العنوان الأسرة المسلمة والأمن الغذائي
الكاتب فاطمة عبدالرؤوف
تاريخ النشر الأربعاء 31-أغسطس-2022
مشاهدات 80
نشر في العدد 2171
نشر في الصفحة 31
الأربعاء 31-أغسطس-2022
في عالم مليء بالتحديات والمخاوف، وأزمات اقتصادية تعصف بكيانات الدول، وحروب وصراعات يتردد صداها العنيف في العالم كله، تجد كثيراً من الأسر نفسها في بؤرة هذه الصراعات والتحديات بحاجة لإشباع احتياجاتها الحياتية الأساسية وعلى رأسها احتياجات الغذاء.
الأسرة التي هي اللبنة الأساسية للمجتمع وأصغر وحداته أكثر من يعاني في ظل الأزمات خاصة مع السياسات النقدية العالمية التي تضغط على كثير من الدول لرفع غطاء الدعم الذي كان يحافظ على الاحتياجات الأساسية للأسرة.
بعد سنوات من جائحة «كورونا» وما ارتبط بها من إغلاق وتسريح عمالة وأزمات اقتصادية خانقة، وبعد أن بدأت الأمور تتجه للهدوء النسبي وبدأت الأسر في التعافي تدريجياً من الآثار الاقتصادية السلبية، إلا أنه سرعان ما انتكست الأمور مع اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية ذات الأبعاد العالمية؛ حيث شحت منتجات غذاء أساسية كالحبوب والزيوت وارتفعت أسعارها بشكل لم يسبق له مثيل، وانعكس ذلك كله على مختلف السلع الأخرى، وحدث لون من ألوان التضخم العالمي، وانخفضت قيمة العملة المحلية في كثير من البلدان بشكل مأساوي، بينما لم يرتفع الدخل العام الكلي للأسر.
وقد مثَّل هذا كله ضغطاً هائلاً على ميزانية الأسرة وعلى كيفية إدارة مواردها لإشباع احتياجات أفرادها خاصة الحاجة للغذاء الذي يمثل الحاجة الفسيولوجية الأكثر أهمية على الإطلاق، حتى وصلت الحال لبعض الأسر لبيع ما تملك من أصول فقط لسد احتياجات الأسرة الغذائية، وتضاعف عدد الأسر غير القادرة على تلبية وإشباع غريزة الطعام لدى أبنائها.
يعد تحقيق الأمن الغذائي داخل الأسرة أحد أهم الأهداف التي ينبغي تحقيقها حتى تستطيع الأسرة القيام بمهامها التربوية الأساسية، والمقصود بالأمن الغذائي توفير الغذاء الكافي والصحي والجيد لأفراد الأسرة بما يتناسب مع احتياجاتهم الغذائية المتنوعة، فالحد الأدنى منه توفير غذاء به عدد من السعرات الحرارية الكافية حتى تقي الأسرة أبناءها شر الجوع، وما يترتب عليه من هزال ومرض يصل حد التقزم كما يحدث في كثير من البلدان، بل ومن آفات خلقية وجرائم ناتجة من شدة الحاجة، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يستعيذ من الكفر والفقر ويجمع بينهما، فالفقر الذي يصل لحد الجوع هو من أشد أنواع الابتلاء الذي لا يستطيع مواجهته إلا المؤمنون فقط.
وكان النبي صلى الله عليه وسلم يحقق الأمن الغذائي لأهله، فلقد روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، أنَّ النبيَّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ «كانَ يَبِيعُ نَخْلَ بَنِي النَّضِيرِ، ويَحْبِسُ لأهْلِهِ قُوتَ سَنَتِهِمْ» (رواه البخاري).
الجوع المستتر
المشكلة الحقيقية في تحقيق الأمن الغذائي للأسرة أنها مسألة معقدة متشابكة، فلا بد أن يكون هناك وفرة من الغذاء أولاً، وهذا الأمر أصبح يزداد صعوبة في ظل أجواء الحروب والصراعات، وأيضاً التغيرات المناخية وما يصحبها من جفاف من جانب وفيضانات من جانب آخر وأيضاً الاحتباس الحراري وغير ذلك من صور التغيرات المناخية، وقد يتوافر الغذاء ولا تتوافر طرق نقله في عالم أصبح كالقرية الصغيرة، وأصبح الاكتفاء الذاتي من الغذاء أمراً غير متحقق داخل الحدود المحلية، فإذا تحقق الشرط الأول لضمان الأمن الغذائي أصبح الشرط الثاني وهو القدرة على دفع ثمنه هو التحدي الأبرز الذي تواجهه الأسرة في ظل محدودية الدخل وارتفاع الأسعار.
وفي ظل سعي الأسرة لتحقيق الأمن الغذائي يكون الهدف الأساسي الذي تسعي إليه هو توفير غذاء به عدد من السعرات الحرارية الكافية للقضاء على الإحساس بالجوع والشعور بالشبع، يأتي في المقام الثاني جودة الطعام؛ بمعنى أن يكون المذاق له طعم جيد ومقبول، وتوفير طعام له هذه الصفات في ظل محدودية دخل الأسرة غالباً ما يجنح لطعام فقير من حيث المغذيات والفيتامينات والمعادن الضرورية، فأسعار البروتين الحيواني وكثير من الخضراوات والفواكه لا تكون في استطاعة كثير من الأسر التي يكون معظم طعامها من الكربوهيدرات والدهون الرديئة؛ ومن ثم يتحقق الشعور بالشبع ويختفي الإحساس بالجوع، ولكنْ هناك جوع آخر موازٍ ومستتر لا يتم التنبه له ألا وهو الجوع للطعام الصحي؛ فتنتشر أمراض فقر الدم وهشاشة العظام وضعف المناعة، وهنا يؤدي غياب الأمن الغذائي الصحي للمرض، والمرض بحاجة لنفقات للعلاج؛ فتزداد الأسر الفقيرة فقراً ويصعب عليها توفير غذاء صحي بشكل أشد، بل وينشأ جيل جديد مفتقر للياقة الصحية وما يرتبط من معدلات ذكاء عالية فيدور في نفس الدوائر المحبطة.
وللمفارقة، فبعض الأسر ممن تمتلك رفاه العيش تعاني أيضاً من ذلك الجوع المستتر نتيجة لتبنيها نمط الغذاء السريع غير الصحي الذي روج له كأحد منتجات العولمة.
شبكة الأمان
لقد قدم الإسلام كثيراً من الآليات المتكاملة التي تشبه شبكات الأمان حتى يتم تحقيق الأمن الغذائي للأسر الأشد احتياجاً، ومن أهمها شبكة الإغاثة، ومن أشهر أدواتها:
- زكاة الفطر التي تكون من السلع الإستراتيجية كالقمح والأرز والشعير التي تقدم للأسر الأكثر احتياجاً بحيث تحقق لهم درجة من درجات الأمن الغذائي.
- زكاة الزروع والثمار؛ حيث يخرج الزرع والثمر في نفس يوم الحصاد للأسر الأولى بالرعاية.
- زكاة المال؛ حيث تستطيع الأسر الفقيرة شراء ما يلزمها من غذاء من المال التي تحصل عليه.
- الأضحية يوم النحر تحقق إشباع الحاجة لتناول البروتين الحيواني عالي القيمة، والمتتبع لصك الأضحية يجده تطبيقاً رائعاً لإطعام اللحوم في كافة أنحاء العالم الإسلامي.
- إطعام الطعام من أعلى الفضائل التي حث عليها الإسلام (وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً) (الإنسان: 8)، ولو توقفنا مع قوله تعالى «على حبه» سنجد أن المخاطب أيضاً يحب الطعام ويحتاجه لكنه يمنحه لمن هو أشد احتياجاً وفقاً لمنهجية الإسلام في التكافل والإيثار.
وهناك أيضاً شبكة الأمان الثانية، ويمكننا أن نطلق عليها شبكة الدعم، وهي موجهة في الأساس لمن يعاني من الفقر المؤقت، وهنا نجد القرض الحسن هو الحل الذي يحفظ للمدين كرامته وفي الوقت ذاته يساعده على تجاوز أزمته ويبقى رأس المال كي يساعد آخرين حتى لا تتسع دائرة الفقراء المزمنين.
فإذا أضفنا لذلك التعاليم الإسلامية التي تحث على عدم الإسراف في الماء حتى لو كان ذلك من أجل الطهارة؛ سنجد أننا في أمسِّ الحاجة لذلك في عصرنا، حيث يسود الجفاف وشح المياه التي يمكن الاستفادة منها في إحياء الأرض، حيث تمثل الزراعة عصب الأمن الغذائي المنشود.
كثيرة هي القيم الإسلامية التي تتضافر جميعاً لدعم الأمن الغذائي، ومن ذلك قيم العمل الجاد والاقتصاد في المعيشة وفي التعامل مع موارد البيئة والتراحم، وغير ذلك من شبكة القيم الإسلامية، ومن قبل ذلك كله التوكل على الله الرزاق الذي يقدر الأقوات.