العنوان ملوك الآخرة.. قالوا سلامًا
الكاتب د.عبدالحميد البلالي
تاريخ النشر السبت 13-يونيو-2009
مشاهدات 75
نشر في العدد 1856
نشر في الصفحة 56
السبت 13-يونيو-2009
تناولنا في الحلقة السابقة تجسيد الرسول ﷺ لصفة التواضع، ونبدأ في هذه الحلقة بالصفة الرابعة وهي ، قالوا: سلامًا ، ولكن لابد من استعراض أنواع الجاهلين قبل تناول هذه الصفة.
أنواع الجاهلين:
يقول تعالى إتمامًا لصفات عباد الرحمن... ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَٰنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾ (الفرقان:٦٣) ولأنهم اختاروا طريق الدعوة إلى الله تعالى الذي يقتضي الاحتكاك والمخالطة مع الآخرين
فلابد من استقبالهم وسماعهم لكلام الجاهلين واعتراضهم، وهذا يستلزم معرفة أنواع الجاهلين وهم خمسة أنواع:
النوع الأول: الذين لا يدركون الهدف الذي خلقوا من أجله
حيث إن الله سبحانه وتعالى خلقنا من أجل هدف واضح ﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (الذاريات: ٦٣)، العبادة هي الهدف من الخلق والذي أدرك هذا من الناس قليل، حيث إن معظم الناس يعيشون ليومهم، ويعيشون لدنياهم ويعيشون للمال والنساء، والدرهم والشهوة والمناصب والقصور والدواب والملابس والطعام وغيرها من أمور الدنيا، ولا يدركون لماذا خلقهم الله سبحانه وتعالى، ولا الهدف الذي خلقوا من أجله، سواء كانوا مسلمين، أو غير مسلمين. فيكرسون حياتهم كلها وانشغالاتهم، ورواحهم وغدوهم وولاءهم، وبراءهم، كل ذلك يكرسونه لوسيلة من هذه الوسائل، ويبتعدون عن الهدف الذي خلقوا من أجله، بل يجعلون العبادة أمرًا ثانويًا.
النوع الثاني : الجاهلون بأوامر الشرع ونواهيه
وهم الذين يجهلون بعض أو جميع أوامر الشرع أو نواهيه، وشعارهم الذي يرفعونه في أوجه الناجحين هكذا يقولون ولا يدركون الحرام من الحلال ﴿ بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىٰ آثَارِهِم مُّهْتَدُونَ﴾ (الزخرف:٢٢)، وهؤلاء أيضًل يشكلون طائفة كبيرة من الناس.
النوع الثالث: الجاهلون للعقوبة التي فرضها الله تعالى على المعرضين
سواء ببعض المعاصي أو كلها، فيجهلون العقوبة التي تترتب على أكل مال اليتيم بغير حق، ويجهلون العقوبة التي تترتب على ترك صلاة الجماعة على سبيل المثال، أو التعامل بالربا أو الاحتكام لغير شرع الله، ويجهلون عقوبة خيانة الأمانة، وتعاطي المخدرات والخمور، ولهذا السبب يستمرون في فعل المعصية.
