العنوان الأسلوب والفهم
الكاتب محمد عبد الفتاح
تاريخ النشر الثلاثاء 28-أغسطس-1973
مشاهدات 4
نشر في العدد 165
نشر في الصفحة 26
الثلاثاء 28-أغسطس-1973
الأسلوب... والفهم..
... الأسلوب ...
يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: "إنما بعثت لأتمم مكارم
الأخلاق"؛ فالدين الإسلامي في غايته وجوهره إنما هو خلق... والرجل المؤمن
المسلم رجل صاحب خلق بالفطرة.. ولأن الأخلاق لا تتجزأ ولا تتفتت، فإن الخلق الجيد
يظهر ويتجلى في سلوك الرجل الذي يتعامل به، وفي كلماته التي ينطق بها وفي لغته
التي يكتب بها، وحتى في فهم الأمور مبتعداً عن سوء الظن.
وإن كان الإعلام الذي حارب الإسلام والإسلاميين قد استخدم أسلوب القذف
والسب والاتهام والكلمات المسيئة، وإن كانت الأمة دمرت في فترة تبادل التهم مثل
رجعية وعملاء وخونة وطابور خامس، وإن كانت مجموعات الانقلابات والبلاغ رقم 1 قد
تعود كتابها أسلوب الهجوم والباطل والزور... فإن المسلم أبعد ما يكون عن الإصابة
بهذه العدوى وذلك الأسلوب التهييجي. فمكارم الأخلاق للمسلم تلتزم وبالضرورة
الأسلوب الجميل العفيف النظيف الطاهر.
والبعض يقع في استخدام الأسلوب المسيء بكلمات السب والقذف والتعرض
لحياة الآخرين، ويصل بهم الأمر إلى تكفير الناس وفرض الإلحاد عليهم..
الرسول الكريم صاحب الخلق السامي وأكثر العالمين حرصاً على الإسلام
يغضب ويشتد غضبه على الصحابي الجليل أبي ذر الغفاري بسبب أنه عير مسلماً بأمه،
ويقول له: "إنك امرؤ فيك جاهلية".
هذا هو الرسول يدفع عن كرامة الرجل المسلم ويغضب لأن كرامة إنسان مسلم
قد جُرحت بعبارة لا تليق... فما بالنا نرى اليوم كرامة المسلمين على أيدي مسلمين،
ليسب بعضهم بعضاً ويقف البعض ليكفر الناس؟!
ولنا أن نتساءل:...
- هل
الحرص على الفضيلة يؤدي إلى الرذيلة؟!
- هل
الدفاع عن الخير يؤدي إلى الشر؟!
- هل
الدعوة إلى أخلاق الإسلام تؤدي لقذف المسلمين بالكفر؟!
- وهل
هذا لمصلحة المسلمين والإسلام؟!
... الفهم ...
حسن الفهم صفة يورثها الله لعباده الصالحين، ولقد ترك لنا الرسول
صلوات الله عليه وسلم كثيراً من المواقف تعبيراً عن حسن الفهم... كان الإسلام ما
زال ممثلاً في قلة من رجال ونساء وشباب مكة، وكان الرسول ينظر إلى الكفار ويتخير
منهم رجالاً ويدعو ربه أن يهديهم إلى الإيمان.. كان الرسول يرفع يده إلى السماء
ويقول: "اللهم أعز الإسلام بأحد العمرين".
كان الرسول القائد وبحسن فهمه يرى أن أحد العمرين — وهما عمر بن
الخطاب وعمرو بن هشام (أبو جهل) — وبرغم عداوتهما للإسلام، لو فتح الله عليهما
وهداهما للإيمان لأعز بهما أو بأحدهما الإسلام... فكان عمر بن الخطاب صاحب الحظ
العظيم وأحب الرجلين إلى الله...
الرسول يتخير من الكفار أعتاهم ويدعو الله أن يهديهم... وهذا هو الفهم
وهذا هو معنى الدعوة إلى الإسلام... ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ
لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ [الغاشية: 21-22].
وعندما يسوء الفهم عند البعض يسوء الحال.. ومنذئذ يتخلى البعض عن
الدعوة ويتحول الإسلام بسبب سوء الفهم لديهم إلى مساحة محدودة محاطة بسياج لا تشمل
إلا من يتفق معهم في سوء الفهم.
وبدلاً من أن يدعو الكفار إلى الإسلام.. ينعكس الفهم ويصبح العمل هو
تحويل وإعلان كفر المسلمين..
وهذا البعض الخاطئ يتخيل أن الفهم هو فهمهم والمخالف كافر... وأن
العلم علمهم والمخالف كافر.. الإسلام لهم وغيرهم كافر..
وقد يكون ذلك عن حسن النية لديهم... ولكن حسن النية لا يبرر الأخطاء..
وخطورة هذا الفهم الخاطئ أنه يجاوز حدود الشرع في التصور والحكم والفتوى...
وكم خسر الإسلام من فهم هؤلاء، وكم أوذي من الرجال بسبب هذا الفهم،
وكم يكون جميلاً لو أحسن الناس الأسلوب والفهم.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل