; الأسلحة الجرثومية! أو... انحراف الذكاء الإنساني! | مجلة المجتمع

العنوان الأسلحة الجرثومية! أو... انحراف الذكاء الإنساني!

الكاتب فكري سعيد

تاريخ النشر الثلاثاء 01-يونيو-1971

مشاهدات 105

نشر في العدد 62

نشر في الصفحة 16

الثلاثاء 01-يونيو-1971

الأسلحة الجرثومية!

أو... انحراف الذكاء الإنساني!

بقلم الأستاذ فكري سعيد

﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ (محمد: 1).
يومًا بعد يوم تتزايد حاجة الناس إلى الدين -ونعني به الإسلام- ويتضح خطر بعدهم عنه. وإدارة حياتهم في غيبته.

إن التقدم العلمي قد أكّد حاجة الإنسان إلى الدين، ومع التقدم المطرد والمتعاظم للتقدم العلمي تطرد وتتعاظم حاجة الإنسان إلى الدين، ذلك أن قوة الذكاء، ووفرة النشاط، وضخامة الإنتاج، كل ذلك يحتاج إلى مزيد من الضوابط والضمانات حتى لا يتحول إلى شر وبيل يرجم الناس بالعذاب، وينذر مستقبلهم بالكآبة والخراب.

ونسب مقادير الواقعية في هذا الكلام مرتفعة وواضحة لأن نظرة خاطفة على انحراف العقل الإنساني -المحروم من هدى الله- تورث الإنسان يقينًا لا حدود له بأن تقدم العقل لا خير فيه ما لم يواكبه تقدم مماثل أو متفوق في الضمير.

ولن يتقدم الضمير إلا بالدين، بإحساسه الدائم برقابة الله سبحانه.

إن الكفر بالله ليس معصية شخصية فقط وليس شؤمًا مؤجلًا يُعرّض الناس لعذاب الله في الدار الآخرة فحسب، إنه كارثة تُصيب الناس في حياتهم الدنيا ذاتها بالتعاسة والفزع والشقاء، وتطوي أعمالهم في الضلال والظلام، وتجعلها كرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ (محمد: 1).
وصنع الأسلحة الجرثومية نوع من التفسير الواقعي لضلال الذين كفروا، وفيما يلي مقال عن الأسلحة الجرثومية -كتبه الأستاذ فكري سعيد- يُوضّح هذه الحقيقة ويؤكّدها.

 

هوة مفزعة بين... تقدم العقل... وتخلف الضمير!

الدين هو الضمانة الوحيدة... لوضع العلم في خدمة الإنسان!

هي أسلحة غير كل الأسلحة التي عرفناها وألفناها فهي ليست بسيف ولا رمح ولا خيل وهي ليست ببارود أو مدفع أو طائرة.. ولا تحتاج لعنتريات أو بواسل شجعان.. بل بدأ استخدامها على أيدي الجبناء الضعفاء وأصبحت الآن أسلحة للأقوياء العظماء.. يُقال عنها الأسلحة الكيمائية والجرثومية وبعضهم يدعوها باسم أسلحة الدمار والخراب لهول أثرها وخطورة مفعولها وأفضل تعريف لها اسم الأسلحة المستترة لأنها خصم ليس له لون أو طعم أو رائحة.. لا يرى.. لا يُدرك إلا بعد أن تأتي النتيجة المرجوة منه بل من الصعب مقاومته لأن مقاومته هي سر هذا السلاح وإذا عرف السر بَطُل استخدامه.

 

حملة الصليب وحرب الجراثيم

وعبر التاريخ تخبرنا أن هذه الأسلحة بدأبها أصحابها من موقف ضعف وخِسّة ففي الحملات المتعددة لصليب أوروبا على مسلمي العرب وبعد تفشي مرض الطاعون بين جثث موتاهم العفنة نتيجة لخسائرهم الفادحة في الأرواح.. كان أصحاب الصليب يأخذون جثث موتاهم ويلقون بها في مصادر مياه المسلمين من أنهار وآبار وعيون ماء. وكان لهذا أثر على جند الإسلام الذين علمهم نبيهم عدم الدخول أو الخروج في.. أو من قرية بها وباء.

وفي عام 1763 أرسل قائد الحملة الإنجليزية «السير جفري إمهرست» في أمريكا هدية إلى زعماء الهنود الحمر كرمز للصداقة والمحبة وكانت الهدية غطاءين ومنديلًا واحدًا حصل عليهما القائد الإنجليزي من مستشفى الجدري وأثمرت الهدية بين الهنود الحمر فأصابت منهم أكثر من مليون هندي بالجدري.

