; الأعوان الصالحون.. طريق المسلم للتغيير (1 من 2) | مجلة المجتمع

العنوان الأعوان الصالحون.. طريق المسلم للتغيير (1 من 2)

الكاتب حجازي إبراهيم

تاريخ النشر الثلاثاء 14-نوفمبر-1995

مشاهدات 78

نشر في العدد 1175

نشر في الصفحة 54

الثلاثاء 14-نوفمبر-1995

* تكسير الأصنام قبل تغيير عقيدة عبادها يجعلهم يصنعون بدل الصنم أصنامًا.

إن العمل للإسلام يفرض نفسه على الساحة الإسلامية في شتى البقاع، ويدعى إليه كل مسلم، محب لربه، راغب في إعلاء كلمته، وإظهار دينه، ﴿حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ (الأنفال:39).

إلا أنه مما يجب أن نلفت النظر إليه، أن هذا العمل لا يكفي فيه الإخلاص وحده، كما لا تكفي فيه الشجاعة والإقدام والرغبة في بذل النفس في طاعة الله.

وإنما لابد مع ذلك كله من الذكاء، والدهاء، وحسن المناورة، وبعد الغور، وطول النفس، كما أنه لابد أن يكون على بصيرة وفقه في دين الله وسنة الله في التغيير، وأن منطلقها النفس ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ (الرعد:11) فتغيير المنكر على الأرض قبل تربية النفس وتغييرها ضرب من الخيال، فإذا كسر صنمًا من الحجر أو البشر فسيقيمون أصنامًا طالما أن النفس بها هائمة، وإذا كسر خمارة فسيشيدون خمارات طالما أن النفس ما زالت سكرى.

كما أن عليه أن يلم بضوابط وقواعد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وحدوده، وسوف نلمح إلى تلك المعاني السالفة الذكر وغيرها من خلال موقف جليل لعالم فاضل، قال عنه السمعاني: «كان فقيهًا فاضلًا، قتله أبو مسلم الخراساني بمرور سنة إحدى وثلاثين ومائة»(2).

إنه: إبراهيم بن ميمون الصائغ المروزي، وقصته كما يرويها ابن المبار: «لما بلغ أبا حنيفة قتل إبراهيم الصائغ بكى، حتى ظننا أنه سيموت، فخلوت به، فقال: كان والله رجلًا عاقلًا، ولقد كنت أخاف عليه هذا الأمر، قلت: وكيف كان سببه؟ قال: كان يقدم ويسألني، وكان شديد البذل لنفسه في طاعة الله تعالى، وكان شديد الورع، وكنت ربما قدمت إليه بالشيء، فيسألني عنه، ولا يرضاه، ولا يذوقه، وربما رضيه، فأكله، فيسألني عن الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، إلى أن اتفقنا على أنه فريضة من الله تعالى فقال لي: مد يدك حتى أبايعك.

فأظلمت الدنيا بيني وبينه، فقلت- القائل هو ابن المبارك- ولم؟ قال: دعاني إلى حق من حقوق الله تعالى، فامتنعت عليه، وقلت له: إن قام به رجل واحد قتل، ولم يصلح للناس أمر، ولكن إن وجد أعوانًا صالحين، ورجلًا يرأس عليهم مأمونًا على دين الله، فنعم.

وكان يقتضي ذلك كلما قدم على تقاضي الغريم الملح، فأقول: هذا أمر لا يصلح بواحد، ما أطاقته الأنبياء حتى عقدت عليه من السماء، وهذه فريضة ليست كالفرائض، يقوم بها الرجل وحده، وهذا متى أمر الرجل به وحده أشاط بدمه، وعرض نفسه للقتل، فأخاف أن يعين الرجل على قتل نفسه، ولكن ننتظر، فقد قالت الملائكة، ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا﴾ (البقرة:30).

ثم خرج إلى مرو، حتى كان أبو مسلم، فكلمه بكلام غليظ، فأخذه، فاجتمع عليه فقهاء خراسان وعبادهم، حتى أطلقوه، ثم عاوده، فزجره، ثم عاوده، ثم قال: ما أجد شيئًا أقوم به لله تعالى أفضل من جهادك، ولأجهادنك بلساني، ليس لي قوة بيدي، ولكن يراني الله وأنا أبغضك فيه، فقتله، رحمه الله تعالى.

وعن يزيد النحوي، قال: أتاني إبراهيم الصائع، فقال لي: ما ترى ما يصنع هذا الطاغية- يعني أبا مسلم الخراساني- إن الناس معه في سعة غيرنا أهل العلم، قال: قلت، لو علمت أنه يصنع بي إحدى الخصلتين لفعلت، إن أمرت ونهيت، يقبل منا، أو يقتلنا، ولكن أخاف أن يبسط علينا، وأنا شيخ كبير لا صبر لي على السياط.

