصراع المفتعل بين حزبي الديمقراطي الكردستاني بزعامة مسعود بارزاني والاتحاد الوطني الكردستاني بزعامة جلال الطالباني قبل نهاية العام الماضي، إذ تؤكد كافة المعلومات وجود أصابع للاستخبارات التركية والعراقية في إشعالها، وإن كان عنوانها اختلافات الجانبين على العوائد الجمركية لباب الخابور الذي فتحته تركيا العام الماضي، وبالطبع فإن لكل من أنقرة وبغداد أهدافها من وراء ذلك التعاون، إذ يريد أن إثبات عدم أهلية الأكراد لحكم أنفسهم للعالم وهو ما وضح جليًا من خلال انقسام شمال العراق إلى منطقتين منفصلتين بالفعل، إحداهما لطالباني والأخرى لبارزاني، والهدف الثاني الضغط على الطالباني لرفع حمايته عن حزب العمال الكردي الذي يشن حربًا انفصالية ضد تركيا، وإجباره على استئناف المفاوضات مع نظام بغداد لحل مشكلة شمال العراق في إطار الوحدة الترابية للأراضي العراقية، وهو ما ستستفيد منه بالقطع تركيا إذ إن إقامة دولة كردية في شمال العراق يهدد الوحدة الترابية لتركيا.

 أهداف الغزو:

 وعلى هذه الخلفية بدأت عملية الغزو التركي لشمال العراق لتحقيق هدفين: الأول لفت انتباه المجتمع الدولي إلى أهمية إعادة ملأ الفراغ في شمال العراق الذي بسببه تزايدت حدة العمليات الإرهابية في المنطقة على حد قول الأتراك في تلميح إلى حزب العمال الكردي، وبالتالي ضرورة رفع العقوبات عن العراق وإعادة تأهيله للحياة الدولية لضمان الاستقرار في المنطقة، والهدف الثاني تقليم أظافر الطالباني وإخضاعه لوصاية أنقرة مثله مثل البارزاني، وإن كان الهدف المعلن من العملية كما جاء في بيان رئاسة الأركان التركية هو القضاء على 5 آلاف من عناصر حزب العمال الكردي في شمال العراق، إلا أن حشد تركيا ل ٣٥ ألف جندي في منطقة الغزو علاوة على ۱۰۰ ألف آخرين بالقرب من منطقة العمليات يشير إلى أن الهدف ليس حزب العمال الكردي الذي غادر المنطقة قبل الهجوم بأسبوعين، ونتائج العمليات تؤكد ذلك، إذ إنه في الأسبوع الأول من القتال بلغ عدد القتلى في صفوف حزب العمال الكردي وفقًا للبيانات التركية ۱۷۰ قتيلًا فقط.

 سيناريو الأكراد:

 وهو الأمر الذي يجعل سيناريو الأكراد الذي يثار في أروقة المخابرات الأمريكية مطروحًا للتفكير، إذ إن واشنطن تدارست سيناريو إقامة فيدرالية كردية تضم أكراد العراق وسوريا وإيران تحت الهيمنة التركية بمعنى إعادة تخطيط حدود المنطقة من جديد، فقد ذكر المعلق التركي حسن جمال في جريدة «صباح» في شهر مارس عام ١٩٩٣ على لسان كيندال أنه لا يمانع في ذلك، وأضاف محتاطًا أنه يجب عدم استعمال القوة عند إعادة تخطيط الحدود من جديد، وكذلك يجب عدم إهمال التاريخ، فقد تم الاتفاق بين الأتراك والأكراد في عهد السلطان سليم على أساس المساواة، وبذلك الاتفاق أصبحت الدولة العثمانية هي القوة الحاكمة في المنطقة على مدى ثلاثة قرون، وأنه إذا تم اتفاق مشابه اليوم فإنه يؤدى نفس النتيجة.

 وأضاف حسن جمال في مقاله أن مجموعة «راند» للدراسات الإستراتيجية كانت قد أعدت تقريرًا بناءً على طلب القوات الجوية والبرية الأمريكية حول ذلك السيناريو الذي كان يتبناه الرئيس التركي الراحل تورغوت أوزال، والخطة وفقًا لفكر أوزال تبدأ بانفصال أكراد العراق على أن تأخذ تركيا موقفًا وديًا تجاه ذلك، وهو ما سيؤدى إلى أن تنظر تلك الدولة إلى تركيا كمركز جاذبية خاص وإن بها أكبر عدد من الأكراد يصل إلى ١٢ مليون في تركيا من ٢٠ مليون عدد أكراد العالم، وبالتالي يمكن أن تكون تلك الدولة تحت الإشراف التركي، وبهذا الشكل يكون لتركيا سيطرة مهمة على المناطق الكردية في العراق وإيران بل إن جلال الطالباني نفسه غير وجهة نظره، إذ كان يؤمن أن ذلك لا يتحقق مع الأتراك ولكنه يتحقق مع العرب، فأصبح يؤمن بتحقيقه مع الأتراك بعد عهد تورغوت أوزال.