إن أسلحة هذه الحرب خطرة جدًا ففي الحرب العالمية الأولى كان ضحايا هذه الأسلحة هي 800,000 إصابة ما بين وفاة وتشويه.

ولسنا هنا بصدد تاريخ هذه الأسلحة وإنما نُريد أن نقول إنها استُخدِمت من قبل وأهميتها الآن ترجع إلى التقدّم المذهل المرعب في نوعيتها وخواصها للدرجة التي باتت خطورتها تفوق الأسلحة الذرية والهيدروجينية وذلك لإمكان استخدامها والحصول على النتيجة المطلوبة دون أن يدري العدو أنه واقع في حالة حرب، بل وليس لها مضاعفات ونتائج الأسلحة الذرية من إشعاعات وخلافه، وهذه الأسلحة قسمان:

أولًا: الأسلحة الكيمائية

وهي مركبات كيمائية يتم تحضيرها في مختبرات العلم وتتم جميع أبحاثها في سرية تامة وفي أقبية رهيبة. وكل الدول المتقدمة لها أبحاث خاصة ومتعددة في هذا المجال.. وهذه المركبات غالبًا ما تكون مواد سائلة أو غازية في طبيعتها، ولكنها كثيرًا ما تُستعمل على شكل غازات حتى يمكن انتشارها بسهولة وعلى مجال أكبر، والأسلحة الكيمائية ثلاثة أنواع: فهي إما قاتلة، أو معطلة، أو خانقة وقد تكون كلها قاتلة إذا استُخدمت بكثافة أكبر أو كان المطلوب منها أن تكون قاتلة.

1 - الكيماويات القاتلة

وهي كيماويات تأثيرها قاتل ومبيد للكائنات الحية فتفتك بها في لحظات قليلة وكثير منها غير معروف تركيبه والوقاية منه غير ممكنة أو لم يعلن عن ذلك بعد وأهم ما أعلن عنه حتى الآن هو.. غازات الأعصاب وهي في طبيعتها سوائل وقد تنتشر مع القذائف أو من الطائرات على شكل غازات وهي مستترة بمعنى أنها عديمة اللون والطعم والرائحة بينما مفعولها عام في الجسم وهو تقلّص وارتخاء في العضلات بحيث لا يستطيع الإنسان أن يقوم بأي تناسق عضلي في حركاته أو التحكم فيها، فإن كان من المعلوم أن جميع الوظائف الحيوية للإنسان مثل الدورة الدموية والتنفس والهضم والإخراج، إلخ. كلها حركات ناتجة عن انقباض وانبساط عضلات الجسم، فإن الإصابة بهذه الغازات توقف الوظائف الحيوية وتؤدي إلى الوفاة في الحال، وغازات الأعصاب ثلاثة:

· تابون       TABUN

واسمه الحربي     G - A

· سارين     SARIN

واسمه الرمزي    G - B

· زرمان    SOMAN

واسمه الرمزي   G - D  

ولقد جمعت الولايات المتحدة مخزونها من هذه الغازات في توابيت من الأسمنت وألقت بها في مياه المحيط. وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على أن غازات الأعصاب أصبحت عتيقة تجاوزها ابتكار الدمار - إلى ما هو أخطر منها.

ومن الكيماويات القاتلة أيضًا غازات فـ 7 وغاز الفوسجين وغازات السيانيد وغاز الخردل.. وهي غازات سريعة الفتك وأغلبها مستتر.

 

 

2 - الكيماويات المعطلة

والأصل في هذه الغازات مقدرتها على تعطيل قدرة الإنسان لمدة زمنية معينة، وتم الوصول إليها لحاجة الدول العسكرية الديكتاتورية الموجودة في أمريكا اللاتينية لفض المظاهرات والإضرابات ومسيرات الشغب.

ومن أنواع هذه الغازات مركب اسمه الرمزي   C - A  وهو يعطي الإحساس بالإزعاج المستمر وآخر C - N  ويُعطي إحساسًا بالحرق دون أن تحدث عملية الحرق. وغاز D - N  ويُعطي الإحساس بالعجز، وهذه الغازات يقول عنها رجال العسكرية الأمريكية إنه بالإمكان استعمالها لغايات عسكرية وشبه عسكرية حيث إن الرغبة في تعطيل العدو مطلوبة».

3 - كيماويات السلوك

وهي كيماويات إما مهدئة لدرجة الخمول أو منبهة لدرجة الحالات العصبية أو مؤثرة على السلوك العام للشخص.

وتأثير هذه الغازات عام على الجهاز العصبي ويعمل على التأثير في الذاكرة أو القدرة على حل المشاكل أو تشويش القدرات.