فقال الصائغ: لكن لا أنتهي عنه، قال: فذهب إبراهيم، فدخل على أبي مسلم، فأمره ونهاه، فقتله على ذلك.

دعائم فقه الدعوة

من خلال هذا الموقف نستطيع أن نرى بعض الدعائم الأساسية لفقه الدعوة.

ليس كل حق صالح للقيام به، لمجرد أنه حق في ذاته، ولكن لابد من استجماع لعوامل نجاحه، حتى يؤدي إلى النتائج المرجوة، ترى ذلك في امتناع أبي حنيفة، حيث لم يمتنع رفضًا للحق أو قعودًا عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أو خوفًا على حياته، وإنما تأبى عليه، لأن القيام به من قبل فرد أو اثنين أو عشر، لن يصلح أمر الناس، ثم هو بعد ذلك يرسم الطريق السوي لمن يرغب في العمل لإصلاح أمر الناس في قولته:

«إن وجد أعوانًا صالحين، ورجلًا يرأس عليهم مأمونًا على دين الله فنعم»، فإذا ما ألح عليه مرة أخرى قال: «هذا أمر لا يصلح بواحد».

«هذا متى أمر الرجل به وحده أشاط بدمه، وعرض نفسه للقتل، فأخاف أن يعين على قتل نفسه».

رسالة المسلم: إيجاد أعوان صالحين

إن المسلم من خلال تلك الكلمات يدرك الدور المنوط به من أجل الإصلاح، ألا وهو: أن يعمل على إيجاد أعوان صالحين، وليعلم المسلم أن ذلك ليس بدعة من أبي حنيفة، ولكنه منهج الرسول صلى الله عليه وسلم حيث ظل يعرض دعوته على كل وافد، وينتقل بها إلى الطائف، ويستقبل وفود الحجيج في كل عام، من أجل أن يجد أعوانًا صالحين، لحمل دعوته، والذود عنها، وظل على ذلك، حتى التقى بالأنصار بمكة، وكانوا في أول مرة ستة نفر، وما إن يسلموا إلا ويستوعبوا المنهج، ويعلموا أن واجبهم أن يوجدوا أعوانًا، فما إن قفلوا إلى المدينة، حتى عملوا على ذلك، فإذا بهم في العام التالي اثنا عشر رجلًا، ويتخلف واحد، فيعقد له الرسول صلى الله عليه وسلم بيعة العقبة الأولى، ويرجعون إلى المدينة، ومعهم مصعب بن عمير، ويواصلون العمل، وينتقلون بدعوتهم من بيت إلى بيت، ومن قبيلة إلى قبيلة، لإيجاد الأعوان الصالحين، فإذا ما حل موسم الحج في العام التالي خرجوا في موكب من الصالحين عدده ثلاثة وسبعون رجلًا وامرأتان، يضاف إليهم المهاجرون، وعلى رأس الجميع رسول الله صلى الله عليه وسلم.

هذا هو المنهج، وذلك هو الطريق، يتخلص في إيجاد أعوان صالحين يرأسهم رجل مأمون على دين الله.

خصائص الأعوان الصالحين

وحتى نتبين سمات الرجال الذين يصلحون لحمل هذا الدين، وتبليغه للعالمين، فإننا نجلي هذا بتأملات في بيعتي العقبة الأولى والثانية، فعن طريقهما أوجد الرسول صلى الله عليه وسلم الأنصار «الأعوان الصالحين».

أ- خصائص مستقاة من بيعه العقبة الأولى: عن عبادة بن الصامت- رضي الله عنه- قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال وحوله عصابة من أصحابه، تعالوا بايعوني على ألا تشركوا بالله شيئًا، ولا تسرقوا، ولا تزنوا، ولا تقتلوا أولادكم، ولا تأتوا ببهتان تفترونه بين أيديكم وأرجلكم، ولا تعصوني في معروف، فمن وفى منكم فأجره على الله، ومن أصاب من ذلك شيئًا فعوقب به في الدنيا فهو كفارة، ومن أصاب من ذلك شيئًا فستره الله فأمره إلى الله إن شاء عاقبه، وإن شاء عفا عنه، قال، فبايعناه على ذلك»(3).

من خلال بنود هذه البيعة نجد أنها تأخذ مسارين في النفس البشرية.

1- بناء الإيمان الصحيح المنبعث من عقيدة التوحيد الخالص والخالي من الشرك.

2- بناء الخلق المتين الذي يبدأ بالتطهر من أوحال الجاهلية، يتبع ذلك بالاستجابة لنداء المعروف، ولن يتحقق ذلك، إلا بأن تتصل القلوب بالآخرة، وبما عند الله، وفي نفس الوقت هو يخلعها من الشد إلى الأرض والطين المتمثل في الحياة الدنيا بكل شهواتها، ترى ذلك في وعده لمن وفي ببيته، إنه لم يعده بملك، او إمارة، أو أموال، أو شيئًا من حطام الدنيا الفاني، وإنما وعده الجنة، وذلك ما أكده رب العالمين في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ (التوبة:11)، كما تراه في قوله صلى الله عليه وسلم: «صبرًا آل ياسر فإن موعدكم الجنة»(4).

فالمسلم حين يسعى متحملًا للشدائد والصعاب، يكون على يقين ثابت، وإيمان راسخ بأن مراده وبغيته الفوز بالجنة، ولو فاتته الدنيا بكل ما فيها ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ (آل عمران:185)، ﴿لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ (الحشر:20).

بل إن النصر والتمكين في الأرض على الرغم من حب النفس له وتعلق القلب به، يأتي في المرتبة الثانية في موعود الله حين يرشدنا إلى التجارة المنجية من العذاب والموصلة إلى المساكن الطيبة في جنات عدن فيقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (الصف:10- 13).

ب- خصائص مستقاة من بيعة العقبة الثانية: عن جابر- رضي الله عنه- قال: قلنا: يا رسول الله علام نبايعك؟

قال: «تبايعوني على السمع والطاعة في النشاط والكسل، والنفقة في العسر واليسر، وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأن تقولوا في الله لا تخافوا في الله لومة لائم، وعلى أن تنصروني، فتمنعوني إذا قدمت عليكم مما تمنعون منه أنفسكم وأزواجكم وأبناءكم ولكم الجنة».

فقمنا إليه وأخذ بيده أسعد بن زارة وهو من أصغرهم، فقال: رويدًا يا أهل يثرب، فإنا لم نضرب إليه أكباد الإبل، إلا ونحن نعلم أنه رسول الله، وإن إخراجه اليوم مناوأة للعرب كافة، وقتل خياركم، وتعضكم السيوف، فإما أنتم قوم تصبرون على ذلك فخذوه وأجركم على الله، وإما أنتم قوم تخافون من أنفسكم خيفة، فذروه، فبينوا ذلك، فهو أعذر لكم عند الله، قالوا: أمط عنا يا أسعد، فوالله لا ندع هذه البيعة، ولا نسلبها أبدًا.

قال: فقمنا إليه فبايعناه، وأخذ علينا وشرط، ويعطينا على ذلك الجنة(5).

أبو الهيثم التيهان

أخرج الطبراني أن أبا الهيثم- رضي الله عنه- أقبل على قومه فقال: «يا قوم، هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم أشهد أنه لصادق، وإنه اليوم في حرم الله وأمنه، وبين ظهري قومه وعشيرته، فاعلموا أنه إن تخرجوه رمتكم العرب عن قوس واحدة، فإن كانت طالبت أنفسكم بالقتال في سبيل الله، وذهاب الأموال والأولاد فادعوه إلى أرضكم، فإنه رسول الله حقًّا.. وإن خفتم خذلانًا فمن الآن».

أما العباس بن عبادة بن نضلة فيقول: «يا معشر الخزرج، هل تدرون علام تبايعون هذا الرجل؟ قالوا: نعم، قال: إنكم تبايعونه على حرب الأحمر والأسود من الناس، فإن كنتم ترون أنكم إذا أنهكت أموالكم مصيبة، وأشرافكم قتلًا أسلمتموه، فمن الآن، فهو- والله إن فعلتم- خزي الدنيا والآخرة، وإن كنتم ترون أنكم وافون بما دعوتموه إليه على نهكة الأموال، وقتل الأشراف فخذوه، فهو- والله- خير الدنيا والآخرة؟ قالوا: فإنا نأخذه على مصيبة الأموال، وقتل الأشراف، فما لنا بذلك- يا رسول الله- إن نحن وفيان؟ قال: «الجنة»، قالوا: ابسط يدك، فبسط يده، فبايعوه».

(1 ) من علماء الأزهر.

(2 ) الجواهر المضية 1/ 49، والبداية يوالنهاية 10/ 70.

(3 ) الجواهر المضية 1/ 49، والبداية والنهاية 10/ 70.

(4 ) فتح الباري 7/ 219) 3892.

(5 ) حلية الأولياء 1/ 140.

الرابط المختصر :