; الأسرة (217) | مجلة المجتمع

العنوان الأسرة (217)

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 10-سبتمبر-1974

مشاهدات 87

نشر في العدد 217

نشر في الصفحة 32

الثلاثاء 10-سبتمبر-1974

قرأنا لك اختيار وإعداد وتلخيص الأخت ست بدرية العزاز من كتاب معالم الطريق لسيد قطب استعلاء الإيمان إعداد: الأخت فاطمة زكريا. ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ صدق الله العظيم هذا التوجيه يمثل الحالة الدائمة التي ينبغي أن يكون عليها شعور المؤمن وتصوره وتقديره للأشياء والأحداث. إنه يمثل حالة الاستعلاء التي يجب أن تستقر عليها نفس المؤمن إزاء كل شيء، الاستعلاء بالإيمان وقيمه على جميع القيم المنبثقة من أصل غیر أصل الإيمان. الاستعلاء مع ضعف القوة وقلة العدد، وفقر المال، كالاستعلاء مع القوة والكثرة والغنى على مع السواء، الاستعلاء الذي لا يتهاوى أمام قوة باغية، ولا عرف اجتماعي ولا تشريع باطل. والذي يقف في وجه المجتمع، ومنطقة السائد، وعرفة العام، يشعر بالغربة كما يشعر بالوهن، ما لم يكن يستند إلى سند أقوى من الناس. والله لا يترك المؤمن وحيدًا يواجه الضغط، وينوؤ به الثقل، ومن ثم يجيء هذا التوجيه ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾. المؤمن هو الأعلى- أن المؤمن هو الأعلى.. الأعلى سندًا ومصدرًا، الأعلى إدراكًا وتصورًا لحقيقة الوجود.. فالإيمان بالله الواحد القهار هو أكمل صورة للمعرفة الحقيقية. وحين تقاس هذه الصورة إلى ذلك الركام من التصورات والعقائد والمذاهب الفلسفية التعسفية، تتجلى عظمة العقيد الإسلامية كما لم تتجل قط. وما من شك أن الذين يعرفون هذه المعرفة هم الأعلون على كل من هناك.. هو الأعلى ضميرًا وشعورًا خلقًا وسلوكًا فإن عقيدته في الله ذي الأسماء الحسنى والصفات المثلى، هي بذاتها موحية بالرفعة والتقوى والعمل الصالح والخلافة الراشدة. فضلًا عن الجزاء في الآخرة الجزاء الذي تهون أمامه متاعب الدنيا وآلامها جميعًا. ويطمئن إليه ضمير المؤمن، ولو خرج من الحياة الدنيا بغير نصيب. هو الأعلى شريعة ونظامًا.. حين يراجع المؤمن كل ما عرفته البشرية، و يقيسه إلى شريعته ونظامه، فسيراه الله أشبه شيء بمحاولات الأطفال وتخبط العميان إلى جانب الشريعة العظيمة والنظام الكامل وسينظر إلى البشرية الضالة من عل في عطف وإشفاق على بؤسها وشقوتها، ولا يجد في نفسه إلا الاستعلاء على الشقوه والضلال. المسلمون الأوائل- هكذا كان المسلمون الأوائل يقفون أمام المظاهر الجوفاء. «عن أبي عثمان النهدي قال: لما جاء المغيرة إلى القنطرة، فعبرها إلى أهل فارس و أجلسوه واستأذنوا رستم في إجازته فأقبل المغيرة والقوم في زيهم، عليهم التيجان والثياب المنسوجة بالذهب، وبسطهم على غلوه أقبل يمشي حتى جلس على سريره ووسادته، فوثبوا عليه وانزلوه وصرعوه. فقال لا أرى قومًا أسفه منكم. أنا معشر العرب سواء لا يستعبد بعضنا بعضًا، اليوم علمت أن أمركم مضحل وأنكم مغلوبون. وإن ملكًا لا يقوم على هذه السيرة ولا على هذه العقول». تبدل أحوال المسلم: وتتبدل الأحوال ويقف المسلم موقف المغلوب المجرد من القوة المادية، فلا يفارقه شعوره بأنه الأعلى. ويطرب لقول الله -عز وجل- ﴿لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ، مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ ۚ وَبِئْسَ الْمِهَادُ، لَٰكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نُزُلًا مِّنْ عِندِ اللَّهِ ۗ وَمَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ لِّلْأَبْرَارِ﴾ (سورة آل عمران: 198-196) صدق الله العظيم. يضج الباطل ويصخب، ويرفع صوته وينفش ریشه، وتحيط به الهالات المصطنعة وينظر المؤمن من عل إلى الباطل المنتفش، وإلى الجموع المخدوعة، فلا يهن ولا يحزن ولا ينقص إصراره على الحق الذي معه، وثباته على النهج الذي يتبعه، ولا تراوده نفسه أن يخلع رداءه الطاهر، ولا تضعف رغبته في هداية الضالين المخدوعين هو الأعلى بمتعة الإيمان ولذة اليقين. حكمة الله العظيم في عقيدته - وأنها لحكمة الله أن تقف العقيدة مجردة من الزينة والطلاء، لأقربي من حاكم، ولا اعتزاز بسلطان، ولا هتاف بلذة، ولا دغدغة لغريزة. إنما هو الجهد والمشقة والجهاد والاستشهاد. ليقبل عليها من يقبل وهو على يقين من نفسه أنه يريدها لذاتها خالصة لله من دون الناس، ولينصرف عنها من يبتغي المطامع والمنافع، ومن يشتهي الزينة والأبهة: لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ وَيَحْيَىٰ مَنْ حَيَّ عَن بَيِّنَةٍ ۗ وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾. همسة في أذنك بني الحبيب.. لقد وعدتك في العدد السابق بأن أسرد عليك ما حدث من الشاب، وها أنا اليوم أسردها عليك. في إحدى العطل الصيفية وفي دولة عربية، عندما كنا جالسين في مكان ما أقبلت علينا امرأة فسلمت وبعد رد السلام دعوناها للجلوس فجلست، تحدثنا كثيرًا وجرنًا الحديث إلى الأولاد وتربيتهم وطباعهم، قالت: إن ابني الكبير شاذ، وأنا أفكر به دائمًا، ودفعني فضولي بأن أسألها وما هو وجه الشذوذ؟ افترقنا لأن الوقت متأخر. ذهبت إلى المنزل وأسئلة كثيرة تدور في خاطري، هل هو عاق، أم غبي، أم متغطرس. وتشاء الأقدار أن نلتقي في نفس المكان، وتمنيت لو أعرف ميولها قبل أن ينتهي اللقاء ولكن بماذا أبدأ الحديث، وتعمدت ان اطرق موضوع المدارس والإجازات لعله يوصلني إلى ما أريد. وفعلًا عندما ذكرت المدارس ذكرت الأولاد، وعرفت أنه ليس غبيًا بل العكس أنه ذكي ومتفوق ويدرس الهندسة. وتكررت اللقاءات وعرفت كل شيء عرفت أنه متدين، أما أهله غير ذلك، وفي مرة قالت لي: تصوري أنه جامعي وفي السنة الرابعة، وهو الآن في ريعان الشباب، ويحرم نفسه من لذة الحياة ثم اتبعت باستهزاء أنه متدين، يصوم ويصلي ويقرأ كثيرًا من الكتب الدينية وسألتها ألستم مسلمين قالت: بلا ولكن لا نصوم ولا نصلي قلت لها وماذا تعرفين عن الإسلام؟؟ فأجابت لا أعرف سوى أننا مسلمون فوجدت من واجبي أن أتكلم عن الإسلام والمسلمين بالقدر الذي أعرفه. ولا أعلم لماذا توثقت العلاقة بيننا، ونعرف منهم أن الوالد كان يشرب، ويلعب. ولكنه الآن إنسان غير ذلك الإنسان، أنه أدى فريضة الحج، وهو الآن يصوم ويصلي، وأنت لماذا لا تسيرين مثلهم؟ لا لا أريد أن أخضع لما يريد، وأنا التي وقفت بحزم أمامه وسكنت قليلًا ثم استدركت: قبل ثلاث سنوات كنت معزومة في حفل، ولبست ثوبًا فاضحًا، فوقف وقال لي: أمي لا تخرجي هكذا أن هذا الثوب لا يغطى سوى الجزء القليل من جسدك وإني أخاف عليك من النار فثرت في وجهه، ومتى كنت تأمرني، وتتدخل في أموري، وأصر أن لا أخرج هكذا، وحصل شجار بيننا ولم أخرج للحفل، ليس نزولًا عند رغبته، ولكن رفضت أن أذهب وأنا في حالة عصبية، وأخذت كل ما أملك من الثياب وقطعتها أمامه، وتعمدت أن أخرج فيها في كل وقت، وأجبرته أن يوصلني إلى ما أريد بالسيارة، حتى أكسر أنفه، ولیری من منا القوى أنا أم هو. أما هو فلم يقابل ما فعلت بعناد، بل أقنعها بالحجة، بالعمل، بالصبر وبالعزيمة القوية فوصل إلى ما يريد. واستمرت العلاقة بيننا في الرسائل واللقاءات السنوية، ها هي الأم تسير على طريق زوجها وولدها وكل هذا التغير بفضل الله عندما نشأ هذا الولد الصالح، واستطاع بعقل الراجح وتفكيره السليم، وليس بالأمر والنهي وفرض الإرادة، استطاع أن يغير تفكير واتجاه والديه بعد هذا العمر الطويل، بنى الحبيب وفقك الله إلى طريق الخير والسداد. والدتك: أم أسعد
الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 2

213

الثلاثاء 24-مارس-1970

كيف أعود ولدي الصلاة؟!

نشر في العدد 4

147

الثلاثاء 07-أبريل-1970

بريد الأسرة 4

نشر في العدد 7

130

الثلاثاء 28-أبريل-1970

عودة إلى الشباب المتهم