; الأمانة.. عماد المجتمع المسلم | مجلة المجتمع

العنوان الأمانة.. عماد المجتمع المسلم

الكاتب عبدالمنعم أبو الفتوح

تاريخ النشر السبت 11-أكتوبر-2008

مشاهدات 79

نشر في العدد 1822

نشر في الصفحة 48

السبت 11-أكتوبر-2008

 وردت الأمانة في القرآن الكريم بصيغة الجمع في إشارة إلى أنها تشمل أنواعًا وأشكالًا مختلفة

 الأموال والمناصب الاجتماعية والسياسية. من الأمانات التي يجب حفظها وأداء مسؤوليتها

 المسؤولية والتكليف هي الأمانة - الإلهية العظيمة التي حملها الإنسان وعجزت عنها السموات -والأرض والجبال

 الأمانة.. من أهم الفضائل الأخلاقية التي جاء بها الإسلام وحض عليها بوضوح وتأكيد؛ فهذا الخلق له أهمية كبيرة على مستوى بناء شخصية المسلم كما ينشدها الإسلام، وعكسها الخيانة التي هي من أحط وأرذل الصفات والعياذ بالله.

 و وتزداد الخيانة سوءًا حين تكون من البطانة أي من الداخل كما قال رسول الله ﷺ: «بئس البطانة الخيانة». ذلك أن الأمانة هي عماد المجتمع المسلم الذي جميع الروابط بين الناس أفرادًا وجماعات.

الأمانة من الصفات التي تربط الإنسان بالله سبحانه تعالى من جهة، وتربطه بغيره من الناس من جهة ثانية، ومن جهة أخرى ترسم علاقته مع نفسه فالإنسان الأمين مع نفسه إنسان اقترب كثيرًا من الفلاح والصلاح.

ويتسع مفهوم الأمانة لأبعاد مختلفة وواسعة من حياة الإنسان؛ فالأموال والثروات والمناصب أمانة.. الأطفال أمانة لدى والديهم.. الطلاب أمانة لدى معلميهم.. المرضى أمانة لدى أطبائهم.. الآلة أمانة لدى العامل.. السيارة والحافلة أمانة لدى السائق.. وهكذا.

وإلهامنا في ذلك حديث رسول الله ﷺ: «كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته».

الماء والتراب والهواء وجميع ما خلقه الله تعالى من الكائنات الطبيعية لتيسير حياة الإنسان في حياته الدنيا، أمانة يُعد التفريط فيها وعدم أداء حقها خيانة.. هكذا ببساطة شديدة، الأموال، والثروات المادية والمقامات والمناصب الاجتماعية والسياسية هي أيضا أمانات في يد الناس، ويجب عليهم مراعاتها من موقع الحفظ وأداء المسؤولية.

 القرآن الكريم يحدثنا مباشرة عن مدى أهمية هذه الفضيلة العظمى ﴿وَٱلَّذِينَ هُمۡ لِأَمَٰنَٰتِهِمۡ وَعَهۡدِهِمۡ رَٰعُونَ﴾ (المؤمنون8:).

﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أن تحكموا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ (النساء58:).

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (الأنفال27:).

﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضًا فَلْيُؤَدَ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلۡيَتَّقِ ٱللَّهَ رَبَّهُ﴾ (البقرة:(283

﴿إِنَّا عَرَضۡنَا ٱلۡأَمَانَةَ عَلَى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَٱلۡجِبَالِ فَأَبَيۡنَ أَن يَحۡمِلۡنَهَا وَأَشۡفَقۡنَ مِنۡهَا وَحَمَلَهَا ٱلۡإِنسَٰنُۖ إِنَّهُۥ كَانَ ظَلُومٗا جَهُولٗا﴾ (الأحزاب72:).

 ولنلحظ ورود الأمانة في صيغة الجمع.. «الأمانات» في إشارة إلى أن الأمانة لها أنواع وأشكال مختلفة، كما نلحظ ارتباطها في إحدى المواضع بالوفاء بالعهد، وفي موضع آخر بالعدل في الحكم؛ باعتبار ألا يمكن أن يكون عهد ولا عدل بلا أمانة.

ورغم أن العدل له مكانة رفيعة في المفهوم الإسلامي، فقد ورد الأمر بأداء الأمانة قبله، وهي إشارة مفهومة.

تحدث العلماء عن ثلاثة أنواع من الأمانة؛ الأمانة مع الله، والأمانة مع الناس، والأمانة مع النفس.

الأمانة مع الله في تقواه، وصدق العبودية له سبحانه، وإخلاص العمل في السر والعلن.

 الأمانة مع الناس، والتي هي من قبيل الودائع التي يضعها بعض الناس لدى البعض الآخر، وكذلك ترك التطفيف في الميزان، وفي البيع والشراء، وترك الغيبة وباقي الأمور المتعلقة بالشؤون المالية، أو بأسرار المعيشة والحياة الشخصية لدى الأشخاص وما إلى ذلك من مناحي السلوك مع الآخرين.

 وقد قال رسول الله ﷺ لأبي ذر يا أبا ذر.. المجالس بالأمانة وإفشاء سر أخيك خيانة. أما أمانة الإنسان بالنسبة إلى نفسه، فيرى فيها العلماء أن على الإنسان أن يختار لنفسه خير الدين والدنيا ولا يستسلم لدوافع الشهوة والغضب والزيغ والانحراف، وإهماله لوقته وصحته وماله، وكل ذلك مما يترتب عليه ذنوب وآثام؛ فهذا من أمانته مع نفسه.

وهناك الأمانة مع النبي ﷺ بصون الدين الذي أودعه النبي لدى أمته.

أما عن الأمانة الإلهية العظيمة التي عجزت السموات والأرض والجبال عن حملها وحفظها ولكن الإنسان حملها ﴿إِنَّا عَرَضۡنَا ٱلۡأَمَانَةَ عَلَى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَٱلۡجِبَالِ فَأَبَيۡنَ أَن يَحۡمِلۡنَهَا وَأَشۡفَقۡنَ مِنۡهَا وَحَمَلَهَا ٱلۡإِنسَٰنُۖ إِنَّهُۥ كَانَ ظَلُومٗا جَهُولٗا﴾ (الأحزاب72:) . أورد المفسرون أن المقصود من الأمانة الإلهية الكبيرة هذه هو المسؤولية والتكليف الملقى على عاتق الإنسان؛ حيث لا يتيسر ذلك إلا بوجود العقل والحرية والإرادة مناط التكليف والمسؤولية.

 فإن التكليف والمسؤولية أمام الله تعالى والناس والنفس هي وظيفة ثقيلة لا يكاد يتحملها ولا يليق بحملها أي موجود آخر سوى الإنسان؛ لذلك فقد جعل الله تعالى العقل والحرية والإرادة مناط الثواب والعقاب ومجموع هذه الصفات الثلاث تبين مكانة الإنسان بين المخلوقات، بحيث اختاره الله لمقام الخلافة الإلهية، ولكن هذا الإنسان لم يقدر هذا المقام الرفيع وميزه على سائر المخلوقات الأخرى.

 ولكنَّ الإنسان لم يقدر هذا المقام الرفيع، وتورط في منزلقات الشهوة والهوى، وبذلك ظلم نفسه وجهل قدرها، وحرمها من نيل السعادة العظيمة التي تنتظره في حركته نحو الحق والانفتاح على الله؛ فكون الإنسان ظلومًا وجهولًا إنما هو لم يكن بسبب قبول هذه الأمانة الإلهية؛ لأن قبولها علامة العقل وسبب الافتخار ومن دون ذلك لا يصل إلى مقام الخلافة الإلهية، بل كونه ظلومًا وجهولًا بسبب عدم حفظ هذه الأمانة وسلوكه طريق الخيانة في أداء هذه المسؤولية الكبيرة.

 وإذا كانت خيانة الأمانة تنشأ عن الظلم والجهل، فإن حفظ الأمانة يدل على العقل والعدل.

 وفي الحديث عن رسول الله ﷺ أنه قال: »أدِّ الأمانةَ للبرِّ والفاجر، فيما قلَّ وجلَّ، حتى في الخيط والمخيط« وكررها ثلاثًا.

 وورد عنه ﷺ توصيف شديد؛ حيث قال: »لا تنظروا إلى كثرة صلاتهم وصومهم وكثرة الحج وطنطنتهم بالليل ولكن انظروا إلى صدق الحديث وأداء الأمانة.. وقال: لا تزال أمتي بخير ما تحابوا وتهادوا وأدوا الأمانة واجتنبوا الحرام ووقروا الضيف وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة: فإذا لم يفعلوا ذلك ابتلوا بالقحط والسنين».

ومما يروى عن علي بن أبي طالب أنه قال: «لا تنظروا إلى طول ركوع الرجل وسجوده؛ فإن ذلك شيء اعتاده، فلو تركه استوحش لذلك، ولكن انظروا إلى صدق حديثه وأداء أمانته».

ولعلنا نفهم من مقولة الصحابي الجليل عليّ بن أبي طالب سبب انتشار مظاهر التدين بين الناس على حين أن أغلب معاملاتهم تخلو من الصدق والعدل الذي يتناسب مع كل هذا التدين ولنقف كثيرًا عند جملة »شيء اعتاده لو تركه استوحش، فالدين كما يقول ابن القيم هو الخلق فمن زاد عنك في الخلق زاد عنك في الدين، ومن نقص عنك في الخلق نقص عنك في الدين».

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 775

76

الثلاثاء 15-يوليو-1986

مسؤولية المسلمين اليوم

نشر في العدد 1550

73

السبت 10-مايو-2003

فتاوى المجتمع (1550)

نشر في العدد 1856

76

السبت 13-يونيو-2009

ملوك الآخرة.. قالوا سلامًا