العنوان الأستاذ الدكتور أحمد العسال.. بيان لا بد منه تاريخ ومواقف معلمة
الكاتب أبو اليزيد العجمي
تاريخ النشر السبت 24-يوليو-2010
مشاهدات 74
نشر في العدد 1912
نشر في الصفحة 38
السبت 24-يوليو-2010
السطور التي بين يديك أيها القارئ لم تكتب في رثاء الشيخ أحمد العسال، وإنما كنت قد كتبتها لأسهم بها في تكريمه، كانت مجلة «الرسالة» ستقوم به على غرار ما فعلت مع أ. د. حسن الشافعي تكريمًا لهم في حياتهم، ولكن شاءت إرادة الله أن أقدمها اليوم وقد رحل الشيخ العسال عن عالمنا إلى حيث ندعو له بالفردوس الأعلى.
بين يدي الحديث عن الشيخ العسال: لا أدعي أني أقدم دراسة فكرية عن عطاءات الشيخ العسال في مجال العلم والمعرفة، وإسهاماته في حركة النهضة الحديثة، ولم أفعل هذا لسببين:
أولًا: ضيق الوقت حيث طلب مني أن أقدم ورقة في يوم تكريم الشيخ، ولأني خارج مصر جاء الطلب في وقت متأخر، فلم أتمكن من العكوف على دراسة ترصد فكر الشيخ وتحلله لتصل منه إلى نتائج علمية يستفاد منها.
ثانيًا: يغلب على ظني أن كثيرين ممن قرؤوا للشيخ العسال واستمعوا إليه ولم يتح لهم ما أتيح لي من معايشته لسنوات، هؤلاء سيؤثرون أن تكون ورقاتهم إلى الدراسة أقرب منها إلى الحديث عن المعايشة، وفي ضوء هذا سيجيء حديثي رصدًا لصحبة المعايشة دون أن نغيب عنه التحليل والاستنباط الذي أبرز قيمة صحبة العلماء الربانيين بعامة، وما أتيح لي من هذا الإكرام من الله معايشتي لهذا العالم الرباني بصفة خاصة؛ تعلمت منها الكثير والكثير من القيم والطموحات التي كنت أراها متمثلة في سلوك الشيخ العسال، دون أن يعقد لذلك جلسة أو جلسات تعليمية لي أو لغيري ممن تعلموا منه، وهم كثر، فأنا راو ومستنبط في آن معًا، وأرجو أن أكون كذلك.
من التشوق إلى التعرف: في مرحلة دراستي الثانوية بالأزهر كنت شغوفًا بالتعرف إلى العلماء من خلال كتبهم أو محاضراتهم، ومن بين الذين تاقت نفسي للتعرف إليهم كان الشيخ أحمد العسال، ذلك أني كنت أسمع عنه من خلال أساتذتي في الأزهر الذين منحوني فضل رعايتي وتقريبي منهم، وعلى رأسهم فضيلة د. إبراهيم الدسوقي خميس أستاذ التفسير قبل أن يذهب إلى جامعة الأزهر ليعمل بها أستاذًا، كانوا يحدثوننا عن زملائهم الأفذاذ، ومنهم الشيخ أحمد العسال، والشيخ يوسف القرضاوي، وكم سمعت من أساتذتي عن صلة هذين الشيخين بفضيلة الشيخ محمود شلتوت صلة ثقة؛ سمحت بأن يأتمنهما الشيخ شلتوت على مراجعة ما يكتب وهو من هو.
ولم تكن هذه هي الطريق الوحيدة لسماعي عن الشيخ العسال، بل من خلال قريتنا - وهي قريبة جدًا من قرية الشيخ العسال، حيث لا تبعد قريته عن قريتنا أكثر من خمسة عشر كيلو مترًا - كما سمعت عن الشيخ العسال رمزًا من رموز الدعوة، مما أضاف إلى الشوق شوقًا كيف لي أن ألقى هذا الشيخ أو أجلس إليه، لكن لم يتح لي هذا اللقاء، حتى ذهبت إلى الجامعة عام ١٩٦٣م، وبدأت أبحث عن طريق للقاء العلماء الذين قرأت لهم وعنهم، وقد أتيح لي أن أرى وأستمع إلى فضيلة الشيخ محمد الغزالي، والشيخ أحمد الشرباصي، والشيخ الباقوري، عبر ندوات في جمعية الشبان المسلمين وغيرها كرابطة الأدب الحديث.
لكن لم أجد طريقًا التقي من خلالها بالشيخ العسال إما لسفره أو لأسباب أخرى، وكنت معجبًا بما سمعته عنه طالبًا نشطًا في حقل الدعوة، وأزهريًا عنده طموحات ومهارات ليست عند كثيرين من أقرانه، وانتهت دراستي بالجامعة دون أن أظفر ببغيتي، لكن بقي عندي الشوق وحاولت أن التقي الشيخ عن طريق قريته «الفرستق» بمحافظة الغربية، لكني لم أفلح كذلك وظل الأمر كذلك حتى هيأ الله لي السفر إلى الرياض عام ١٩٨١م.
وكنت قد علمت أن الشيخ قد ذهب إلى لندن وحصل على الدكتوراه، وعاد ليعمل في الرياض بجامعة الملك سعود، فكان أول هدف أريد تحقيقه هو أن أتعرف إلى الشيخ العسال، ولم أجد صعوبة في هذا الأمر، بل تم الأمر بيسر والتقيت الشيخ كأني أعرفه ويعرفني منذ زمن طويل.
الشيخ العسال في مدينة الرياض
في الرياض، التقيت العسال ويا له من لقاء مسعد! أضفى الشيخ عليه بخلقه ومودته كل حب، وكنت جديدًا في الرياض في جامعة الإمام محمد بن سعود، فأذهب غربتي بعرضه أن يتولى أمري فيما أحتاج إليه، بل أكثر من هذا من خلال حديثي عن الصلة الجغرافية بين قريتينا، وحديثي عن أصهاري - وهم من بلدة أقرب إلى قرية الشيخ - أوجد صلة قرابة بين آل زوجتي وأسرته، وكل ذلك عقد بيني وبينه صلة مودة، قواها الشيخ بأنه كان يمر علي كل يوم جمعة تقريبًا لأصحبه إلى حيث يخطب الشيخ محمد الراوي، لا لمجرد الصلاة، بل للإفادة من علم الشيخ الراوي أكرمه الله.
ولقد بقيت في الرياض خمس سنوات، أكدت لي قامة الشيخ العسال السامقة طولًا وجمالًا، وقيمته علمًا، ومكانته تجلت في:
١ـ مكانته في جامعة الإمام، حيث كان موضع إكبار وتقدير عالمًا وصاحب دعوة.
٢ـ مكانته عند كبار علماء السعودية، فهم ينظرون إليه من زوايتي علمه من خلال ما كتب وألف، وكونه رمزًا من رموز الدعوة الإسلامية على مستوى العالم، وحسبي أن أذكر أن فضيلة الشيخ عبد العزيز بن باز كان يستشيره في الأمور التي للشيخ العسال فيها علم وخبرة، كما حدث حين سئل الشيخ ابن باز عن المصارف الإسلامية - وكانت أمرًا جديدًا اشتد حوله الجدل - فلم يفت في الأمر حتى استوضح حقيقته من فضيلة الشيخ العسال.
٣ـ لم يكن الشيخ العسال مستغرقًا في وظيفته وصلته بالعلماء والكبراء، بل كان يتسع صدره ووقته لخدمة من يقصده من بسطاء الناس دون تفرقة، لأنه كان بهذا يمارس دور الداعية صاحب الرسالة، وهو كذلك في كل أحوال لا تراه إلا داعية يصدع بالحق والبيان في أي موقف كان.
وانتهت إعارتي إلى المملكة، وعدت إلى القاهرة، وقد حرصت على أن تستمر الصلة بالشيخ، لكني أشهد أن الشيخ العسال كان يبدي حرصه على هذه الصلة، ما جعلني أحمد الله حمدًا كثيرًا على أن تعرفت إلى هذا الشيخ الجليل، كما أحمده على ما تعلمته منه علمًا وخلقًا وبصيرة في أمور الدعوة، وشؤون الحياة.
في الجامعة الإسلامية
إذا أراد الله أمرًا هيأ له من الأسباب ما يحققه، حدث هذا حين هيأ الله لي طريقًا للعمل في باكستان في الجامعة الإسلامية العالمية بإسلام آباد.