النوع الرابع: الجاهلون بحقيقة هذه الدنيا وصغرها
وهم مسلمون مثلنا، يصلون ربما، ويصومون ولكنهم تغيب عنهم حقيقة كبرى، وهي أن هذه الدنيا التي نعيش فيها هي أرض اختبار حقيقي.. كأنها قاعة امتحان كبيرة كتلك التي يختبر بها الطلاب، عدا أن المراقبين فيها على أطراف هذه القاعة، وداخلها هم من الملائكة الذين هم على أكتافنا ﴿ بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىٰ آثَارِهِم مُّهْتَدُونَ﴾ ﴿ مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ (ق:١٧ ١٨)، حافظ يسجل كل ما نقول أي لفظة مهما صغرت، حتى جاء في الحديث: « إن الرجل ليتكلم بالكلمة لا يرى بها بأسا ، يهوى بها سبعين خريفا في النار (۱) كلمة أو عبارة لا تضيع عند الله، ولا تذهب أدراج الرياح، بل مسجلة على العبد. إذا هي أرض أو قاعة اختبار المراقبون على الممتحنين من الملائكة يسجلون كل كلمة، وهذه الأرض أرض اختبار عجيبة، فقد تعودنا في قاعات الاختبار في الدنيا، أن الطلبة لا يعرفون الأسئلة، وهم يدرسون المنهج ويقدمون على قاعة الاختبار وهم يجهلون الأسئلة التي ستوجه إليهم بينما الناس في أرض الاختبار في الدنيا يعلمون الأسئلة علم اليقين، فقد قدمها وأعلنها الله سبحانه وتعالى للناس جميعًا، كما أعلن الأجوبة وأعطى فرصة للناس، أن يسجلوا ويدونوا الأجوبة، ومن دون هذه الأجوبة هو الفائز يوم القيامة، ولكن الناس تقاعسوا عن كتابة الإجابة لأنهم ربما شعروا بأنهم خالدون في هذه الأرض، ولن تسحب أوراق الاختبار من أيديهم أبدًا ، ونسوا أو ظنوا أن هذا الاختبار من غير نهاية، إنه وقت محدد، وكذلك في أرض الاختبار الدنيا، إنه وقت محدد يعيد فيه الإنسان على هذه الأرض ولا بد أن يغادرها لابد أن ينتهي الوقت المخصص لكل ممتحن منا، كما قال النبي مالي وللدنيا ؟ ما أنا في الدنيا إلا كراكب استظل تحت شجرة ثم راح وتركها (۲)، فلكل منا فترة استظلال منا من لا تتجاوز فترة استظلاله يوماً أو ساعة، فبمجرد أن يخرج جنيناً من بطن أمه ينتهي أجله، ومنا من يتجاوز السنة والسنتان والثلاث والأربع ومنا من يتجاوز السبعين والثمانين وحتى المائة ولكن لا بد أن يغادر قاعة الاختبار الكبرى، فقد أعطانا الله فيها الأسئلة، وأعلن الأجوبة، وقام سبحانه وتعالى وجعل الامتحان على طريقة الكتاب المفتوح أمامنا الأسئلة وأمامنا الأجوبة وما علينا إلا أن ندون، ونسابق الزمن لندون الإجابة، وعندما يجهل الممتحن الوقت فهذا أدعى أن يسابق الزمن حتى لا يقال: قد انتهى الوقت، وحتى لا تسحب منه ورقة الامتحان منه على حين غفلة من أمره، والذكي الكيس هو من سابق الوقت، وسابق الساعات، لأنه لا يعلم متى تسحب منه الورقة، إنها أرض اختبار عجيبة لا بد للمسلم أن يستشعر استشعارًا حقيقيًا أنه في أرض اختيار ﴿وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الْأَرْضِ أُمَمًا ۖ مِّنْهُمُ الصَّالِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذَٰلِكَ ۖ وَبَلَوْنَاهُم بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ (الأعراف:١٦٨)، ﴿ الم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ* وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۖ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ (العنكبوت: 1- 3)، إنه اختبار تلو اختبار ليعلم الله سبحانه وتعالى الصادق من الكاذب، إذا هذه طائفة كبيرة من الجاهلين بحقيقة هذه الدنيا وصغرها، و ﴿ يَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ ۚ وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا﴾ (طه: 102)، تزرق وجوههم من الخوف والفزع و ﴿ يَتَخَافَتُونَ بَيْنَهُمْ إِن لَّبِثْتُمْ إِلَّا عَشْرًا﴾ (طه:١٠٣)، يستيقنون في ذلك اليوم عندما يكشف الله الحجاب عن العيون ﴿ لَّقَدْ كُنتَ فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَٰذَا فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾ (ق:٢٢)، هنا يدركون حقيقة الدنيا أنها كانت قصيرة قليلة، لو أنهم أدركوا حقيقتها لما عصى فيها عاص أبدًا.
-------------------------------
الهوامش
(۱) رواه الترمذي، وصححه الألباني (ص ج ص ١٦١٨).
(۲) رواه الترمذي في الزهد (۲۳۷۸)
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل
نشر في العدد 2034
85
السبت 05-يناير-2013