العنوان الأطماع الصهيونية في نفط بحر قزوين
الكاتب عاطف عبدالحميد
تاريخ النشر السبت 04-يونيو-2005
مشاهدات 62
نشر في العدد 1654
نشر في الصفحة 36
السبت 04-يونيو-2005
حينما اندلعت الثورة الشعبية في شرقي أوزبكستان وسقط مئات القتلى والجرحى تدافعت وسائل الإعلام العربية والإسلامية لتغطية الحدث، كثير من التدافع جاء ترجمة مباشرة للاهتمام الغربي وقليل منه جاء بنبض إسلامي.
وبينما انشغل المتابعون بتاريخ الصراع بين السلطة والإسلاميين في أوزبكستان ومصير الثورة الشعبية، طرح البعض تساؤلًا حول الاستثمارات «الإسرائيلية» في أوزبكستان، وتأثير الثورة الشعبية على الدور الإسرائيلي في آسيا الوسطى.
المعلومات التي قُدمت عن التغلغل الإسرائيلي في اقتصادات القطن ومشروعات الري في أوزبكستان ليست دعاية يخوف بها كتاب مسلمون قراءً اعتادوا سماع قرع أجراس ما يقوم به الكيان الصهيوني من التغلغل السرطاني في الأمة الإسلامية، بل هي معلومات قدمها کتاب غربيون في مراكز أبحاث وصحف عالمية منذ نحو عشر سنوات.
وفي نهاية شهر مايو الماضي، وبعد مرور أسبوعين فقط على حوادث أوزبكستان الدامية، شهدت العاصمة الأذربيجانية باكو حدثًا اقتصاديًا مهمًا فقد أكمل رؤساء كل من تركيا وجورجيا وأذربيجان وتركمنستان، وبحضور أمريكي، تدشين مشروع تصدير النفط القزويني إلى الميناء التركي جيهان الواقع في منطقة الإسكندرونة، على أن يتدفق النفط في الأنبوب في الربع الأخير من العام الجاري.
تبلغ تكلفة المشروع ثلاثة مليارات دولار في مراحله الأولى، وهى ليست إلا جزءًا من تكلفة إجمالية تبلغ ۱۲ مليار دولار، وذلك حينما يصل المشروع إلى اكتماله بنقل مليون برميل يوميًا بحلول عام ٢٠٠٩م، ويبلغ طول الخط ١٧٦٠ كم، ويمتد على مسافة عرضية تبلغ ٤٤ مترًا تبدأ مكشوفة أثناء الحفر، ثم تختفي تحت الأرضي كأنبوب مغطى في أغلب قطاعات الخط(١).
ولن يحمل هذا الأنبوب النفط الأذربيجاني فحسب، بل ونظيره الكازاخي على الساحل الشرقي من بحر قزوين، وأخطر ما في هذا الخط هو خطته التالية لنقل النفط من جيهان التركية إلى موانئ الكيان الصهيوني.
مرة أخرى يأتي ذكر «إسرائيل» في الحضور الاقتصادي لدولة أذربيجان الإسلامية، هذه المرة للاستفادة من النفط والغاز، بعد القطن في أوزبكستان ومشروعات اقتصادية متنوعة في باقي دول آسيا الوسطى.
ظاهريًا، يؤكد النشاط الصهيوني أن المسمى القديم لمشروع «دولة إسرائيل بين الفرات والنيل» لم يعد أفقًا كافيًا، فقد وصلت الأنشطة الاقتصادية إلى مناطق عرفت في الحضارة الإسلامية بما وراء النهر التي تمثلها دول آسيا الوسطى حاليًا، لكن من الناحية العملية فإن الصور الاستعمارية لإسرائيل قد استبدل بها مشروعات للتماهي والاندماج في المنطقة، تقوم على طرح مفاهيم جديدة تعيد تسمية «الاستنزاف الاستعماري» باسم «الاستثمار والشراكة».