وبالتالي فإن الغزو التركي لشمال العراق يستهدف إما تحقيق سيناريو أوزال أو هو الأمر الذي سيعطى تركيا هيبة إقليمية أو المشاركة في ضمان الوحدة الترابية للعراق، وهو ما سينعكس بالطبع بالإيجاب على الأمن القومي التركي ويؤكد هيبة أنقرة ثانيًا، وهي أهداف إستراتيجية لا يمكن التقليل من شأنها عند قراءة الأحداث الحالية، وفي كلتا الحالتين سيكون الأكراد ضحية أما تحت التسلط العراقي أو الهيمنة التركية.

 وبالطبع لا يمكن أن تقوم تركيا بعملية الغزو التي وصفتها تانسو تشيللر رئيسة الوزراء التركية في تصريحات صحفية نشرتها صحيفة «صباح» يوم 26\3\1995 بأنها أكبر وأهم عملية تقوم بها القوات المسلحة التركية منذ إعلان الجمهورية، دون إبلاغ واشنطن والعواصم الغربية بها، والتي أعطت أنقرة الضوء الأخضر عندما قال كلينتون لتشيللر إنه لا يمانع ذلك بشرط عدم حدوث أضرار بالمدنيين، إلا أن الموقف الغربي من العملية تغير بعد عدة أيام وأصبح قلقًا من التطورات الجارية، وهو الأمر الذي انتقده الرئيس دميريل، مما يعني أن الغرب ربما يكون أراد توريط تركيا في تلك العملية لمواصلة ممارسة الضغوط عليها خاصة وأنه لا يريد تركيا قوية ومهابة الجانب في المنطقة.

 وربما يرجع تغير الموقف الغربي بسبب قيام إيران بحشد قواتها على الحدود مع العراق في المنطقة الكردية بشمال العراق التي لم تعارض العملية العسكرية في بدايتها، إذ إن السفير الإيراني في أنقرة صرح عقب قيام تركيا بعملية الغزو بعد لقائه مع المسئولين الأتراك الذين أبلغوه بالعملية وأهدافها تمنياته بنجاحها، كما أبلغ دميريل نظيره الإيراني بها هاتفيًا، وبالطبع فإن القوات الإيرانية ستغزو هي الأخرى شمال العراق في حالة تأكدها من نية أنقرة بالبقاء، ولن تستطيع العواصم الغربية معارضة ذلك آنذاك، وهو ما فطنت إليه مؤخرًا لذلك بدأت تظهر نبرات المعارضة للعملية التي سيكون ضحيتها الشعب الكردي الذي تلقى الويلات على أيدي صدام حسين والأنظمة الأخرى في المنطقة.

 الحلول المرفوضة: 

وبالطبع فإن حل المشكلة الكردية الخاصة بتركيا في شمال العراق ليست منطقية خاصة وأن هذه ليست المرة الأولى لدخول الجيش التركي الأراضي العراقية لمتابعة عناصر حزب العمال الكردي، بل إن الحل كان في تنفيذ توصيات قمة الإرهاب التي عقدت في يوليو ۱۹۹۳م، إذ قامت تانسو تشيللر باتصالات مكثفة مع السياسيين الأتراك لمناقشة أفضل السبل المواجهة ما أسمته الإرهاب الذي أصبح يهدد استقرار تركيا في إشارة إلى عمليات حزب العمال الكردي ضد الأهداف التركية، واتفق معظم قادة الأحزاب على الحل المدني للمشكلة وسحب ملفها من الجيش الذي عليه حماية الحدود الخارجية للبلاد فقط، واقترحوا تشكيل قوة خاصة لمواجهة الإرهاب، وإنشاء مجلس أعلى لمقاومة الإرهاب، وهو ما رآه حسام الدين جندروق -رئيس مجلس الشعب- غير قانوني مقترحًا تفعيل لجنة حقوق الإنسان بشكل أكثر، فمسعود يلماظ -رئيس حزب الوطن الأم- الذي يؤيد العملية العسكرية الحالية كان قد أكد لتشيللر في قمة الإرهاب دعمه لكل الخطوات الضرورية لمواجهة الإرهاب، واقترح السماح بتدريس اللغة الكردية كلغة اختيارية، والسماح ببث متلفز لمدة معينة يوميًا باللغة الكردية لتأكيد الحقوق الثقافية للأكراد.

 أما نجم الدين أربكان -رئيس حزب الرفاه- الذي انتقد قوة المطرقة «الانتشار السريع» واتهمها بأنها أبلغت حزب العمال الكردي بقيام تركيا بعملية عسكرية ضده «عملية الغزو الأخيرة»؛ مما أدى إلى انسحاب كافة عناصر الحزب من المنطقة، كان قد قدم لتشيللر خطة علاج متكاملة لعلاج المشكلة الكردية تعتمد منهج الأخوة الإسلامية وإقامة النظام العادل، ونبذ النظام التسلطي الحالي، بالإضافة إلى إخراج قوة المطرقة، ورفع الحظر عن العراق، وتشكيل قوة خاصة لمكافحة الإرهاب، وإلغاء حالة الطوارئ في المنطقة وتنميتها اقتصاديًا.

 أما ديفز بيغال -رئيس حزب الشعب الجمهوري السابق- فاقترح سحب القوات المسلحة من جنوب شرق تركيا وتشكيل قوة أمن خاصة لمواجهة الإرهاب، وأبدى موافقته على استخدام اللغة الكردية في التعامل اليومي على أن تكون اللغة التركية هي اللغة الرسمية للبلاد، وهو ما أيده أيضًا محسن يازي أوغلي -رئيس حزب الوحدة الكبير- الذي طالب بسحب الملف من أيدي الجيش. 

ودعم كل من بولنت أجاويد -زعيم حزب اليسار الديمقراطي- وألب أرسلان الحل الأمني للمشكلة، كما طالبا بعد الغزو التركي لشمال العراق بإقامة منطقة عازلة لضمان أمن تركيا.

 الحل العسكري:

 إلا أن تشيللر ضربت بذلك عرض الحائط، وقررت الحل العسكري للمشكلة الكردية، وهو ما دفع ماهر قينان -رئيس الاستخبارات التركية السابق- إلى القول في حوار صحفي مع صحيفة «زمان» التركية يوم ٢٦ مارس الماضي إن عملية التدخل في شمال العراق التي بدأت يوم ۲۰ مارس الماضي جاءت كمحاولة من تشيللر لإعادة المصداقية إلى نفسها التي فقدتها بسبب أحداث العلويين الأخيرة في إسطنبول، وسقوط ۱۸ عسكريًا تركيًا قتلى على أيدي حزب العمال الكردي في توغلي خلال شهر مارس، مما كان يلزم معه القيام بعملية خارجية ضد الإرهاب.

 ولا يمكن بالقطع نفى دور العنصر الداخلي في القيام بالعملية، إذ إن تشيللر تواجه مشكلات داخلية كثيرة لا تستطيع حلها، مما يقضي بضرورة البحث عن قضية خارجية لشغل الرأي العام بها، ولن يكون هناك أفضل من غزو شمال العراق الذي لا توجد فيه أية سلطة. 

لأنه إذا كانت تركيا عاقدة العزم بالفعل على تصفية حزب العمال الكردي، لكانت الاستخبارات التركية قد أبلغت رئاسة الأركان عن موعد اجتماع حزب العمال الكردي في معسكر «بوته» الذي انعقد في المدة من 8-27 يناير الماضي وحضره عبد الله أوجلان و ٣١٧ من القيادات العليا خاصة وأن الاستخبارات كان لديها علمًا بالاجتماع قبل ثلاثة أيام من انعقاده. وذلك وفقًا لما نشرته صحيفة «أقشام» التركية يوم 25\3\1995م. مما أثار الجنرال باموك أوغلي -قائد اللواء التركي في هكاري-، وقال لسوغاز كوكسال -رئيس الاستخبارات- غاضبًا: لو علمت بالأمر لكنت قد أرسلت ۳ طائرات كوبرا للقضاء عليهم، وبالتالي لم يكن هناك داع وقتها للعملية الأخيرة.

 وهو ما نفاه سوغاز في اليوم الثاني، إلا أن وكالة الأنباء الكردية أكدت عقد الاجتماع في ذات الوقت بالفعل، مما يعني أن هناك خلافًا في الرأي بين الاستخبارات والجيش في معالجة المشكلة الكردية، خاصة وأن تشيللر كانت قد اتهمت كوكسال أيضًا عام ١٩٩٣ م. بأنه لم يبلغها عن مواقع ومعسكرات حزب العمال الكردي في كل من: إيران وسوريا وشمال العراق، وأبرزت الصحف التركية ذلك الأمر وقتها.

 وعمومًا فإن أهم ما نتج عن العملية العسكرية في شمال العراق، ظهور اقتراحات جديدة مثل إقامة ميكانيزم أمني بغطاء دولي في شمال العراق، مما يعني تكريس الوجود الأجنبي في المنطقة أولًا، وإبقاء الوضع على ما هو عليه ليمكن إشعاله في الوقت الذي يريده الغرب ثانيًا، وليبقى الأكراد بذلك ضحايا للسياسات الخاطئة في الدول التي يعيشون فيها، وأداة إشعال للحروب في المنطقة يكونون هم أول ضحاياها.

الرابط المختصر :