ومن الطريف المضحك أنهم أعطوا عقارًا من هذه الكيماويات لقط كبير مفترس فتحول إلى قط هادئ ما كاد يرى فأرًا حتى أصبح مذعورًا خائفًا وأخذ في الركض.

ويقول عن هذه الغازات البروفسور ب.ف. سكنر «أمريكي»:

«على مجتمعنا أن يُحاول جاهدًا للسيطرة على سلوك إنسان أو جماعة معينة بحيث نوجهها لما نراه نحن مناسبًا» ومن هذه العقاقير ما هو معروف مثل L - S - D

B - Z

هذه فكرة بسيطة عامة عما هو معروف في الأسلحة الكيمائية، وكما أنهم اكتشفوا هذه الأسلحة اكتشفوا أيضًا الوقاية من هذه الغازات المستترة حتى أصبح الجندي الأمريكي الآن في فيتنام يملك جهازًا صغيرًا كالرادار بالنسبة لهذه الغازات، فهو يُنبّه بواسطة جهاز صغير حاد يعلم من خلاله أن الهواء المحيط به أصبح سامًا أو خطرًا، ولذا فعليه أن يُسرع ليلبس القناع الواقي أو الملابس الواقية.

 

ثانيًا: الأسلحة الجرثومية

وهذا النوع من الأسلحة أكثر فتكًا من الأولى وأسهل تكلفة وأصعب وقاية.

وهي في الواقع ليست جراثيم فقط ولكنها كائنات حية دقيقة مجهرية إما أن تكون جراثيم أو فيروسات أو فطريات.

وقبل سرد هذه الأسلحة وأنواعها وخطورتها لا بد أن نجمل القول عن جسم الإنسان.. فلقد خلق الله جسم الإنسان كوحدة بنائية واحدة يستطيع أن يقاوم الأمراض بذاته وكون له جنودًا لهم المقدرة على الحراسة والسهر على الجسم وأولهم الجلد الذي هو الدرع الواقي الذي يحمي الأجزاء الداخلية من الجسم ضد كل ما هو ضار، وثانيهم الغشاء المخاطي الذي له المقدرة على منع دخول الميكروبات من فتحات الجسم وثالثهم كريات الدم البيضاء التي يحمي الجسم من الداخل والتي تفرز مضادات الميكروبات وتشتبك معها فيما يشبه المعركة.

وللأبحاث الطبية كثير من الفضل في اكتشافات المضادات التي تساعد الجسم على مقاومة الأمراض، ولكن الجراثيم التي تستعمل كأسلحة في هذه الحروب هي جراثيم مثالية -على حد تعبير علماء الحروب- فهي جراثيم ليس عند الإنسان مناعة طبيعية لها. وليس لها مصل واقٍ ضدها وليس هناك دواء شافٍ من المرض الذي تُسببه.. بالإضافة إلى ذلك فمن المعلوم أن الكائنات الدقيقة هذه مثل الجراثيم والفيروسات تتكاثر بسرعة مذهلة ويُعرف هذا التكاثر باسم الانقسام الثنائي ويكفي كائن واحد ليصبح عدده بعد «12 ساعة» مليون جرثومة بمعنى أن استعمال هذه الأسلحة يكون على شكل أوبئة، وتأثير المرض الوبائي ليس على الجسم فقط فإن تأثيره يمتد إلى العقل أيضًا.

وهذه الأمراض أو الأسلحة ثلاثة تبعًا لسبب المرض:

أ - الأسلحة الجرثومية.

وأصلها سببه جراثيم.. وتنتشر على شكل أوبئة بواسطة الهواء أو الماء أو الحيوانات.. وأهم أمثلة هذا النوع:

1 - وباء الطاعون، وتحمله الحيوانات القارضة مثل الجرذان ويُعطي تأثيره على الجهاز التنفسي أو العقد اللمفاوية أو الدورة الدموية. وأعراض هذه الأمراض تغيّر لون الجلد وصعوبة في التنفس وتنتهي بالموت في خلال أسبوع.

2 - وباء الكوليرا، وهو جرثومي، ينتشر من خلال الماء.

3 - الحمى القلاعية، وهو جرثومي وينتقل للإنسان عن طريق الحيوانات وهو مرض معطّل يؤدي إلى العمى ومن الصعب تشخيص أعراضه.

4 - مرض الجمرة وسببه جرثومة قادرة على الحياة في جميع الظروف المناخية حتى غليان الماء ولمدة طويلة.. وأعراضها التهاب رئوي حاد في الإنسان.

ب - أمراض الفيروسات

وسببها فيروسات وهي أصغر حجمًا من الجراثيم وأكثر صعوبة في دراستها.. وأمراضها دائمًا خطرة وذلك لعدم معرفة الكثير من خواصها ومضاداتها، ومن الأسلحة الفيروسية:

1 - الجدري وهو أكثر الأمراض السارية عدوى.

2 - الحمى الصفراء وهو وبائي من أعراضه اليرقان وتقيؤ دم أسود وينتقل من خلال الحيوانات.

3 - الالتهابات الدماغية.. وليس له أي مناعة في الإنسان وأعراضه صداع شديد مؤلم ويؤدي إلى الوفاة.

جـ - أمراض الفطريات

وهي كثيرة منها نوع خطير ينتقل بواسطة الغبار ويحدث التهابات حادة في الرئة ونسبة الوفيات فيه كثيرة وليس له دواء وقائي.

والخطورة العامة لهذه الأسلحة هي نوعيتها بحيث أصبحت كل هذه الأسلحة خاضعة لأبحاث خاصة..

حيث تربى في مزارع لنشرها على شكل أوبئة وحيث أمكن الآن تغيّر كل خواصها وسلوكها داخل جسم الإنسان حتى لا يمكن مقاومتها أو اكتشاف الأجسام المضادة لها.. بمعنى أن المرض ينتشر مستترًا تحت أعراض مرض آخر.

هذه معلومات سريعة عن الحروب المستترة أو الحرب الكيمائية الجرثومية.. وقد يقول قائل ما لنا وما عند الدول المتقدمة من أسلحة دمار؟

ما لنا من أعداء إلا اليهود!!

فيكون الرد على القائل: بعض الحقائق وله أن يفهم ما يريد ويعي ما يشاء.

 

الأسلحة الجرثومية والخطر اليهودي

· يقف العالم اليهودي الأمريكي في جامعة هارفي ليُعلن للجميع قائلًا: «هناك عدد كبير من المسؤولين الأمريكان يقول إنه من المستحيل منع تسرّب المعلومات طوعًا أو كراهية لأي جهاز من أجهزة التسليح». ثم يروي قصة ذهابه إلى فلسطين واشتراكه في تأسيس معهد «وايزمن» وإرساله أسرار تركيب قنابل النابالم.

· في عام 1947 وهو العام الذي كان الصراع فيه على أشده بين العرب واليهود في فلسطين يظهر في مصر وباء الكوليرا الذي أصاب «33000» ألف شخص وكانت الجرثومة المسببة لها أعراض مختلفة متباينة.. ولم يخف الدكتور عبد الحميد الكردي في مصر من شكه في الطريقة التي وصلت إليها الكوليرا إلى مصر.. كذلك الدكتور مفتيك وهو كيمائي يوغوسلافي أثبت أن الباحث الإسرائيلي «رافائيل أوران» تمكّن من زراعة جرثومة تشبه الجرثومة التي انتشرت في مصر على شكل الكوليرا عام 1947.. والعالم الإسرائيلي هذا «رافائيل أوران» لا يزال على قيد الحياة وهو مدير أبحاث الأسلحة البيولوجية في إسرائيل!

 

وقائع ووثائق

· في عام 1953 قبض أهل غزة على اثنين من اليهود تسلّلوا إلى المدينة حاملين معهم زجاجات لتلويث المياه بالكوليرا ولقد ثبت هذا بواسطة بعض الأطباء العاملين في هيئة إغاثة اللاجئين..

· في عام 1956 أثناء احتلال إسرائيل لمدينة غزة.. تعرّضت المدينة لوباء الجدري ولذلك بادر أطباء هيئة الأمم لإغاثة اللاجئين بحقن المواطنين بمصلٍ واقٍ من الجدري.. ومن العجيب أن هيئة الأمم اشترت المصل من تل أبيب ثم ثبت فساده ومضاعفاته الضارة على المواطنين.. ولقد نشر أحد الأطباء المصريين الذي كان يعمل حينذاك في غزة وثائق هذه الحادثة كاملة موثقة من رئيس أطباء هيئة الأمم بغزة.

· في عام 1956 تم اعتقال جميع مرضى مستشفى السل وإدخالهم في معتقل عتليت بقصد نشر السل بين جميع المعتقلين من العرب.

وبعد فلننهِ المقال بخير الدعاء، يا رب اجعلنا نفهم ما يُكتب ونعي ما يُقال.

فكري سعيد

· المصادر:

1 - الحرب الكيمائية والجرثومية.. د. نبيل صبحي.

2 - إسرائيل كما عرفتها.. د. أحمد شوقي الفنجري.

الرابط المختصر :