لابد أن نذكر أن مثل هذا الدور الصهيوني لم يكن ليجد نجاحًا لولا دعم أساسي من كل من الولايات المتحدة وتركيا، وفي نفس الوقت ترحيبًا من حكومات دول آسيا الوسطى التي تسعى لتقديم أي شيء لتبقى في السلطة دون ملاحقة بتهم الاستبداد والفساد وتهميش شعوبها.
يمثل تدشين الأنبوب النفطي باكو - تبليسي – جيهان تحديًا لصعاب كثيرة أهمها ارتفاع تكلفة مد الأنبوب في الأراضي الجبلية، وهو ما تطلب الحفاظ على تقنية ضخ البترول في الأنابيب بالدفع المستمر ( عبر ۸ محطات للضخ في الدول الثلاث) مما يجعل كل كيلومتر من هذا الخط أكثر تكلفة عدة مرات من باقي أنابيب النفط المتوافرة في الأراضي الروسية أو الإيرانية، كما يهدد هذا الأنبوب مروره بالأجزاء الشرقية من تركيا حيث الحركة الانفصالية الكردية.
ويمثل تدشين ضخ النفط القزويني عبر أنبوب باكو - جيهان إنهاًء للجدل الذي دار عبر السنوات العشر الماضية حول سيناريوهات تصدير نفط بحر قزوين عبر شبكة متنافسة من الأنابيب (٢). كما بدد المخاوف التي سيطرت على المشروع منذ أن طرح كفكرة أمريكية تركية بعيد استقلال دول بحر قزوين عن الاتحاد السوفييتي.
يمثل مربع التحالف الذي يجمع واشنطن وأنقرة وباكو وتل أبيب.. الأعمدة الرئيسة التي تعتمد عليها الولايات المتحدة في ملء الفراغ في منطقة القوقاز والشرق الأدنى بعد اندحار الشيوعية، وانحسار الأدوار الإقليمية، والهدف الذي يتحقق يومًا بعد يوم هو تشكيل «أسفين» عازل جغرافيًا وسياسيًا بين التحالف الروسي الإيراني الساعي لتدعيم شراكته الاستراتيجية مع أرمينيا وسوريا، وحزب الله في الجنوب اللبناني. وفي نفس الوقت تسريب القواعد الأمريكية وقوات الناتو إلى منابع النفط القزويني عبر تركيا إلى كل من أذربيجان وجورجيا.
ويعتبر الدفع الأمريكي لخط باكو - تبليسي - جيهان دعمًا إضافيًا تقدمه واشنطن لحكومة أذربيجان وإضفاء شرعية على ما تعتبره المعارضة في البلاد حكمًا وراثيًا في جمهورية أذربيجان انتقلت الرئاسة بموجبه من حيدر علييف إلى ابنه إلهام حيدر علييف في أكتوبر ٢٠٠٣م. كما كسبت تركيا سكوت واشنطن عن أية تجاوزات تقوم بها تجاه الحركة الكردية الانفصالية التي تسكن المنطقة التي يمر عبرها خط الأنابيب.
كان الكيان الصهيوني قد اقترب من خط باكو جيهان عبر البوابة العسكرية، إذ تعد اتفاقية التعاون العسكري الموقعة بين إسرائيل، وتركيا ٢٣ فبراير عام ١٩٩٦م التتويج الرسمي للتوصية الأمريكية بقيام تحالف صهيوني تركي لمواجهة التحالف الروسي - الإيراني – السوري.
وتزداد أهمية الشراكة التركية الصهيونية حول نفط قزوين بتحول الكيان الصهيوني من استهلاك النفط إلى الغاز، وبالتالي الاستفادة من أنابيب الغاز التي تمر بتركيا آتية من روسيا. ویری برادفورد و مصباحي أن عدم الثقة السياسية بين الحكومة المصرية وإسرائيل جعلت الاعتماد الصهيوني على مشروع نقل الغاز الطبيعي من الحكومة المصرية عبر سيناء إلى إسرائيل يتأخر لصالح نقل الغاز الروسي من روسيا عبر تركيا إلى الكيان الصهيوني (٣). وبعد انضمام تركمنستان إلى مشروع باكو -تبليسي- جيهان في شهر مايو ٢٠٠٥، فإنها قد تكون المرشحة الأولى لنقل الغاز إلى تركيا ومن ثم إلى الكيان الصهيوني بدلًا عن روسيا .