فقد كنت عام ١٩٩٠م أعمل في اليمن، وقررت الاستقالة، وعلم بذلك أستاذي د. حسن الشافعي - وقد كان عائدًا من عمله نائبًا لرئيس الجامعة المذكورة - فرشحني للعمل بالجامعة الإسلامية معارًا من مصر، وحين عدت من اليمن وجدت قرار الإعارة قد صدر، وكان من الإغراءات التي رغبتني في العمل في الجامعة أن د. أحمد العسال يعمل بها نائبًا لرئيس الجامعة.
استثمر مكانته في دول الخليج وصلته بكثير من أهل الخير فيها فحصل على مساعدات مالية سنوية للجامعة الإسلامية العالمية في باكستان التي يدرس بها طلاب من ٦٠ دولة
ذهبت إلى إسلام آباد، فتسلمت عملي أستاذًا في أصول الدين، وأسندت إلي بعض الأعمال الأخرى، قربتني من الشيخ العسال أكثر وأكثر لصالح العمل، فقد كنت المستشار الطلابي لرئيس الجامعة، وكنت رئيسًا للجنة التأديبية، وكنت نائبًا لرئيس تحرير حولية الجامعة.
كل هذه الأعمال كانت تحت إشراف الشيخ العسال بشكل مباشر أو غير مباشر، وهذا يؤهلني أن أكون شاهد عيان على عطاءات د. العسال للجامعة، وعلى حقيقة شخصيته في تعدد جوانبها.
كانت الجامعة همًا من هموم الشيخ العسال يسهر من أجلها؛ لأنها - في نظره وحقيقتها - تؤدي خدمة علمية لأكثر من ستين دولة إسلامية، فكانت جهوده تتمثل فيما يلي:
١ـ إدارة الجامعة وسير العملية التعليمية بها:
كان الشيخ العسال يدير الجامعة بشكل دائم، باعتباره نائبًا لرئيسها، ونظرًا لكثرة أسفار د. حسین حامد حسان - رئيس الجامعة - تجلى هذا الاهتمام في الاجتماعات شبه اليومية بمن يلون أمر الجامعة في أنشطتها العلمية؛ مثل عمداء الكليات، والقائمين على أمر الأنشطة والقائمين على وضع المناهج وتطويرها، وأذكر أننا كنا نجتمع لوضع مناهج للماجستير والدكتوراه بعد تطوير مناهج البكالوريوس، كنا نجتمع يوميًا لهذا الأمر والمتابعة العلمية والتعليمية اليومية في الجامعة.
فأنت في النهار ترى الشيخ العسال في مكتبه، وفي الليل يدير اجتماعات الإدارة والتطوير، ويحضرها بشكل دائم ويحضرها فترة وجود د. حسين حامد رئيس الجامعة، الذي كان يدرك ما يقوم به الشيخ العسال في إدارة الجامعة، ويدرك حرصه الشديد على مصلحة الجامعة شأنها شأن أي عمل يقوم به الشيخ العسال، الذي يعرفه د. حسين حامد حق المعرفة منذ سنوات طويلة.
٢ـ أساتذة الجامعة:
إذا كان الشيخ العسال يحرص على جودة المناهج، فإنه يدرك أن المنهج يفعله أستاذ بخبرته وكفاءته، وقد حرصت الجامعة على أن تتخير أعضاء هيأتها التدريسية، لكن مشكلة خطيرة كانت تواجه الجامعة؛ هي توفير رواتب الأساتذة، لأن الجامعة قائمة على التبرعات، فمصر تدفع مبلغًا كبيرًا ترسل به أساتذة، لكن ذلك لا يكفي، وهنا يجيء دور الشيخ العسال، فقد استثمر مكانته في دول الخليج، وصلته بكثير من أهل الخير فيها، إلى جانب صلته بمؤسسات علمية وجامعات في الخليج، استثمر مكانته وصلاته، فحصل من كل هذه درجات توفر رواتب الأساتذة بالجامعة.
وقد سمعت بأذني د. حسين حامد يقول: نحن جربنا إذا ذهب غير
د. العسال يكون الأمر فيه أخذ ورد، لكن إذا ذهب العسال بقامته وقيمته حسم الأمر وحصلنا على ما نريد من الدرجات.
وقد كان الشيخ حاضرًا آنذاك فطاطا رأسه تواضعا ولم ينطق.
٣ـ طلاب الجامعة في عقل وقلب الشيخ العسال:
قلت: إن طلاب الجامعة يمثلون ستين دولة إسلامية وأكثر، بل وهناك طلاب من أوروبا وأمريكا - وإن كانوا قلة - جاؤوا إلى الجامعة لدراسة العلوم الإسلامية وإدراكًا من الشيخ العسال لجدوى تعليم هؤلاء الطلاب وعودتهم إلى بلادهم يعلمون غيرهم ما تعلموه، وبخاصة في بلاد مثل الصين وجمهوريات وسط آسيا إدراكًا من الشيخ لهذه المهمة جاء اهتمامه بطلاب الجامعة باعتبارهم الحصاد والثمار للتعليم في الجامعة، وجاءت رعايته لهم متنوعة.
أـ الرعاية المالية:
جل هؤلاء الطلاب فقراء، ولا تنفق عليهم دولهم، إلى حد أن بعضهم كان يصل إلى إسلام آباد وليس معه شيء من المال، وهنا تقدم الجامعة له منحة شهرية تكفي لأن يواصل تعليمه حتى يتخرج.
هذه المنح ثمرة كريمة من جهود الشيخ العسال، فقد كان يتصل بأهل الخير في الخليج فيرسلون له ما يكفلون به هؤلاء الطلاب على اختلاف جنسياتهم.
ويتصل بهذه الرعاية الإنفاق عليهم في شهر رمضان خاصة؛ إذ تقدم الجامعة لطلابها جميعًا في سكنهم وجبة كل يوم من شهر رمضان، وهذا يتكلف مبلغًا كبيرًا من المال.
وأذكر أن الشيخ العسال كان قد ترك الجامعة وعاد إلى القاهرة ليستريح، وقبيل رمضان كتبنا - وكنت المسؤول عن الطلاب - إلى من كان يكتب الشيخ العسال لهم، فردوا علينا بمبالغ قليلة جدًا بالمقارنة بما كانوا يرسلونه إلى الشيخ العسال، وهنا وجدنا أنفسنا أمام مأزق، فأرسلنا للشيخ العسال وطلبنا منه أن يحضر إلى إسلام آباد فلم يتخلف، وحضر وكتب إلى المتبرعين فأرسلوا أضعاف أضعاف ما كانوا قد أرسلوه لنا، وهذه شهادة معاين لا مستمع.
تعلمت من د. العسال أن الإنسان لا ينبغي أن يكون محوره ذاته بل يجب أن يكون شمعة تضيء لأهله وذويه زكاة عن العلم والمال والجاه
ب- الرعاية الثقافية والتربوية:
وتمثلت هذه في رعاية الشيخ العسال لبرامج المحاضرات التي تقدم إلى الطلاب في سكن الطلاب، وهي جرعات ثقافية وتربوية تعد الطالب لرسالته التي تنتظره حين يعود إلى وطنه، ويتصل بهذه الرعاية ما كان يفعله مع كل خريج سيسافر إلى وطنه، فقد كان يمنحه تذكرة السفر، ويمكنه مكتبة علمية بها كثير من أمهات الكتب في العلوم الإسلامية.
ومن أبرز ما أشهد به أن الشيخ كان يساعد في تزويج الطلاب إذا أرادوا الزواج من بنات أوطانهم في الجامعة، فيتم هذا بالطريقة الشرعية الآمنة، ويدبر لهم المال اللازم للزواج وللسكن خارج سكن الطلاب، ويعينهم على العيش لمواصلة التعليم في الجامعة.
ج- كل هذه الرعاية جعلت الطلاب لا ينسون الشيخ حين يعودون إلى أوطانهم، وقد سمعت هذا بأذني حين زرت إندونيسيا، وزرت جامعة للبنات يشرف عليها خريجو الجامعة الإسلامية بإسلام آباد، وقد علمت من الشيخ العسال أنه لا يزال على صلة بهؤلاء الطلاب يكتبون إليه، ويرد عليهم، «وهذا ظل يحدث حتى وفاته».
الشيخ العسال وبناء الجامعة
ضاقت الجامعة على طلابها، إذ كثر العدد، فلم يعد المكان القديم يتسع لهم، وقد رأت إدارة الجامعة - بعد أن منحتها دولة باکستان أرضًا واسعة - أن تخطط لبناء جامعة جديدة بطموح كبير، وبعد الدراسة تبين أن البناء يستلزم ملايين عديدة من الدولارات تبلغ الخمسين وربما تزيد.
وانطلقت الجهود متكاتفة لجمع هذا المبلغ، أو ما يمكن البدء به لمرحلة على الأقل.
وهنا صحب الشيخ العسال د. حسين حامد في زيارات مكوكية إلى بلدان الخليج، ومرة أخرى يستثمر الشيخ العسال مكانه ومكانته فيأخذ وعودًا من متبرعين كرام، وفوا بوعودهم حتى إلى حين تركت الجامعة في عام ١٩٩٦م، كان لدى الجامعة سبعة عشر مليونًا من الدولارات، ولم يتوقف الشيخ عن أداء دوره، ولكني لا أعلم ماذا حدث وماذا كان من أرقام بعد ذلك.
كن حسبك ما أعرفه مما قدمه الشيخ للجامعة من حصاد التبرعات.
العسال وهموم الأمة
حين ذهبت إلى باكستان ۱۹۹۲م، كان العالم الإسلامي كله يتحرك لنصرة الأفغان في حربهم ضد الروس، وحين خرج الروس، واستبشر العالم الذي أسهم في مساندة الجهاد، وظنوا أن الدولة الإسلامية أخذت في الوجود في أفغانستان، لكن الأمور سارت في غير هذا الاتجاه؛ إذ بدأت الخلافات تدب بين أحزاب الجهاد، وهنا نفر علماء الأمة ومصلحوها على اختلاف بلدانهم للإصلاح بين هذه الأحزاب.
وقد كان الشيخ العسال واحدًا من هؤلاء العلماء المصلحين، وفوق أنه كان يسافر إلى بيشاور، أو يلتقي برؤساء الأحزاب في إسلام آباد كان منزله ملتقى الذاهب والعائد من العلماء، وكم شرفت بلقاء كثير من هؤلاء العلماء، حيث كان الشيخ يدعوني إلى الغداء معهم، ولم يكن تجمع من يقدم إلى باكستان للإصلاح مجرد دعوة على الطعام أو الشراب أو الإيواء، بل كانت لقاءات تشاور ودراسة للخروج بالأحزاب الأفغانية من المأزق الذي صدم الأمة وشغل علماءها ومصلحيها.
القضية الفلسطينية
وعلى الرغم من أن المسألة الأفغانية شغلت الشيخ كثيرًا، فإنه لم تغب عن اهتمامه الهموم الأخرى التي كان يعالجها بشكل يناسبها، فمثلًا مركز اهتمامه بالنسبة لفلسطين على محاور، وهي:
١ـ الدراسات والأبحاث التي كان يكتبها في الصحف.
٢ـ التقاؤه بقادة الجهاد الفلسطيني الذين كانوا يزورون باكستان بشكل رسمي، يدعون من الدولة، أو من هيئات أخرى.
٣ـ الاهتمام بتربية ورعاية طلبة الاتحاد الإسلامي وجلهم من فلسطين، وبلاد الشام يقينًا منه أن تربية هؤلاء على المفاهيم الصحيحة للجهاد والمواطنة ومصلحة الأمة عمل يسهم بشكل أو بآخر في خدمة الأوطان، والإسهام في النهضة المبتغاة من التعليم والتربية.
والاهتمام نفسه كان يبذله الشيخ العسال مع طلبة جمهوريات وسط آسيا، الذين وفدوا إلى الجامعة بعد تفكك الاتحاد السوفييتي، ولهم ظروفهم الثقافية والمالية والاجتماعية.
وكم كان يزورهم في سكن الطلاب، ويتابع دراستهم من خلال الأساتذة، ويخطط لهم برامج ثقافية وتربوية تناسبهم، فضلًا عن معايشة الشيخ العسال: أخلاقه ومكارمه أربع سنوات قضيتها في الجامعة الإسلامية في صحبته، وهي صحبة بلغت حد المعايشة، إذ أراه في يوم الدراسة مرة أو أكثر نظرًا للعمل الذي أقوم به ويتصل بالشيخ، وبعد اليوم الدراسي أراه مرتين على الأقل في صلاة المغرب والعشاء؛ فالمسجد الذي نصلي فيه معًا ملاصق لسكني، وقريب جدا من مسكنه.
فإذا أضفنا إلى هذا الاجتماعات الليلية لتدارس أمور الجامعة، وما أتيح لي من أسفار معه كان لي أن أقول: إني عايشت الشيخ وتعلمت مما علمته وخبرته من صفاته الكريمة.
الاهتمام بالقرآن الكريم
فمثلًا تعلمت منه ضرورة الاهتمام بالقرآن الكريم حفظًا ودراسة وعملًا، فلا يخلو مجلس من مجالس الشيخ من تذكيره بهذا الأمر، بل واللهج بقوله: «هكذا يعالج القرآن الكريم هذه المسألة»، أو «انظر إلى الآيات كذا وكذا لتعلم كيف يأخذ القرآن بيدنا إلى الفكر الرشيد والسلوك»، وأمثال هذه الأقوال التي يترجمها هو إلى أعمال حين يتحدث، وحين يكتب وحين يدرس.
وقد ترجم اهتمامه هذا بأن حرص على أن يكون جزءًا كبيرًا من الأنشطة الطلابية في مسكن الطلاب والطالبات، مهما يحفظ القرآن بعضه أو كله، وكان يقول: حسبنا أن يتخرج الطالب والطالبة، وقد حفظا القرآن الكريم وعرفا قدرًا من علومه.
من خلال الحديث الذي يدور بيننا عن القرية والأهل ؛تعلمت أن الإنسان لا ينبغي أن يكون محوره ذاته، بل يجب أن يكون شمعة تضيء لأهله وذويه، زكاة عن العلم والمال والجاه الذي منحك الله إياه.
وقد علمت - نظرً للاقتراب الشديد - أنه وصول لرحمه حتى ولو كانوا أغنياء - وهم كذلك غالبًا - يمدهم بالرعاية والمشورة وتبني أمرهم، وحسبك أن أذكر أنه شجع بعض أولاد إخوانه على مواصلة التعليم حتى حصل على الدكتوراه، وهكذا وهكذا.
أما رعايته لأخواته البنات، فقصص رعاية فريدة لهن ولأولادهن، يعرفها من له صلة بالشيخ، ويتغنى بها الناس في قريته «الفرستق».
أما سخاء نفس الشيخ وعدم خوفه من الإنفاق، إنفاق من لا يخشى الفقر، إيمانًا بالرزق والعمر، فلأذكر أنه قرر يومًا أن يعود إلى القاهرة - كما أشرت سابقًا - فراح يوزع أثاث بيته الفخم على بعض من يراهم بحاجة إليه، وحين عاد إلى إسلام آباد مرة أخرى عرض عليه من أعطاهم قبلًا أن يردوا الأشياء، فغضب غضبًا شديدًا واعتبر ذلك إهانة.
وحدث عن كرمه ما شئت، فما من قادم إلى بيته وخاصة إذا كان من خارج إسلام آباد، إلا ويقدم له الطعام فورًا، ولا يقبل رفض الضيف قائلًا: «هذا ما عندنا وما أنا من المتكلفين».
أما عن تواضع الشيخ وبساطته فأمر جعل كل من يعرفه يظن أنه الأثير لديه، وهذه سمة الدعاة الذين لا تغرهم قامتهم أو قيمتهم، فالناس عنده جميعًا لهم حق المودة والأخوة والمساواة.
وتعجب كثيرًا حين ترى الشيخ العسال يتحاور مع مخالف؛ فهدوء يغبط عليه، وأدب في ألفاظه ومداخله حتى ولو احتد المخالف أو اشتد، وكأني أراه يتمثل منهج القرآن والسنة في الحوار، ويمنح من هذا المعين ومما كتبه أسلافنا في أدب الاختلاف، وضوابط المناظرة، وهذا النهج جعله موضع حب حتى من المخالفين له، لأنه لم يخرج، ولم يتعصب لرأيه دون دليل، فضلًا عمن يحبونه، وحين سألته مرة عن هذا الانضباط المعجب، قال: الحوار في الإسلام فريضة دينية تفهم من حوارات القرآن المتنوعة، وهو ضرورة دعوية لأنك لا تملك أن تفرض دينا على أحد بالقوة، ثم هو ضرورة حياتية؛ لأن الناس يعيشون معًا ولا طريق لقضاء مصالحهم وتدبير شؤون حياتهم إلا بالحوار والمناقشة.
وبعد، فهذه شهادة أدوّنها جزءًا يسيرًا من الوفاء لهذه القامة السامقة، والقيمة الإسلامية، دونت ما يسمح به المقام والمقال، وإلا فعندي الكثير مما أدخره لمذكرات خاصة عن رجال علموني، والله المستعان.