العنوان الأسرة أساس المجتمع الصالح.. محاسن الشريعة في كتاب«التشريع الجنائي»(7)
الكاتب الدكتور توفيق الشاوي
تاريخ النشر الثلاثاء 04-يناير-2000
مشاهدات 83
نشر في العدد 1383
نشر في الصفحة 48
الثلاثاء 04-يناير-2000
أول أهداف أعدائنا الهجوم على الأحكام الشرعية التي تحصن الأسرة وتحميها من الانهيار
زواج الرجل بالمرأة وبناء الأسرة المتضامنة من أهم أصول مجتمعنا، ولذلك عنيت شريعتنا بتقرير الأحكام التي يقصد منها ضمان وحدة الأسرة وتكافل أفرادها والتكامل والتوازن بين حقوق أفرادها والتزامات كل منهم، ولكن الترف الذي أصاب بعض المجتمعات الغنية جعلهم يرفعون شعارات الحرية الجنسية، ليهدموا كيان الأسرة الشرعية ويدفعوا المجتمع إلى الفساد والانحلال، ويريد بعضهم أن تلحق بهم في هذا الاتجاه لكي تنهار مجتمعاتنا مع مجتمعاتهم التي يهددها الانحلال والتسيب الجنسي الذي يدعون أنه «حرية ديمقراطية».
والهجوم على الأحكام الشرعية التي تحصن الأسرة وتحميها من الانهيار هو من أول أهداف أعدائنا ومن يعملون لحسابهم لنقل عيوب مجتمعاتهم إلى شعوبنا بحجة أنها عوامل تقدم أو ديمقراطية، حتى أصبحت الديمقراطية في نظرهم هي تقليد المجتمعات الأجنبية في كل ما وصلت إليه من فساد خلقي وانحلال جنسي وصل في كثير منها إلى التسابق نحو إباحة الشذوذ الجنسي بل تقنينه ووصفه بأنه نوع جديد من الأسرة، وهم يروجون لهذا الشذوذ لأنه في نظرهم لا ينجب أطفالًا. ويخشون أن يستمر نمو سكان المجتمعات الفقيرة التي يريدون أن يقضوا عليها حتى لا تبقى قائمة بعد الانهيار الحتمي للشعوب الغنية المترفة التي يقل فيها النسل، وتنهار الأسرة ليحل محلها ما يسمونه حرية جنسية وشذوذًا جنسيًّا يمَّكن الرجال من الزواج برجال مثلهم، ويمَّكن نسائهم من الزواج بنساء ويعتبرون ذلك نوعًا من الترف أو التقدم نحو الهاوية التي تسير نحوها الشعوب الغنية التي تسمي نفسها ديمقراطيات كبرى.
إن فقيهنا الشهيد عبد القادر عودة مثل كثير من دعاة الإسلام ومفكريه حرص على الدفاع عن أحكام الأسرة الشرعية التي يهاجمها أعداؤنا وأعوانهم وخاصة مبدأ إباحة تعدد الزوجات والطلاق، واعتبرها نظريات شرعية وإن كنا نحن نعتبرها أحكامًا استثنائية لإعطاء نظرية الأسرة مرونة تواجه بها ظروفًا استثنائية في المجتمع أو في الأفراد من النساء والرجال.
وقد بين فقيهنا أن أول ما يلاحظ على النصوص التي جاءت في الطلاق أنها مرنة وعامة إلى آخر حدود العموم والمرونة، ومن ثم كانت صالحة لكل عصر ولكل مصر، ولم تكن في حاجة إلى التعديل أو التبديل، وأن الشريعة أباحت الطلاق ونظمته منذ ثلاثة عشر قرنًا، وأحاطته بهذه الضمانات القوية العادلة، أما العالم المتحضر فلم يعرف هذا الحق ولم يعترف به إلا في القرن العشرين، وكان البعض يأخذون على الشريعة أنها جاءت مقررة لحق الطلاق، ثم دار الزمن دورته وجاء عصر العلوم والرقي، وتقدمت الأمم وتفتحت العقول، فرأى العلماء والمفكرون أن تقرير حق الطلاق نعمة على المتزوجين، وأنه الطريق الوحيد للخلاص من الزواج الفاشل، ومن سوء العشرة والآلام النفسية، وأن الطلاق هو الذي يحقق سعادة الزوجين إذا فشل الزواج في تحقيقها، وأنه يحفظ الرجل والمرأة من التعرض للأخطاء ووساوس الشيطان.
ولا يكاد اليوم يحلو قانون وضعي من قوانين الأمم المتحضرة من النص على الطلاق والاعتراف به وقد أضفنا في حاشيتنا على كتاب التشريع الجنائي، أن المجتمعات النصرانية اضطرت اضطرارًا إلى الأخذ بما قررته شريعتنا من إباحة الطلاق، لكنها ما زالت تحرم تعدد الزوجات، بل تعاقب عليه، في حين أنها تبيح الزنى، وهم يعتبرون التعدد أسوأ من الزنى والتسيب والانحلال الجنسي، بل هو في نظرهم أسوأ من الطلاق، الذي يهدم الأسرة ويتسبب في تشريد الأطفال وضياعهم، وينسون أن التعدد إنما أبيح لصالح الأطفال الذين يتعرضون للضياع في أحوال الطلاق، وفي أحوال شيوع الزنى الذي يؤدي إلى التنكر للذرية التي ينجبها هذا الزنى لتلقى في الشوارع وصناديق القمامة.
إن شريعتنا لها الفضل في تحريم الزنى مطلقًا وإجازة تعدد الزوجات استثناء، لأن التعدد في نظرنا أفضل للأطفال من الطلاق ومن الزنى بدليل أن الذين يحرمون التعدد إنما يبيحون الزنى، ويزيدون في حالات الطلاق. وكلاهما أسوا من التعدد بالنسبة للأطفال.
قال فقيهنا: لا شك أن تحريم تعدد الزوجات، يدفع الناس إلى الزنى، ذلك أن عدد النساء في العالم يزيد على عدد الرجال، ويزداد الفرق بينهما كلما نشبت الحروب وتعددت فتحريم الزواج إلا من واحدة يؤدي إلى بقاء عدد كبير من النساء دون زواج وحرمان المرأة من الزواج مع استعدادها له معناه أن تجاهد المرأة طبيعتها، وهو جهاد ينتهي دائمًا بالفشل والاستسلام وإباحة الأعراض والرضا بالسفاح.
إن الشريعة الإسلامية سايرت طبائع البشر في إباحة تعدد الزوجات لأنها لم تفرض على الرجل أن يتزوج واحدة فقط حتى لا تحكم على بعض النساء بالبقاء عوانس مدى الحياة، يتمنين الرجل فلا يحصلن عليه، ويحلمن بالأولاد والأسرة ولا سبيل لتحقيق حلمهن، ويقاومن الغرائز الجنسية فلا تعود عليهن المقاومة إلا بضعف الصحة والعقل وخسارة الشرف والعفة، ولم تفرض الشريعة على الرجل أن يتزوج واحدة فقط حتى لا تعرضه للوقوع تحت سيطرة الغرائز الجنسية في فترات الحيض والنفاس، أو غيرها من الفترات التي يضعف فيها استعداد المرأة للاستجابة لأن الرجل في الغالب يخضع لسلطان الغريزة أكثر مما يخضع لسلطان العقل، شأنه في ذلك شأن المرأة، وإن كانت طبيعة المرأة تساعدها على كبت غريزتها أكثر مما يستطيع الرجل.