وفي المقابل، يمثل إقصاء الدور الإيراني عن نقل النفط القزويني سلبًا لأية مكاسب مستقبلية لطهران، وتعميقًا للخلاف بينها وبين أذربيجان رغم اشتراكهما في المذهب الشيعي، ووجود أقلية أذربيجانية كبيرة في إيران. هذا على الرغم من أن الاقتصاد الأذربيجاني كان حتى عام ١٩٩٥ مرتبطًا بالسوق الإيراني الذي ظل يستقبل ٨٠٪ من إجمالي صادرات باكو، وأغلب هذه الصادرات من النفط الخام الذي تعيد إيران تصديره في مقابل استيراد أذربيجان للسلع والمنتجات الإيرانية بمختلف أنواعها (٤).
وبرأي بعض الباحثين: فإن الصورة كانت ستتغير تمامًا في مواقع التحالفات السابقة لو استمر حزب الرفاه بقيادة نجم الدين أربكان في السلطة في تركيا، فقد حدثت فجأة حالة من التقارب بين أنقرة وطهران بين يونيو ١٩٩٦ ويونيو ١٩٩٧، وتناغمت العاصمتان في نقد الكيان الصهيوني والغرب، وهو الأمر الذي سرعان ما تغير بعد إزاحة أربكان عن السياسة التركية والتقارب الراديكالي بين تركيا وإسرائيل (٥).
غير بعيد، تؤكد بعض الدراسات وجود علاقة صهيونية مع تركمنستان، تجسدها شركة نفطية تعرف باسم مجموعة ميرهاف الصهيونية Mera group ويرأسها يوسف مايمان العميل السابق في المخابرات الصهيونية، وبحسب هذه الدراسات فإن مجموعة ميرهاف هي المسؤولة عن تطوير شبكات الغاز الطبيعي بالأراضي التركمانية، ولديها خطة لإقامة مصفاة للنفط في مدينة تركمانباشي على بحر قزوين (٦).
وتعمل ميرهاف على كسب السباق مع روسيا للوصول إلى تغطية السوق التركي بحاجته المتزايدة من استهلاك الغاز، ومن هناك إلى السوق الصهيونية. وبحسب المصدر السابق فإنه بالإضافة إلى مجموعة ميرهاف - والتي تمول السدود في جنوب تركيا لتقليص كميات مياه نهري دجلة والفرات الواصلة للعراق وسورية - فإن شركة ماجال Magal هي المسؤولة عن تأمين خط الأنابيب باكو - جيهان في كل من الأراضي الأذرية والجورجية وجزء كبير من الأراضي التركية (٧).
ولدي باحثين يهود (۸)، فإن ما يجمع أذربيجان والكيان الصهيوني أكثر من خط أنابيب، فالخوف من إيران والفزع من الجهاد الإسلامي، والشك في المواقف الروسية والصداقة مع تركيا، والرغبة في الاندماج مع الغرب كلها قواسم مشتركة. وحسبما تقول الحكمة السياسية، فإن الدول المحاطة بأعداء- مثل أذربيجان والكيان الصهيوني - عادة ما تبحث عن التحالف مع بعضها البعض.
ما يزيد تشابك الأوراق أن الشيشان ليست ببعيدة عن هذه التداخلات والصراعات، فقد رأى نفر من الباحثين الغربيين (۹) أن هناك دورًا مستترًا يلعبه اليهود الروس من رجال الأعمال المتصارعين مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بدعم عمليات الخطف واحتجاز الرهائن التي تنسب إلى المقاتلين الشيشان من خلال دعم هؤلاء بالأسلحة وتقنيات اختراق الأمن الروسي، وحسب هذا الرأي، فإنه ليس مهمًا لهؤلاء اليهود الروس أن تستقل الشيشان أو تبقى تحت السيطرة الحديدية الروسية، بل أن تنشغل روسيا في حرب ضروس في شمال القوقاز، فتتعطل قدراتها ومشاريعها لنقل نفط بحر قزوين عبر أراضيها وهى المشاريع الأرخص سعرًا والأقل تكلفة من نظيرتها في خط باكو - جيهان. وقد ترددت هذه الادعاءات خلال السنوات الماضية، ليس فقط باتهام إسرائيل واليهود الروس، بل واتهام موسكو لتركيا بالمساهمة في إشعال الأرض التي يمكن أن تمر عليها الأنابيب المنافسة لخط باكو – جيهان في الأراضي الشيشانية.
هل الفرصة ما زالت قائمة؟ بات من نافلة القول التقرير بأن الخاسر الأكبر في المشروعات الاقتصادية التي يتحالف فيها الكيان الصهيوني مع تركيا هما روسيا وإيران، لكن قليلين يدركون أن قسمًا مهمًا من المسؤولية يقع على كاهل الدول العربية والإسلامية التي تقاعست عن التغلغل الاقتصادي في الجمهوريات الإسلامية المتفككة عن الاتحاد السوفييتي.
لم نصل بعد إلى إدراك أن مساحات مهمة من التلاحم مع هذه الدول الإسلامية يأتي بحضور استثماري وتعاون اقتصادي بدرجة لا تقل أهمية عن الدعم الديني المباشر الممثل في بناء المساجد وتقديم منح دراسية للطلاب ما زالت الفرصة متاحة، ولدى هذه الدول قطاعات واسعة لحضور اقتصادي عربي، وإذا كانت المشروعات الزراعية بالسودان ومصر واليمن مازالت لا تشكل إغراء للأموال العربية، ففي دول آسيا الوسطى الإسلامية فرص مفتوحة لاستثمار يحقق منافع للسكان المحليين ومكاسب للمستثمرين، شريطة ألا تبحث هذه الاستثمارات عن أرباح سريعة من مسابقات الاتصال عبر الهواتف المحمولة وبيزنس الفيديو كليب!.
الهوامش
(1) Brooking Institute (2003) Baku -Tbilisi-Ceyhan roundtable Event Summary
March 4.2003
(۲) لمزيد من التفاصيل عن التنافسات الإقليمية لنقل النفط القزويني راجع عاطف عبد الحميد (۲۰۰۳) مشكلات تقاسم الثروة النفطية في بحر قزوين دراسة بصفحة قضايا وتحليلات
موقع الجزيرة نت بتاريخ ٢٠٠٣/٩/١٠
(3)Bradford.M & Mesbahi.M (2000) America's drive to the Caspian. In Amirahamdi H (ed) The Caspian region at a crossroad. St. Martin's press New york.
(4) Mehdi.A(1999)Towards the control of oil re-
sources in the Caspian region. St. Martin's press. New york.
(5) Kemp.G (2000) US - Iranian relations: com- petition or cooperation in the Caspian Sea ba- sin. In Ebel R & Menon R (eds) Energy and conflict in Central Asia and the Caucasus. Row- man & Littlefield pub. London
(6) Bollyn C (2001) The Great Game the war for Caspian oil and gas. American free press.net (7) Bullyn C (2001) The Great Game - The war for Caspian oil and gas. American free press.net. www.rense.com/general 15/game.htm
(8) Greene R (2002) Greater ties for Is- rael Azerbaijan Cleveland Jewish News.
(۹) راجع في ذلك
Leupp G (2004) The problem of Chech
nya European Islam and the Caucasian war on
terrorism CounterPunch
www.counterpunch.org/leupp2142004 htm
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل