العنوان الأشجار الوارفة: السيرة الذاتية للشيخ أبي الأعلى المودودي وزوجته (۳): الهجرة إلى باكستان
الكاتب حميراء المودودي
تاريخ النشر السبت 13-سبتمبر-2008
مشاهدات 59
نشر في العدد 1819
نشر في الصفحة 34
السبت 13-سبتمبر-2008
- المودودي: الإيمان حالة قلبية وليس شيئًا ماديًّا .. فلا يستطيع أحد تحديد سعره وإنما يقرر صاحب الإيمان نفسه قيمة ما يحمله في صدره.
- عندما هبت رياح الاشتراكية صوب باكستان أعلن المودودي: هذا البلد لأمة محمد صلى الله عليه وسلم العربي وليس لأتباع كارل ماركس، ولا لحثالة ماوتسي تونج
- وضع فكرة الحاكمية والعدالة الاجتماعية في اقتراح مشروع قرار الأهداف، لضمان حقوق الشعب الاجتماعية.. وجاء فيه أن الحكم لله وحده.
بقلم: حميراء المودودي[1]
ترجمة: نور محمد جمعة[2]
لم نر في حياتنا قط ما يخدش جو الحب والحنان بين والدينا، اللهم إلا تلك الحادثة التي اختلفت فيها والدتي وجدتي مع والدي اختلافًا شديدًا، وكان ذلك في أغسطس عام ١٩٤٧م، حينما بدأت صرخات الفتن تعلو ورايات الفساد تنتشر، ولم تكن سمعة والدي ومن كان يرافقه في دار الإسلام، تسمح لأحد من الهندوس أو السيخ أن تراوده نفسه بالتطاول عليها أو الاقتراب منها، بل كانت أفئدتهم تنهار وصرخاتهم تصمت كلما سمعوا اسم دار الإسلام!
فإن تكونوا خرجتم من مساكنكم *** قسرًا، فقد أخرج الهادي من الحرم
ترك المسلمون الذين كانوا يسكنون في القرى المجاورة بيوتهم وكل ما يملكون، ولجأوا مع ذويهم ودوابهم إليها، وازداد عدد المسلمين في تلك المنطقة، وكانت الأفواج تصل واحدة تلو الأخرى، لكن لم تصل إلى هناك من حافلات الجيش لنقل المسلمين إلى باكستان إلا ثلاث حافلات، إحداها: كانت قد خُصِّصت لأسرة السيد نياز علي، فلم تبق لأهل دار الإسلام والجماهير التي التجأت إلى هناك إلا حافلتان فقط!
قرر والدي مباشرة أن تركب النساء والأولاد وينطلقوا، أما الرجال فسيلحقون بهم تباعًا، وبدأ الجنود الشبان الذين كانوا يرافقون الحافلات يصدرون أوامرهم بالإسراع، وأنه ليس أمامهم إلا عشر دقائق، وأن وقتهم ضيق جدًّا, لكن والدتي وجدتي في هذه الظروف العصيبة رفضتا الأمر رفضًا باتًا، وقالتا: كيف نخرج من غير رجال والهندوس يحملون خناجرهم، ويقفون على الطرقات؟
وكانت هذه الصرخة الرافضة عالية في كل البيوت، وبما أن بيتنا كان قدوة للآخرين، فكانت العيون عليه, لكن والدي أصر على قراره قائلًا: كيف أهرب بأهلي وأسرتي، وأدع هؤلاء المسلمين الذين لجأوا إليَّ من القرى المجاورة فريسةً لرحمة الهندوس وكرمهم؟! كلا.. لن يكون ذلك..
ثم خاطب النساء بقوله: «إذا بقيت النساء والأولاد بيننا، فستنهار عزائم الشجعان منا، وسيفكر كل بنجاة نفسه، وإذا ذهبت النساء والأولاد فسوف نطمئن على أعراضنا، أما أنفسنا فهي بيد الله يفعل بها ما يشاء، فلا تفكرن فينا، وتوكلن على الله».
في البيت الفصيح
كان الوقت يمر بسرعة في هذه المناقشات، وكان الجنود يصفرون، فرفع والدي صوته وقال لأمي مصمِّمًا: لن أتحرك من هنا ما بقي مسلم واحد لم ينتقل إلى باكستان! .... حركت هذه الصرخة الأخيرة جدتي، فقامت وعلقت مصحفها في رقبتها، وأخذت إبريق وضوئها في يدها, وأمسكت مع والدتي بأيدي الأولاد، وتحركتا صوب الحافلة والحزن والأسى يصرخان في وجهيهما، وشفاههما الجافة ترتجف بؤسًا، وعيونهما تفيض دمعًا.
ولما ركبتا الحافلة أسرعت سائر النساء والأولاد وركبوا الحافلات, وبعد ما تحركت الحافلات بدأ الناس يبكون والبعض لم يتمالك نفسه من شدة الحزن، فكانوا يهربون يمينًا أو شمالًا، التفتنا إلى الوراء تنظر من نافذة الحافلة، فرأينا والدنا وهو صامد كالجبل الراسخ ينظر إلينا في صمت رهيب.
أمر والدي الشيخ عبد الجبار غازي[3] بأن يرافق القوافل من دار الإسلام، وأوصاه بأن يأخذ الحافلات إلى بيت يملكه نصر الله خان عزيز[4] بمنطقة جوال مندي في لاهور، ثم يأخذنا نحن على العربات إلى الحديقة الإسلامية عند بيت الفصيح للشيخ ظفر إقبال[5]، وكذلك أمره بأن يوصل جميع النساء إلى بيوت ذويهم.
قضينا أيامًا في البيت الفصيح، لا ندري عن الوالد شيئا أين هو؟ أو كيف حاله؟ وما أخباره؟ كانت الأيام تمر على والدتي وجدتي كالقرون، والليالي أشد من ذلك!! وقد بالغ الشيخ ظفر إقبال وأسرته في ضيافتنا وعلاجنا ومواساتنا إلى درجة أحيت في ذاكرتنا تلك الصورة الجميلة من التفاني والإيثار التي رسمها الأنصار في المدينة لإخوانهم الذين هاجروا من مكة.
قیام باکستان
وصلنا إلى لاهور من دار الإسلام، في تبان كوت شرق بنجاب، في أغسطس عام ١٩٤٧م بعد انفصال باكستان عن الهند، وعوضًا عمَّا تركناه في دار الإسلام، سلمت لنا وللجماعة الإسلامية البنايات التابعة لمدرسة سوهن لال الثانوية الواقعة على مقربة من منطقة جوبرجي.
كان بيتنا مكتب الجماعة الإسلامية في دار الإسلام، وهنا أعطي لنا بيت رئيس المدرسة. وقضينا ما يقرب من شهرين في هذا البيت، وقد زارنا في هذه الفترة الشيخ العلامة محمد أسد، ترافقه زوجته وابنه. ومن الطابق الثالث للبيت استمعنا إلى الخطاب الذي ألقاه القائد محمد علي جناح[6] في ساحة جامعة البنجاب في ٣٠ أكتوبر ١٩٤٧م بعد قيام دولة باكستان.
في تلك الأيام كان والدي قد التقى شودري محمد علي، الذي أصبح فيما بعد رئيس وزراء باكستان (توفي في 1 ديسمبر ١٩٨٠م)، وقال له: بدأ بعض قادة حزب الرابطة الإسلامية)[7] يهمسون لإقامة دولة علمانية في باكستان، ومثل هذه الهمسات ليست إلا ملحًا على جروح المظلومين وخيانة لدماء الشهداء.. قبل عدة أيام فقط وصل قطار العمال من شملة، إلى لاهور، وقد قضي على جميع من فيه، فلم يبق فيه إنسان ينبض بالحياة، وكانت عجلاته قد صبغت بالدماء ولم تزل الفتيات المسلمات في براثن الهندوس، ولم تدفن بعد جثث الشهداء، وها نحن نسمع من يهتف بعلمنة باكستان، هذه الجماهير لم تخرج وراءكم ولم تهتف لكم إلا بعد ما رفعتم شعار الغاية من بناء باكستان.. لا إله إلا الله... وكان جواب شودري محمد علي: سأبلغ رسالتك هذه إلى رئيس الوزراء لياقت علي خان[8].
ثم انصرف والدي إلى دفن جثث الشهداء التي مازالت ملقاة على أطراف محطة القطار في لاهور، وكانت الحيوانات تعبث بها؛ لأن المسؤولين الذين كان من واجبهم القيام بهذا الأمر قد انشغلوا بسرقة بيوت الهندوس الذين هربوا من لاهور ونهب أموالهم.
مخيم الحديقة الإسلامية
لم يمر شهران إلا وقد أرسلت الحكومة الباكستانية من يطردنا من البيت الذي سكنا فيها، ولم يظهر والدي أي اعتراض أو شكوى، وأمرنا بأن نستعد للخروج من البناية التي أصبحت الآن مدرسة للبنات في شارع «ليك جوبرجي»... وقبل المغرب أحضر عربتين، وقال لوالدتي وجدتي: «لا تحملوا معكم إلا ما أحضرتموه من دار الإسلام، واركبوا في العربات فورًا».
خرجنا وركبنا العربات، وكان والدي وأصحابه قد سبقونا إلى عرباتهم، ووصلت القافلة إلى الحديقة الإسلامية، المكان الذي أصبح الآن بيتًا للدكتور رياض قدير، وكان أعضاء الجماعة الإسلامية قد سبقونا إلى المكان، ورتبوا هناك مخيمًا، وفي اليوم التالي سلَّم والدي مفاتيح البنايات إلى موظفي الحكومة، وقضينا نحو شهرين ونصف الشهر في ذلك المخيم.
قيمة الإيمان
إن ما قام به والدي من إخلاء السكنات دون أي اعتراض ولا مشاجرة بعد قمة الاستغناء والصبر والاحتساب الذي لا يستطيعه إلا أمثاله من الرجال البواسل، وقد كتب في إحدى كتبه يقول: بما أن الإيمان حالة قلبية وليس شيئًا ماديًّا يلمس، فلا يستطيع أي زبون أن يحدد سعره، وإنما يقرر صاحب الإيمان نفسه سعر ما يحمله في صدره، فعند البعض ليس إلا شيئًا حقيرًا يبيعه بقطعة خبز ولا يبالي، وعند الآخر شيء غالٍ لا يقدر بثمن، فلا يتاجر فيه إلا مع رب السماوات والأرضين... فهذه هي القوة التي تدفع المسلم إلى إقامة دين الله في الأرض وبناء معالم الثقافة والأخلاق الإسلامية، وتجعله يتحمل في سبيل ذلك أقصى المشقات وأشد العذاب.. ويوم أن كان إيمان المسلم لا يوازيه مال مهما كان قدره؛ كانت الدنيا تركع أمامه وتطيعه، أما اليوم وقد أصبح إيمانه شيئًا رخيصًا؛ أصبح يخضع للجميع ويخشاهم.
وهنا أيقنا أن خيام العزة والكرامة تفوق قصور الذلة والمهانة، وقد مرت تلك الأيام الصعبة كذلك.
وا معتصماه!
في تلك الأيام شاور والدي أصحابه، واتفقوا على دفن جثث الشهداء قبل كل شيء، استأجروا عددًا من الشاحنات، وقسموا أعضاء الجماعة الإسلامية إلى فريقين، فريق يجهز قبورًا جماعية في مكان يسمى الآن سمن آباد، والفريق الثاني يجمع الجثث وينقلها بالشاحنات إلى هناك.. فيصلون عليها جماعة ثم يدفنونها.
ينصرف الفريق الثاني إلى جمع الجثث في حين يبدأ الفريق الأول بحفر قبور أخرى، وكنا نحن الأطفال نقف ونتفرج عليهم، وفي كل مرة يطردوننا من هناك ويصرخون فينا: يا أولاد .. لا تشاهدوا الجثث، ستخافون في الليل.. ابتعدوا! ولكن الخوف والفزع كان قد ذهب عنا من كثرة ما شاهدناه من الجثث في دار الإسلام.. وهذه كانت جثث رجال غرسوا شجرة باكستان بدمائهم، ويعود الفضل في بناء صرح باكستان إليهم، ولعل سكان سمن آباد اليوم لا يعرفون أنهم يركضون ويلعبون على رفات مئات الشهداء ممن حرروا باكستان.
ولما فرغوا من دفن جثث الشهداء؛ بدأ أعضاء الجماعة يضعون برامج للقضاء على النهب والسرقات التي كانت تهدد المخيمات بشدة، فقد كانت المساعدات الشعبية من الأغطية والفرش والأكل والشرب تتدفق نحو المخيمات إلا أن بعض المتطوعين وبعض موظفي الحكومة بدأوا بنهبها وقطع الطريق أمامها. وكانت تصل أفواج من الفتيات اللاتي استطعن بطريقة أو أخرى النجاة بأنفسهن من براثن الهندوس المتغطرسين إلى باكستان، وكن قد فقدن ذويهن أو استشهد رجالهن، فإذا بهن يقعن فريسة للقوميين الباكستانيين، وقد امتلأت صفحات الجرائد بالجرائم التي كان يقوم بها هؤلاء الأنذال في حق أولئك الفتيات المسلمات، بعضهن جئن إلى والدي وكن يصرخن وقلوبهن تقطر دمًا والدموع قد جفت في عيونهن، إذا كنا لا نأمن على أعراضنا وأنفسنا، وتهدر كرامتنا وشرفنا في باكستان فإلى أين نذهب؟!
كانت هذه من أشد الصور ضنكًا وألمًا في حياة الوالد، كانت تصل بعض الفتيات المسلمات اللاتي خرجن من براثن الهندوس إلى تلك المخيمات، وكأنهن ينزعن بقايا الحياة من أفواه جروحهن التي لم تزل تنزف دمًا، ورأيت بأم رأسي واحدة منهن وقد فقع أحد الهندوس إحدى عينيها بخنجره ومازالت آثار الأسنان التي افترست أجساد بعضهن لم تتدمل بعد، ومازالت صورة إحداهن تلوح أمام عيني وقد جرح الهندوس وجهها، فقد كانت تلك الأجسام النحيلة عرضة لمآسٍ وآلام وجروح يعجز القلم عن بيانها أو تصويرها، لكنهن صمدن أمام تلك الوحشية والهمجية بكل بطولة وصبر، عسى عيونهن تقر برؤية باكستان ومستقبله المشرق.
ولقد قيل بأن الرجال يغرسون مآسي الحرب بدمائهم في أيام، وتبقى النساء ترويها بدموعهن مدى السنين، لكن دم المرأة هنا كاد ينافس دم الرجل وبطولته. هذه لم تكن إلا جروحًا نراها، فتكاد أرواحنا تخرج من هولها وفزعها، وعيوننا تجف من البكاء على أطلالها، وأما آلام أرواحهن وجروح أفئدتهن فقد كانت أشد وأنكى بمئات الأضعاف؛ إلا أنها سترت يستأثر من الغيب والحياء والاحتساب، وأنَّى لعيوننا وأحاسيسنا أن تصل إليها!
ثمن الحرية
غيرت هذه الأخبار التي كانت تسكب في أذان والدي مباشرة من مصادرها الحية جو بيتنا، فكنا نشاطر من الآلام والأحزان، وكانت الدموع تنهمر من عيني والدتي ولا تكاد تجف لحظة، وآثار الحزن كانت تغزو وجه والدي بشدة، فها هو يسمع بالظلم والوحشية، وغيرته تثور في داخله لكن ليس بيده شيء، ولا يستطيع أن يفعل شيئًا ليقضي على تلك المآسي أو يخففها، فكنا نعيش أجواء صعبة من الأسى والحزن والألم.
مازالت لي صلة بواحدة من تلك الفتيات هي الآن أم لأحد كبار الموظفين، ولا ينقصها شيء في الحياة، لكن لم تزل تنتابها موجات من الكآبة والحزن حينًا بعد حين ولا سيما في شهر أغسطس!
في ١٤ أغسطس الماضي اتصلت بي وطلبت أن أزورها، وقالت لي: قضيت معظم أيام حياتي هنا في قصور المدينة الحديثة، لكن كلما أضع رأسي لأنام تتجدد أمام عيني صور حياتي في لدهياني... النيران تلتهم بيتنا .. جثمان أبي ملطخ بالدماء في وسط البيت.. أختي الكبيرة يجرها مجموعة من الهندوس.. هجم عليَّ أحد الهندوس ممن كنا نناديه بالعم، فأغمي عليَّ من شدة الخوف.. عرفت فيما بعد أن أختي الكبيرة اغتصبها مجموعة من هؤلاء الأشرار فماتت، وأنا الإنسانة المشؤومة لم أمت يومذاك!
وتابعت: ها أنت ترين معي الشباب الذين من واجبهم أن يدافعوا عن وطنهم وأعراض أخواتهم، رموا شعورهم على أكتافهم يحركون أفخاذهم وظهورهم يمينًا وشمالًا، ويرقصون باسم الحرية، أما ما دفعناه نحن من تضحيات مقابل هذه الحرية فلا يعرفها غيرنا.. هؤلاء الذين يرقصون ويغنون لن يدركوا ما ذاقته تلك الفتيات اللاتي أهدرت كرامتهن في الاغتصاب الجماعي، هذه صور مأساوية يشهد لها تراب الأرض الجاف، ولا يحفظها إلا أثير الهواء البارد، أيقني يا أختي أن الباكستانيين لا يستحقون الحرية. ألا يدرك هؤلاء المغفلون الذين يمدون يد الصداقة والمحبة لهؤلاء الهندوس أننا كنا ننادي جيراننا من الهندوس بيا أبتِ، ويا أماه، ويا عمي العزيز؟!
البحث عن الفتيات اللاتي اختطفن أو فقدن في تلك الأحداث وإيصالهن إلى ذويهن أو من يعرفهن كان أمرًا في غاية الصعوبة، وتصور معي تلك الصورة الشنيعة والمؤسفة التي كثيرًا ما كانت تحدث، تصل البنت إلى ذويها وتتعرف عليهم، فإذا بهم يتجاهلونها ويعرضون عنها، أي يرفضون أن يأخذوا أختهم أو بنتهم معهم(!) وهنا كنت ترى تلك البنت المسكينة التي لا مأوى لها ولا أمل، تفتح فمها كالثور الهائج، تهدر بأشد الأدعية وأغلظ الشتائم على والديها وذويها، وتكاد صرخات الفتيات تدوي في السماء، وتقلع القلوب التي في الصدور، فكان والدي وأصحابه هم الذين يرتبون حياة تلك البنات ويزوجونهن.
الحكم لله وحده!
كل تلك الأعمال الإغاثية لم تكن تستطيع أن تضع الأغلال على أقدام ذلك الأسد الثائر.. فكان زئيره السياسي والعلمي يطير النوم من أعين الأعداء، فقد كان يضغط بكل ثقله على الحكومة للاعتراف به قرار الأهداف. طاف بالبلد كله كالعاصفة، وكان يلقي دروسًا في الإذاعة، بجانب محاضراته في القانون في كلية القانون في جامعة البنجاب، ورفع صوته عاليًا في وجه الموظفين الذين لم يكونوا يبالون بشيء، ولا يشعرون بأدنى مسؤولية تجاه واجباتهم وتجاه ما يحدث من السرقات والنهب والأعمال الشنيعة في المخيمات.
بعد كل هذه المساعي لم تشكر الحكومة والدي فحسب؛ بل اعتبرته وجماعته عدوها اللدود، بل أكبر أعدائها. فقد خاف رئيس الوزراء على كرسيه كما شعر العلمانيون بأن هذه الإصلاحات تطعن في شرعيتهم، فضاقوا بكل ذلك، وبدأوا أعمالهم العدوانية وخلافاتهم أكثروا من زرع الطعن على الجهاد في كشمير، وأكثروا العراقيل في وجه الجماعة الإسلامية، وبلغ الأمر برئيس الوزراء «نواب زاده لياقت علي خان» أن قال للصحفيين: يريد المودودي أن ينصب نفسه أميرًا للمؤمنين في باكستان ... فكان هذا جزاء من يذكر الحكومة بما وعدت به شعبها من الأمن، ويحذرها من نهب أموال المواطنين.
في تلك الأيام أعلن الوالد على الملأ: إذا لم يعلن القادة السياسيون وأصحاب القرار في البرلمان: أن الهدف من قيام باكستان كان إقامة شرع الله، ولم يقروا بأن عقيدة الدولة وغاية الملك هو الوصول إلى أنه لا إله إلا الله، فهذا سيكون أكبر خديعة وأعظم مكر قد دبر بليل بهيم لمسلمي الهند وباكستان.... وللحصول على هذه الأهداف وضع فكرة الحاكمية والعدالة الاجتماعية في اقتراح مشروع قرار الأهداف، الذي جاء فيه أن الحكم لله وحده، وأن الشعب يجب أن ينعم بجميع حقوقه الاجتماعية.[9]
فما قام به والدي تجاه مشروع قرار الأهداف يُعدُّ من أبرز مساعيه وأكبر أعماله، وقد سانده في ذلك ووقف معه بشكل جيد كثير من أعضاء حزب الرابطة الإسلامية، والشيخ شبير أحمد عثماني[10] ونائبه الشيخ ظفر أحمد أنصاري.[11]
ولما بدأت رياح الاشتراكية تغزو باكستان، وبدأت بعض راياتها ترفرف في الأجواء، أعلن والدي: «هذا البلد لأمة محمد العربي صلى الله عليه وسلم وليس لأتباع کارل مارکس[12] ولا لحثالة ماو تسي تونج[13]، ونحن قوم إذا اضطررنا إلى أن نقاتل في سبيل الدفاع عن دين الله وحفظ حرماته، فلن تصمد في وجهنا عشرات الجيوش.. في آن واحد سندك جيوش التطاول والفرعنة، كما نقضي على العلمنة والطغيان، ولن يستطيع أحد مهما كان أن يقيم قائمة لدين غير دين الله في هذا البلد ما بقيت الحياة تنبض فينا، وما بقيت رقابنا تحمل رؤوسنا».
يريد المجرمون الدين يفنى
بباكستان في حقد وغل.
[1] كبرى بنات المودودي: ولدت في ٢٢ يوليو ١٩٤٥م بالهند، وتعيش الآن بمدينة لاهور في باكستان
[2] أستاذ بكلية اللغة العربية والحضارة الإسلامية بالجامعة الإسلامية العالمية في العاصمة الباكستانية، إسلام آباد
[3] توفي عام ١٩٨١م.
[4] توفي في ٢ يونيو ١٩٧٦م.
[5] توفي في 5 مايو ١٩٨٥م.
[6] نوفي في ١١ سبتمبر ١٩٤٨م.
[7] أسس حزب الرابطة الإسلامية عام ١٩٠٦م بهدف مطالبة الإنجليز ببعض الحقوق والاستغاثة ضد سيطرة الهندوس وإعلان الوفاء للتاج البريطاني.
[8] توفي في ١٦ أكتوبر ١٩٥١م.
[9] ضغط المودودي، وجماعته - بتعاون من الشعب - على الحكومة الباكستانية ومجلس سن القوانين للموافقة على جعل الشريعة الإسلامية المصدر الأساس للتشريع والسلطة، واضطرت الحكومة إلى الموافقة على قرار الأهداف الذي يحدد الوجهة الإسلامية الصحيحة لباكستان في 3 جمادى الأولى ١٣٦٨ هـ (١٢ مارس ١٩٤٩م).
[10] توفي في ١٣ ديسمبر ١٩٤٩م.
[11] ولد عام ١٩٠٨م بمدينة إله آباد في الهند، ولعب دورا بارزا في انفصال باكستان عن الهند وشارك في الدعوة إلى أسلمة القوانين في باكستان. دخل البرلمان عام ١٩٧٠م، وعين عضوًا في مجلس الشؤون الإسلامية عام ١٩٧٧م، وتوفي في ٢٠ ديسمبر ۱۹۹۱م، ودفن في إسلام آباد.
[12] هلك في ۱۸۸۷م.
[13] هلك في ١٩٧٦م.