العنوان الأسرة (العدد (525)
الكاتب بدرية العزاز
تاريخ النشر الثلاثاء 21-أبريل-1981
مشاهدات 82
نشر في العدد 525
نشر في الصفحة 44
الثلاثاء 21-أبريل-1981
رسالة إلى ولدي خالد
ولدي الحبيب خالد
السلام عليك ورحمة الله وبركاته
أحييك بهذه التحية المباركة التي طالما حييتني بها عندما كنت تستيقظ من نومك في الصباح وحين تعود من كليتك في المساء.
أكتب لك هذه الرسالة الآن وأنا أرجو منك أن تحتفظ بها وأن تعاود قراءتها بين الفينة والأخرى.. قد تتساءل عن السبب في أهميتها، والحقيقة أنني قد فكرت في كتابتها منذ فترة طويلة، ولكني في كل مرة كنت أتردد حتى كان الأمس وكنت في زيارة لأحد أصدقائي في محله التجاري، وهناك استقبلني ولده، شابًا في مثل سنك تنبعث من وجهه أنوار التقوى والورع، أخبرني أن والده لن يتغيب كثيرًا، ثم جلس يتسامر معي، كان يفيض حماسًا وهو يحدثني عن بعض آيات القرآن الكريم.. لا أدري لماذا تذكرتك في تلك اللحظة.. تذكرتك عندما كنت أنت أيضًا تجلس لتحدثني عن بعض أمور الدين من خلال بعض الآيات.. كنت مثله تفيض حماسًا.. تذكرت يا خالد يا ولدي العزيز، حين تنتهي من المناقشة على سماع الأذان فنخرج معًا لنذهب للصلاة في المسجد القريب من منزلنا.. لقد كنت فخورًا بك يا خالد.. كنت أرفع يدي للمولى عز وجل شاكرًا له أن رزقني ابنًا تقيًا مثلك، كانت أيامًا جميلة، وكنت أظنها ستدوم ولكن!! لا أدري ما الذي حدث یا خالد يا ولدي الحبيب.. تغيرت كثيرًا بعد تخرجك واستلامك وظيفتك.. لم تعد تجلس لتحدثني، صرت أذهب إلى المسجد القريب وحيدًا فيسألني أصحابك عنك فأعتذر لهم بكثرة مشاغلك.. قلت لنفسي مدة وتنقضي.. لكن الأيام مرت ولم تنقض.. ولدي العزيز خلال هذه الفترة لاحظت عليك شيئًا غريبًا.. انطفأ ذلك النور الفياض الذي كنت أراه على وجهك. وحزنت كثيرًا.. أظنك في حاجة إلى أن أسرد عليك ما حدث بعد ذلك.. فأنت تعرف جيدًا.. ستقرأ الرسالة وآلاف الأميال تفصل بيني وبينك، وإني في نهايتها أود أن أذكرك بأن أروقة المسجد باتت تفتقدك يا ولدي الحبيب، وأمد لك يد الرجاء بأن تعيد تلك الأيام التي مضت.. أسألك أن تعيد تلك الأنوار الربانية إلى وجهك من جديد يا خالد يا ولدي العزيز.
والدك المحب
هنيئًا لك الشهادة
الإنسان حين يستولي على نفسه الحقد يسعى كما يسعى الوحش للانقضاض على فريسته، دون شفقة أو رحمة، يقطعها بأنيابه، ويمزقها بمخالبه، ويفتك بها شر فتك، هذا هو الحقد الجارف الذي سرى في النفوس الدنيئة، نفوس هؤلاء المجرمين الذين فاقوا بجريمتهم حد البهيمية المتوحشة، وجاوزوا حد الإنسانية حين عمدوا إلى إنسانة ضعيفة لا تملك ما تدافع به عن نفسها، ليس لها من الأمر شيء سوى حقها عند رب العباد حين تسترده من هؤلاء الطغاة، وأي حق أعظم من حق إنسان يجده عند رب الأرباب، حين يتخلى كل صاحب ملك عن ملكه لصاحب الملك عز وجل.
فهنيئًا لك يا أختاه ذلك التشريف من رب العالمين أن هؤلاء الذين غضب الله عليهم لم يتعاملوا حتى بقوانين الأرض فقست قلوبهم وتجمدت، فلم يتفكروا في كونك امرأة ضعيفة، استبد بهم الحقد حتى أعمى أبصارهم وأوصد قلوبهم بإقفالها وجعلهم يتخبطون بدماء الجريمة، قاتلهم الله أينما كانوا.
ليس لهذا العمل الآثم من تأويل إلا إنه ينم عما تعانيه تلك النفوس الضعيفة من ضعف، فهم عاجزون عن المواجهة الصريحة، لذا اتجهوا إلى أسلوب المحايلة.
إن الألم ليحز في النفس على فقدك يا أختاه، ولكن لنجعل من هذا الألم الباعث على الاستمرار والمعنى في طريق الحق.
فهنيئًا هنيئًا لك يا رفيقة الدرب، هنيئًا لك الظفر العظيم من رب عظيم، هنيئًا لك الشهادة.
ولا أقول لك الآن إلا «أنتم السابقون ونحن إن شاء الله اللاحقون بكم يا أم أيمن».
أم عدي
يوميات معلمة
عندما وصلت المدرسة وفتحت باب الغرفة الخاصة بالمدرسات لمحت إحدى الزميلات جالسة بمفردها تكتب، فألقيت عليها السلام وجلست بجانبها، كانت منهمكة في الكتابة، فسألتها ماذا تكتبين؟
مدت يدها إليّ بورقة وهي مستمرة في الكتابة.
أمسكت بالورقة وما إن قرأت بضعة أسطر منها حتى مزقتها.. ألقيت بها في سلة المهملات.. رفعت زميلتي رأسها إليّ مذعورة وصاحت ماذا فعلت؟!
رددت عليها بهدوء، وصلتني في الأسبوع الماضي مثل تلك الورقة وفعلت بها مثلما فعلت الآن بالضبط، فنظرت إليّ متعجبة وقد اتسعت عيناها دهشة.
قالت لا شك أنك تمزحين، قلت بل أقول الحقيقة.. أتظنينني أصدق هذه الخرافات والدجل؛ حيث إنني إذا كتبتها كذا مرة ووزعتها فسيحدث لي كذا وكذا؟
منذ ثلاث سنوات أيضًا وصلتني مثل هذه الورقة فمزقتها ورميتها.. وهذا ما فعلته إحدى زميلاتي.. وكان من ضمن الرسالة أنه لن تتزوجي إذا أهملت هذه الرسالة.. وكانت زميلتي هذه غير متزوجة فتزوجت بعد تمزيق هذه الرسالة.
أتراك جلست تنفذين ما جاء فيها؟
ردت متلعثمة: الحقيقة أنني أخاف على أولادي، قلت لها: أنا التي يجب أن يحل بها البلاء ولست أنت، كيف تنطلي عليك مثل هذه الأكاذيب؟!
أنها ليست إلا من هؤلاء الذين نصبوا أنفسهم أعداء لديننا الحنيف وأرادوا تشكيك المسلمين بذلك الدين الحق.
ألم تلاحظي تلك الآيات التي وردت في هذه الرسالة وما حوته من أخطاء هي في حكم الشرع تحريف؟
ألم تسمعي قوله ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَىٰ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ (يونس:17).
لا أدري كيف صدقتِها وأضعت وقتك في عمل يغضب الله تبارك وتعالى ورسوله الكريم صلى الله عليه وسلم.. ثم إذا كان لديك كل هذا النشاط للكتابة فما رأيك في أن تقومي بتصحيح هذه الكراسات عني؟
ضحكت زميلتي ثم ألقت بكل ما نسخته في سلة المهملات.
معلمة
خولة بنت الأزور
ونسير مع خولة وأمجادها ونقف على روعة العطاء..
إنها لم تتوقف عن الجهاد.. حتى بعد أن استردت أخاها.
تعالوا نقف معها يوم أسر النساء في موقعة صحوراء. فقد وقفت تخطب في النساء وتثير نخوتهن وتشعل نار الحماس من جديد وقالت: نأخذ أعمدة الخيام ونحمل بإيماننا وتقوانا على هؤلاء اللئام.. فلعل الله ينصرنا عليهم. ونتيجة هذا الموقف العظيم من خولة قامت عفراء بنت عفار فقالت: والله يا خولة، ما دعوت إلى ما هو أحب إلينا مما ذكرت، وانكبت النساء في حماس وشجاعة بأعمدة الخيام وأوتاد الأطناب وألقت خولة على عاتقها عمودها وصاحت وصحن معها صيحة واحدة.
وتتابع النساء وراءها فقالت لهن خولة: لا ينفك بعضكن عن بعض، وكن كالحلقة الدائرة، ولا تتفرقن فيقع بكن التشتيت، وحطمن رماح القوم، واكسرن سيوفهم.. وأخذت النساء بنصيحتها وكن كالبنيان المرصوص وهجمت خولة وهجم النساء وراءها وقاتلت بهن قتال المستيئس المستميت حتى استنقذتهن من أيدي الروم وخرجت وهي تنشد هاتين البيتين:
نحن بنات تبع وحمير **
وضربنا في القوم ليس ينكر
لأننا في الحرب نار سعر **
اليوم تسقون العذاب الأكبر
وهكذا استنقذت خولة الأسيرات من أيدي الروم، وأخذت خطاها مع جيش المسلمين الذي ما كاد يرى شجاعة نسائه حتى كان ذلك العمل من النساء وعلى رأسهن خولة باعثًا على بعث الجيش وإقدامه وبذله حتى كان للمسلمين النصر.. فأين بنات الإسلام اليوم؟
أين نساؤه أين أمهاته؟
لماذا نرى ساحة العمل للإسلام خالية منهن؟
إننا مطالبات أن نعيد تاريخ خولة وعفراء وهاتيك النساء.
المجتمع النسوي
الدنيا عجائب
كنت في منطقة ما من وطننا العربي.. هناك تعرفت على بعض نساء الحي الذي نزلت في ضيافة إحدى بيوته، ومن هاتيك النساء من هي مسلمة ملتزمة.. ومنهن من هي عادية جدًا.. لا تعرف من الإسلام غير شعائر العبادات.. وفي ذات ليلة دعتنا إحدى ربات البيوت إلى سهرة.. كان الحديث آنذاك يدور حول قصة اختطاف متسلسل لفتيات المنطقة الشمالية من ذلك القطر.. وكان المختطفون -كما روت النساء- ينتمون إلى منظمة أعتقد أن اسمها سرايا البغاء.. أو بغايا الدفاع أو اسم آخر- من وحي هذه الأسماء.. وقبل أن ننهي سهرتنا عند ربة البيت تلك.. قالت إحداهن: معي شريط كاسيت خطير!!
هل تحبين سماعه!!
تلهفنا للسماع، وظننا أننا سنستمع إلى خطبة نادرة أو حديث مفيد.. ولما باشر الشريط بإفراغ محتواه في أسماعنا عمت الغرفة هيبة من نوع غريب.. هيبة إجلال وإكبار تشوبها لمحات من الخوف العميق... كان الشريط يحتوي على مقابلة أجراها سجين مع إخوانه السجناء داخل المعتقل الرهيب وأصوات الكرابيج والأصوات يلتقطها الشريط من غرفة التعذيب المجاورة، بينما بعض الإخوة يجيبون بصوت خفيض على أسئلة رفيقهم في السجن.
ولعل من المشاهد القاسية التي سمعناها من الإخوة ما رواه عن إحضار زبانية المخابرات في ذلك البلد لزوجته وتهديده بالاعتداء عليها وإهانتها أمام ناظريه.. وما زلت أتذكر ما سمعته بنفسي.. وما زلت أقول: الدنيا كلها عجائب.. وما حدا داري!
أم سدرة
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل