; الأستاذ الداعية فتحي يكن للمجتمع: النقد الذاتي هو الطريق إلى البناء | مجلة المجتمع

العنوان الأستاذ الداعية فتحي يكن للمجتمع: النقد الذاتي هو الطريق إلى البناء

الكاتب بلال حجازى

تاريخ النشر الثلاثاء 31-يوليو-1990

مشاهدات 59

نشر في العدد 976

نشر في الصفحة 12

الثلاثاء 31-يوليو-1990


  • ·       سياستنا على مدى عمر تاريخ الجماعة سياسة حب وتعاون مع الجميع.

    ·       نحن باستمرار مع مبدأ حل القضايا حلًّا سلميًّا يوفر للوطن المزيد من إراقة الدماء.

    ·       الأصل في الشريعة الوحدة وليس التعدد إلا أننا حيال الواقع الحركي القائم على الساحة الإسلامية نتعامل بما يفرضه الإسلام علينا.

    الأستاذ فتحي يكن أحد أبرز الدعاة العاملين في الساحة الإسلامية واللبنانية، اشتهرت إصداراته بالطابع الدعوي المميز مثل: «مشكلات الدعوة والداعية» و«ماذا يعني انتمائي للإسلام؟»، ويعتبر أحد أعلام الفقه الحركي المعاصر، إذ إن مؤلفاته الرائدة في هذا الجانب تكاد تغطي المساحة الأكبر.

    والأستاذ فتحي فوق هذا لم يكتفِ بالعمل في الجهاد بمداد العلماء وإنما تقلب في ابتلاءات الحياة والعمل العام، وناله في ذلك عنت بعض الأنظمة المتجبرة، ولكن عناية الله كانت ترعاه.

    وقد أجرى مراسل المجتمع في لبنان معه هذا اللقاء:

    المجتمع: ما الأسباب الحقيقية للأزمة اللبنانية في رأيكم؟

    الأستاذ يكن: إن وراء الأزمة اللبنانية أسبابًا متعددة، منها ما يعود في الأصل إلى تركيب البنية اللبنانية، ومنها ما يعود إلى الأزمات السياسية والمشكلات التي تعيشها المنطقة العربية وبخاصة ما تمر به القضية الفلسطينية. يضاف إلى ذلك المداخلات الدولية والمنازعات على مناطق النفوذ، والأسباب الأكثر فاعلية وتأثيرًا في الأزمة اللبنانية ما يتعلق بتركيب المجتمع اللبناني وبالتعددية الفئوية والطائفية التي يتكون منها. فالكيان الذي لا تزيد مساحته على 10,000 كيلو متر مربع لا يمكن أن يتحمل تناقضات وصراعات سبع عشرة طائفة. من هنا كان الحل المبدئي والجذري في نظرنا يتمثل في إذابة هذا الكيان ضمن كيان أوسع منه، حيث يمكن أن تتلاشى هذه التناقضات وتنتهي بالكلية، وكل الحلول الأخرى تبقى حلولًا ترقيعية، فمن المنتظر أن تسقط وتفشل ويتفجر الوضع من جديد.

    المجتمع: هناك حلول واحتمالات حلول وضعت لحل عقدة الشرقية، ما الحل الأكثر ترجيحًا في رأيكم؟

    الأستاذ يكن: نحن باستمرار مع مبدأ حل القضايا حلًّا سلميًّا يوفر على الوطن والمواطن المزيد من إراقة الدماء، وخسارة الممتلكات وتأجيج الأحقاد والعداوات، كما أننا كذلك مع وحدة لبنان وضد تقسيمه. من هنا أملنا أن يتحقق حل الإشكال التقسيمي القائم في الشرقية حلًّا سلميًّا توافقيًّا، وفي حال فشل هذا المنحى أو إخفاقه لا بد من استعمال آخر الدواء، وآخر الدواء الكي، والحسم العسكري مع ما يمكن أن يؤدي ويوقع من خسائر إلا أنه أقل خسارة من تكريس التقسيم لأن ذلك يعني قيام دويلة عنصرية تكون حليفًا طبيعيًّا لدولة إسرائيل.

