; كلماتٌ لها صدى.. الأمة الواحدة | مجلة المجتمع

العنوان كلماتٌ لها صدى.. الأمة الواحدة

الكاتب الشيخ حسن البنا

تاريخ النشر السبت 09-يوليو-2005

مشاهدات 87

نشر في العدد 1659

نشر في الصفحة 46

السبت 09-يوليو-2005

«هناك كلمات تظلّرغم تباعد الزمانذات صدى طيب،  فتنفُذ أعماق الواقع وتعالج عللَه.. ومنها الكلمات التي خطَّها الشيخ حسن البنا -يرحمه الله- قبل سبعه وخمسين عامًا، تمثل نموذجًا على ذلك».

﴿وإِنَّ هَٰذِهِۦٓ أُمَّتُكُمۡ أُمَّةٗ وَٰحِدَةٗ وَأَنَا۠ رَبُّكُمۡ فَٱتَّقُونِ فَتَقَطَّعُوٓاْ أَمۡرَهُم بَيۡنَهُمۡ زُبُرٗاۖ كُلُّ حِزۡبِۭ بِمَا لَدَيۡهِمۡ فَرِحُونَ فَذَرۡهُمۡ فِي غَمۡرَتِهِمۡ حَتَّىٰ حِينٍ﴾ (سورة المؤمنون آية: 52: 54).

لهذا الإسلام في الوجود مهمتان:

أولاهماصياغة الأفراد صياغة إنسانية جديدة، أساسها الصلة بالله والتعرف إلى الملأ الأعلى، وإبراز خصائص الإنسان العليا، وتطهيره من أدران الغرائز الدنيا، والتّجافي به عن كل ما لا يتفق مع كمال إنسانيته، وطبيعة فطرته وميزته، واستكمال معاني القوة والجمال والسمو ببدنه وعقله ووجدانه ليكون في أحسن تقويم، وإنّما يكون ذلك بالقدوة الصالحة، والفكرة الصالحة والتزكية الصالحة، ﴿ رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ ۚ إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (سورة البقرة آية: 129).

وثانيتهما صياغة المجتمع البشري صياغةً إنسانيةً عالمية جديدة، كذلك بتأليف بناء متماسك قائم ومجتمع موحد فاضل من هذه اللبنات الصالحة، يبدأ بالجماعة الممتازة، ويتطور إلى الأمة الممتازة، ويسري وينتشر ويعم حتى يشمل العالم كله فيتحقق قول الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾ (سورة الأنبياء آية: 107)، وقول الله تعالي﴿ كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ۗ ﴾ (سورة آل عمران آية: 110).

ومن هنا كانت الجماعة التي تؤمن بالإسلام، والشّعب الذي يؤمن بالإسلام، ومجموعة الشعوب التي تؤمن بالإسلام.. مهما اختلفت أوطانها وألوانها وأجناسها وناسها تعتبر جميعًا في عرف الإسلام أمة واحدة، قوية التماسك عظيمة الترابط، قد ارتقتْ صلتها إلى درجة الأُخوة، ثم تجاوزتها إلى الحبّ، ثم علت حتى صارت الإيثار﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ ۚ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (سورة الحشر آية: 9) ومن هنا كان الإسلام عقيدة وجنسية ليستْ جنسية الدم والأرض، ولكنّها جنسية الأُخوَّة والروح، وهي أقوى وأفعل.

ومن هنا جاء القرآن يقرِّر هذه الحقائق فيقول﴿ وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ۚ﴾ (سورة التوبة آية۷۱)، ﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ (سورة الحجرات آية: ١٠ويقول﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾ (سورة آل عمران آية: 103)، ويؤكد النبي صلى الله عليه وسلم هذا المعنى في أحاديثه الشريفة فيقول: «مثل المؤمنين في توادّهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسّهر والحمى»، ويقول: «لن تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا- ولن تؤمنوا حتى تحابوا، ألا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم»، ويقول: «إن أحبكم إلي وأقربكم مني مجلسًا يوم القيامة، أحاسنكم أخلاقًا.. الموطؤون أكنافًا الذين يألفون ويؤلفون، وإن أبغضكم إلي وأبعدكم مني مجلسًا يوم القيامة، المشّاؤون بالنميمة المفرقون بين الأحبة والملتمسون للبُرءاء العيب».

وكما قرّر الإسلام لهذه الوحدة هذه المعاني الإيجابية، فقد حرِص على أن يحتاط من الناحية السلبية، فيُحذِّر أمّته من كل معاني الفرقة وعواملها، فيقول القرآن الكريم﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ۖ وَاصْبِرُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ (سورة الأنفال آية 46)، ويقول﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ عَسَىٰ أَن يَكُونُوا خَيْرًا مِّنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِّن نِّسَاءٍ عَسَىٰ أَن يَكُنَّ خَيْرًا مِّنْهُنَّ ۖ وَلَا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ ۖ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ ۚ وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ ۖ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا ۚ أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ﴾ (سورة الحجرات آية: 11- 12)، ويقول النبي ﷺ: «ألا أدلّكم على أفضل من درجة الصلاة والصوم- وفي رواية: والصدقة؟: قالوابلى يا رسول الله- قال: «إصلاح ذات البين- فإنّ فساد ذات البين هي الحالقة.. لا أقول تحلق الشعر ولكن تحلق الدين».

وكثيراً ما ترِد كلمة الإيمان بمعنى الوحدة وكلمة الكفر بمعنى الفرقة في لسان الكتاب والسنة فيقول القرآن الكريم﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تُطِيعُوا فَرِيقًا مِّنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنتُمْ تُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ ۗ وَمَن يَعْتَصِم بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ (سورة آل عمران آية: 100- 101)، وسياق الآيات وحادثة نزولها تعين أن المعنى-  والله أعلم-: يردوكم بعد وحدتكم متفرقين، وكيف تتفرقون وأنتم تتلى عليكم آيات الله وفيكم رسوله؟ ومن يعتصم بالله فقد هدي إلى صراط مستقيم- ويقول الرسول ﷺ: «لا ترجعوا بعدي كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض»، والسياق والحادثة كذلك يحتملان أن يكون المعنى لا ترجعوا بعدي مختلفين يضرب بعضكم وجوه بعض، وفي هذا الاستعمال والتعبير، أعظم الترغيب في الوحدة، وأشد التنفير من الخلاف والشّقاق.

فيا أيها المؤمنون بكتاب الله وحديث النبي محمد ﷺ:

 هذا كتاب الله يدعوكم إلى الوحدة وهذا حديث رسول الله ﷺ يحرم عليكم الخلافة والفرقة، فبأيّ حديث بعد الله وآياته تؤمنون؟ 

اختلفتم في الدين خلاف عصبية وأهواء وجدال ومراء، لا خلاف تمحيص وبحث واستهداء.. فعميت عليكم حقيقته، وفرّت من بين أيديكم هدايته، وبقيَتْ في رؤوسكم ونفوسكم قشوره وصورته، فكنتم مسلمين بالأسماء والمواطن، لا بالقلوب والمواجد، وإنّ الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم.

واختلفتم على الدنيا فانتزعها الأجانب من بين أيديكم، وتعاونوا عليها شركات وجماعات ومصارف وهيئات ففازوا بها من دونكم، واستذلوكم بفُتاتِها،  ومنّوا عليكم بالحقير التّافه من أعراضها.

واختلفتم في السّياسة شيعًا وأحزابًا، وطوائف وألقابًا، فذهبتْ ريحكم، واستعبدت دولتكم، وتمكّن العدو في أرضكم، وضرب بعضكم ببعض، ووقف يرمقكم ويسخر من تنابزكم بالألقاب وتقاذفكم بالسِّباب، فكفيتموه أمركم، وأرحتموه من عناء جهادكم، وفعلتم بأنفسكم ما لم يفعل بكم الخصوم، قلَلتم العدد، وأوهنتم الجلَد، وخسرتم المال والولد، ولم تحصلوا بعد ذلك على شيء، دنياكم ذِلّة وخصام، وآخرتكم تبعات بين يدي الله جِسام، فإلى متى والزمن يدور ويجري، والفُرَص تسنح وتمضي؟!

 أيها المؤمنون بالله ورسوله وكتابه:

تنادوا بكلمة سواء، وتعالوا إلى منهاج واضحٍ مبين: ألّا نعبد إلّا الله ولا نشرك به شيئًا وأن نرضى بالله ربًا، فنفرُّ من المطامع الشخصيَّة إليه، وبالإسلام دينًا فننهج نهجه ونأخذ عنه، ونطبق كل تصرفاتنا عليه، وبمحمد نبيًا ورسولًا فنقتدي بسيرته، ونهتدي بسنته، ونسير تحت رايته إلى حيث النصر والسيادة في الدنيا والجنة والمغفرة في الآخرة: ﴿إِن تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ (سورة آل عمران آية: 64). 

(*) نشر هذا المقال بالجريدة اليومية «الإخوان المسلمون»- السنة الأولى- العدد ٦٠ في ١٣ شعبان ١٣٣٦٥هـ ١٩٤٦/٧/١٢م.

 

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 10

164

الثلاثاء 19-مايو-1970

نحو منظمة إسلامية - مولد النور

نشر في العدد 46

133

الثلاثاء 02-فبراير-1971

يا أعضاء مجلس الأمّة

نشر في العدد 77

94

الثلاثاء 14-سبتمبر-1971

مع القراء (العدد 77)