    المجتمع: في تعليقكم على وثيقة الطائف قلتم إنه ليس منطقيًّا أن يقارن خيار الطائف بخيار المشروع الإسلامي الذي لم تتهيأ له بعد الظروف والإمكانات اللازمة ليصبح قيد التنفيذ.. ما هي هذه الظروف وما هي هذه الإمكانات التي تجعله قيد التنفيذ؟

    الأستاذ يكن: مشروع التغيير الإسلامي يتمثل في تهيئة كل إمكانات التغيير وفي توفر المناخات والظروف في البلد المراد إحداث التغيير الإسلامي فيه، وبالتالي توفر الظروف الإقليمية المحيطة التي تساعد على تنفيذ هذا المشروع.

    فلبنان بواقعه ليس مهيأ على الأقل في هذه المرحلة كأرضية لمشروع تغيير إسلامي وترشيحه، بالتالي فهذه المهمة تقتضي أولًا تغيير واقعه التعددي، وفي أسوأ الظروف أسلمة معظم طوائفه وفئاته وقبولهم وتقبلهم لقيام حكم إسلامي.

    إن مشروع التغيير الإسلامي يحتاج أولًا إلى جيل تتوفر فيه صفات التغيير كالصفات التي تمثلت في الجيل الإسلامي الأول، وإلى شعب يؤمن في معظمه بهذا التغيير كما يؤمن بالإسلام عقيدة وشريعة، كما أنه يحتاج إلى كفاية اقتصادية وإلى ثروة قومية تجعله مكتفيًا بشكل ذاتي عن الارتهانات الخارجية ومداخلات القوى والمعسكرات الدولية، كما أنه بحاجة كذلك إلى قوة عسكرية قادرة على المحافظة على الكيان الإسلامي بعد مكتسبات التغيير الإسلامي وعلى الدولة والكيان الذي يمثله، وما لم تتوافر معظم هذه الشروط فإن التغيير الإسلامي يبقى مشروعًا قيد التحضير.

    المجتمع: كيف يمكننا أن نقيم العلاقة بين الجماعة الإسلامية والحركات الإسلامية في لبنان؟

    الأستاذ يكن: نحن مع دعوتنا وحرصنا على وحدة العمل الإسلامي وعلى رفضنا لقبول مبدأ التعددية، واعتبارنا أن الأصل في الشريعة الوحدة وليس التعدد، إلا أننا حيال الواقع الحركي القائم على الساحة الإسلامية نتعامل بما يفرضه علينا الإسلام من مبادئ يمكن أن تتمثل جميعها في قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ (المائدة:2).

    من هنا كانت سياستنا على مدى عمر وتاريخ الجماعة سياسة الحب للجميع والتعاون مع الجميع مما ساعد على بروز صيغ في العمل الجماعي المشترك بيننا وبين الحركات الإسلامية الأخرى أذكر منها على سبيل المثال مجمع طرابلس الإسلامي - التجمع الإسلامي في الشمال - اللقاء الإسلامي في الشمال وغيرها من صيغ التعاون المشترك على الساحة الإسلامية، ونحن اليوم بالذات بصدد دراسة إمكانية نشوء مجلس إسلامي يضم معظم المؤسسات والجمعيات والفعاليات الإسلامية إن لم نقل كلها على امتداد الساحة اللبنانية؛ مما يجعله مرجعية لها قوة وصلاحية التوجيه والقرار في حياة المسلمين على كل صعيد.

    المجتمع: بعد عملية شهداء غزة لم نلحظ أية عملية للجماعة الإسلامية ضمن إطار المقاومة الإسلامية في الجنوب اللبناني. هذه المقاومة التي تعد الجماعة الإسلامية من مؤسسيها، ما الأسباب المؤدية لهذا الأمر؟

    الأستاذ يكن: العمل المقاوم في نظرنا هو العمل الذي يجب أن تبقى خلفيته والقوى التي تحركه وتتعامل معه أبعد ما تكون عن الأضواء وعن الإعلام إن كان يحرص فيه على الاستمرارية. من هنا فإن ظروف المقاومة الإسلامية ليست برسم الإعلان، وحركتها مرتبطة بالخطة الموضوعة لها استراتيجيًّا ومرحليًّا، فقد يكون من خطة المقاومة في هذه المرحلة تقليل دورها وآرائها وتطوير وسائلها وأساليبها مما يفرض في بعض الأحيان استراحة كاستراحة المقاتل، كما يفرض تقويمًا للتجربة واستكشافًا للآفاق قبل المضي في مرحلة جديدة. في هذا الإطار يجب أن يكون تفسير وقراءة كل الأسئلة والأطروحات التي تتعلق بالمقاومة الإسلامية في الجنوب.

    المجتمع: بعد دخول الانتفاضة الإسلامية في فلسطين عامها الثالث ما هو تقييمكم للوضع في فلسطين المحتلة في ظل الحلول الاستسلامية التي تطرحها العديد من الدول الإقليمية والعالمية؟

    الأستاذ يكن: في اعتقادنا أن الانتفاضة عندما انطلقت قد أسقطت على غير رجعة كل المشاريع التوافقية، والانهزامية والخيانية التي تبرز بين الحين والآخر من التنظيمات أو النظم على الصعيدين الإقليمي والعالمي. والانتفاضة تمثل في وجهة نظرنا الحل الإسلامي بالنسبة للقضية الفلسطينية. هذا الحل الذي يعتبر فلسطين - كل فلسطين - أرضًا مغتصبة سواء التي احتلتها إسرائيل في عام 1948 أو التي احتلت بعد عام 1967، كما يعتبر أن الجهاد هو الطريق الوحيد لتحرير فلسطين من رجس الصهيونية ودنس إسرائيل، وبالتالي تكون كل المشاريع الأخرى كإقامة دولة فلسطينية على جزء من الأرض المغتصبة أو مشروع بيكر والمشروع الذي يقضي باعتبار الأردن هو الكيان الذي يمكن أن يستوعب الفلسطينيين أو غير ذلك، مشاريع مرفوضة قد تجاوزها الزمن بعد أن أصبحت القضية الفلسطينية في يد الانتفاضة الأمينة عليها من كل مساومة وابتزاز ومتاجرة.

    المجتمع: النقد الذاتي ظاهرة صحية داخل أية حركة أو تنظيم.. هل قامت الجماعة الإسلامية بالنقد الذاتي؟ وبماذا خرجت منه؟

    الأستاذ يكن: النقد الذاتي في نظرنا هو الطريق إلى البناء نحو تصحيح الخطأ وتقويم الاعوجاج وعدم تكرار الأخطاء، وبالتالي للوصول دائمًا إلى الأفضل والأحسن، والحركة التي لا تمارس بنفسها نقد ذاتها يكون محكومًا عليها بالإعدام من خلال ممارسة النقد غير الذاتي من قبل أصدقائها أو أعدائها، وأكثر الحركات التي انهارت كان انهيارها بسبب إمعانها في الخطأ واسترسالها فيه وعدم انصياعها لنصح غيرها وعدم نقدها لذاتها، من هنا نحن كجماعة إسلامية نعتبر النقد الذاتي واجبًا شرعيًّا علينا وعلى الآخرين، نعتبره واجبًا شرعيًّا يدفعنا لنقد ذاتنا وتقويم مسارنا ومواقفنا، وهذا ما حفظ دعوتنا - حمدًا لله - على مدى تاريخنا الطويل، وكما نعتبره واجبًا على الآخرين كذلك من غير حرج منا انسجامًا مع ما كان عليه سلفنا الصالح الذين اشتهرت بينهم عبارة: «رحم الله امرأً أهدى إلينا عيوبنا»، وانسجامًا مع بيان الخليفة الراشدي الأول الذي جاء فيه: «أطيعوني ما أطعت الله فيكم، فإن عصيت فلا طاعة لي عليكم»، «ومن رأى فيَّ اعوجاجًا فليقوِّمه بحد سيفه». إن عملية النقد الذاتي بالنسبة لنا كجماعة هي بمثابة الخبز بالنسبة للإنسان، فهي كالواجب اليومي ولله الفضل والمنة.

    المجتمع: ما الإنجازات التي حققتها الجماعة الإسلامية ضمن إطار مشروع التغيير الإسلامي الذي تسعى إلى تحقيقه؟

    الأستاذ يكن: يصعب جدًّا إعطاء فكرة كاملة وتفصيلية عن الإنجازات التي حققتها الجماعة خلال الفترة المنصرمة من تاريخها وبخاصة إذا قيس ذلك بما هو مطلوب منها القيام به، إلا أننا في هذه العجالة يمكن تلخيص هذا الإنجاز بالنقاط التالية:

    • كانت الجماعة الأسبق إلى التمهيد لوجود ساحة للعمل الإسلامي في لبنان يوم لم يكن في لبنان إلا ندرة من العاملين في الجمعيات الخيرية وفي وقت كانت الحركات القومية والشعوبية والمعادية للإسلام هي سيدة الساحة.
    • بلورت الجماعة فكرة الدمج بين الدين والدولة حيث كانت فكرة فصل الدين عن الدولة والسياسة عن الإسلام والعلم عن الإيمان هي السائدة، وحيث كانت تُنظَر إلى الإسلام على أنه رجعية وتخلف، مما ساعد على نشوء وقيام الحالة الإسلامية القائمة اليوم وفي العالم.
    • أسهمت الجماعة في بعث الكثير من المؤسسات التعليمية والاجتماعية والعلمية والإعلامية وغيرها مما كان يفتقر إليه المسلمون في لبنان.
    • تمكنت الجماعة من دفع المرأة المسلمة للقيام بدورها في المجتمع بعد أن كانت حبيسة مطبخها ومخدعها مما أفرز في المجتمع اللبناني تيارًا إسلاميًا نسويًا يشاهد بشكل كثيف وملحوظ في المدارس والجامعات وفي المؤسسات والدوائر وعلى كل صعيد.

    المجتمع: العديد من الحركات والأحزاب في الساحة يقدم لها دعم مادي من الدول الإقليمية أو العالمية، فهل يقدم للجماعة مثل هذا الدعم؟

    الأستاذ يكن: لدى الجماعة مبدأ التزمته منذ نشأتها، هذا المبدأ يقوم على رفض تلقي المعونات المالية من أية جهة رسمية إقليمية كانت أو عالمية، لما يحمل ذلك معه من أخطار ومحاذير ولما يسببه من ارتهان لهذا الفريق أو ذلك، وهذا من شأنه أن يجعل القرار والمسار قرارًا ومسارًا غير ذاتي. في ضوء ذلك نحن نعتمد خطة مالية تقوم أساسًا على اشتراكات الأعضاء وتبرعات المحسنين، كما نعتمد على مداخيل المشاريع الاستثمارية التي تقوم بها الجماعة على أكثر من صعيد.

    المجتمع: ما تعليقكم على الأحداث الجارية بين أمل وحزب الله في الجنوب اللبناني؟

    الأستاذ يكن: إن العين لتدمع وإن القلب ليجزع على كل قطرة دم تُسفَح في غير موضعها وبخاصة ضمن الساحة الإسلامية، ونحن لا نرى مبررًا أيًّا ما كان المبرر لمثل هذه الأحداث المتكررة التي لا يستفيد منها إلا أعداء الإسلام الذين يتربصون الدوائر بنا جميعًا، وأملنا أن يعي كل الفرقاء هذه الحقيقة فيعملوا بإخلاص وجدية على إيجاد حل جذري ونهائي لهذه الظاهرة المرضية المزمنة.

    المجتمع: ما هو تعليقكم على ما يحدث في فرنسا من منع الطالبات المحجبات من الدخول إلى صفوفهن في المدارس العلمانية؟

    الأستاذ يكن: قضية الحجاب في فرنسا أنموذج من نماذج الصراع الدائر بين معسكر الإيمان ومعسكر الشيطان ولا أراه مستغربًا؛ فقضية الحجاب كانت ولا تزال قضية صراع بين الإسلام وبين أعدائه والرافضين لشريعته ومبادئه في بعض البلدان العربية والإسلامية قبل أن تكون في بعض البلاد الأوروبية والأمريكية. فالقضية ليست قضية جغرافية وإنما هي قضية مبادئ، فإن كانت الحرب قائمة على الإسلام فيما يسمى بدار الإسلام فبديهي أن تكون هذه الحرب ثائرة عليه فيما يسمى بدار الحرب، وإذا كانت بعض العواصم العربية والإسلامية قد شهدت حربًا على الحجاب الإسلامي وعلى المرأة المسلمة فليس مستغربًا أن تشهد مثلها العاصمة الفرنسية. ونود هنا أن نقول إن كل المواقف السلبية من الحجاب الشرعي ومن الحالة الإسلامية النسوية السائدة ما كانت لتزيد هذه الحالة إلا إصرارًا وما زادت حجمها إلا اتساعًا وكأنه القدر الموعود من خلال قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ﴾ (الرعد: 17).

    المجتمع: هل من كلمة أخيرة؟

    الأستاذ يكن: كلمتي الأخيرة بل أمنيتي الكبيرة أن تشهد الساحة الإسلامية في لبنان أولًا وفي العالم بعد ذلك ترجمة حية لأمة الإسلام وأخوة الإسلام تتمثل في وحدة تجمع العاملين للإسلام على قاعدة قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾ (الأنبياء:92) وقوله صلى الله عليه وسلم: «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر».

     

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل