; الأمة الولود | مجلة المجتمع

العنوان الأمة الولود

الكاتب محمد محمود الصواف

تاريخ النشر الثلاثاء 02-أغسطس-1983

مشاهدات 89

نشر في العدد 631

نشر في الصفحة 26

الثلاثاء 02-أغسطس-1983

في مجلسي الدائم بين العشاءين في الحرم المبارك وأمام الكعبة المشرفة ببلد الله الحرام مكة المكرمة صانها الله وحماها وزادها شرفًا ومهابة وعزًا. يأتيني بعض الشباب من شبابنا المهذب المثقف وأحيانا من شبابنا في الخليج العزيز أو من بعض الوافدين من ديار الإسلام إلى البلد الحرام. ويجلسون إليّ وينهالون بالأسئلة المختلفة عن أمور إسلامية، أو قضايا فقهية، أو اجتماعية، أو سياسية أحيانًا. 

وقبل فترة قصيرة جاءتني زمرة طيبة من هؤلاء الشباب المؤمن المتوثب ولم يكن يستقر بهم المجلس حتى انهالوا بالأسئلة الخطيرة التي تحمل روح النقمة والثورة واليأس الخطير فأخذتهم بالرفق واللطف والأناة والحكمة التي يجب أن تعالج في مثل هذه المواقف الحساسة وحدثي إلى الشباب حديث الروح إلى الروح، فهم روح الأمة وهم عصبها وقوتها إذا استقاموا استقامت وإن زاغوا زاغت، ويجب أن نعالج مشاكلهم بمنتهى الحكمة وأن نخاطب عقولهم وعواطفهم معًا، وأن نفتح لهم الصدور ولا نضيق بأسئلتهم مهما كانت خطيرة، بل يجب أن نفتح لهم القلوب ونتجاوب مع أسئلتهم ونؤيدهم ونعطيهم كل الحق فيما سألوا عنه. أولا ثم نأخذ بالجواب المتأني والحكيم والمتبني لقضاياهم، واستفساراتهم وهم أبناؤنا وأحفادنا وحاملو اللواء في مستقبل أمتنا، فعلينا أن نفتح لهم الطريق ونبصرهم بالخطأ والصواب في منتهى الرفق وأن نجلس إليهم ونسمع منهم ونربي فيهم روح الرجولة والقوة والشجاعة والصراحة في قولة الحق ولا نكبتهم ولا نصدهم، ولا نتهمهم ظلمًا وعدوانًا بالمروق أو النزق أو الطيش والغرور، بل علينا إن وجدنا شيئا من هذا عند بعضهم وهم قليل فعلينا أن نستل منهم هذا الأسلوب التربوي الحكيم الرصين وأن نأخذهم بطريق المنطق والإقناع العقلي ثم نخاطب عواطفهم وشهامتهم بالعطف على أمتهم والأخذ بيدها ومعالجة قضاياها بالتبصر والعمل المتواصل بالحكمة الصادقة والإحسان والمعروف بين الناس. والمثل الأعلى لنا جميعًا رسول الله صلوات الله وسلامه عليه كيف عالج نفوس الشباب وكيف رباهم وأنشأهم على عينه وأوصى بهم خيرًا وقال فيما روي عنه صلى الله عليه وسلم: «أوصيكم بالشباب خيرًا، فإنهم أرق أفئدة يعتني الله بالحنيفية السمحة، فخالفني الشباب وخالفني الشيوخ» ثم قرأ قوله تعالى ﴿فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ (الحديد: 16)، بهذا الأسلوب سرت وبهذا الأسلوب يجب أن نسير جميعا في معالجة قضايا شبابنا المعاصر وهو يلاقي أعقد المشاكل وأخطر المؤامرات على أمته ودينه ووطنه ويرى واقعا مبكيا، ووضعا مترديا وأمة ضيعها رجالها، وغفل عنها أبطالها، حتى أصبحت تائهة ضائعة تهوي بها ريح في مكان سحيق. 

لقد قلت لهؤلاء الشباب وهم حولي: يا شباب الإسلام شكر الله لكم حماستكم وغيرتكم على مصالح أمتكم وأنني أستبشر بالخير حينما أجد مثل هذه اليقظة في روح شبابنا المؤمن الذي أجده في حرم الله يطوف حول كعبة الله، ويؤدي حق الله بالصلاة في بيت الله ثم يتوجه إلى طالب علم يسأله ويستفتيه ويبث له ما في نفسه من حرقة ومرارة وأسف، ثم يطلب الهداية إلى الطريق الأقوم الذي قد يؤدي به إلى إنقاذ أمته من هذه الهوة السحيقة التي تردت فيها. وطمع فيها أخس وأحقر خلق الله في الكون وهم اليهود أعداء الله وأولياؤهم من النصارى الصليبيين وغيرهم من الملحدين الكفار.

إخواني الأعزاء: اسمعوها مني وأنا لكم ناصح أمين: لا تيأسوا ولا تحزنوا، بل واصلوا الجهاد والعمل لبعث الحياة في أمتكم الغافلة وإذا كنتم أنتم طلائعها وشبابها وتحملون مثل هذه الروح الوثابة فأمتنا بخير -بإذن الله- وهي بفضل الله أمة الخير والعطاء، والفضل والنجاء. وقد عودنا تاريخها الطويل أنها أمة ودود ولود، كلما نبا بها الدهر أو جفاها القريب والبعيد وظن أعداؤها أنهم قهروها وغلبوها ودمروا كل شيء فيها حتى لم يبق إلا أن تلفظ أنفاسها الأخيرة، هنا يظهر العجب ويتألق الذهب، وتنطلق العزة الإسلامية وتنبعث وتولد الرجولات، ويقوم الأسود من العرين المستكين، وتظهر الزعامات والقيادات الراشدة والمجاهدة في سبيل الله وتعلو كلمة الله ويعود المسلمون وكأن كل واحد منهم الأسد الهصور والبطل الغيور وكما قد قيل فيهم: 

إنما الإسلام في الصحراء امتهد *** ليجيء كل مسلم أسد

إخواني: إن معركتنا اليوم إنما هي معركة الإسلام الكبرى، ومعركة التاريخ، ومعركة الأجيال جميعها من أمة هذا النبي العظيم محمد بن عبد الله صلوات الله وسلامه عليه الذي رفع علم الجهاد وطهر البلاد من أدران الشرك والكفر والوثنية والضلال والفساد وأزال النفاق وقضى على المنافقين المفسدين في الأرض. 

وأمتنا ذات تاريخ طويل مديد وهو مليء بالعبر والعظات ولقد مرت على أمتنا فترات وعهود سوداء بلغت حالتها من التمزق والتشتيت كالذي بلغناه نحن اليوم، وربما أكثر سوءا وأشد منقلبا. تفرق في الداخل ودويلات هنا وهناك وحملات صليبية ضاربة قاسية زادت عن ثماني حملات وزاد جنودها على مليوني جندي صليبي. وبلغوا مناهم واحتلوا القدس الشريف وأعطوا الأمانة للمسلمين فدخل المسلمون ساحات المسجد الأقصى الفسيحة علماؤهم، وفضلاؤهم، ونساؤهم، وأطفالهم. ودخل عليهم جنود الكفر من كل باب وخانوا العهد معهم شأنهم دائما وأبدا، وبدأوا بهم تقتيلا وذبحا حتى خاضت خيولهم بدماء المسلمين وقتلوا في هذه الفترة أكثر من سبعين ألفًا من المسلمين ولم ينكر هذا الأمر حتى مؤرخوهم فقد قال مكسيموس موند في كتابه تاريخ الحروب المقدسة صفحة 172 ما يلي:

لم يوقر الصليبيون أحدًا من سيوفهم لا من الرجال ولا من النساء العجز ولا من الأطفال، وظن المسلمون أن مسجد عمر يحميهم من الموت، ولكن ظنهم قد خاب إذ إن الصليبيين لحقوا بهم خيالة ومشاة ودخلوا المسجد المذكور وأبادوا كل من وجدوه فيه بحد السيف وذم المؤرخون قسوة هؤلاء الجنود البربرية كما ورد في كتاب تاريخ العرب والتمدن الإسلامي لمؤلفه ريمون واجليس صفحة 272 ما يلي:

إن أول عمل قام به الصليبيون بعد هذه المجزرة الرهيبة أنهم كتبوا إلى البابا يهنئونه بفتح بيت المقدس قائلين: 

«إذا أردت أن تعلم ما جرى لأعدائنا فثق أنه في إيوان سليمان ومعبده كانت خيلنا تخوض في بحر من دماء العرب المسلمين إلى ركبتها» انتهى ومكثوا أسبوعًا كاملًا يقتلون ويذبحون في المسلمين، جرى كل هذا والمسلمون لا تدري أأيقاظ هم أم نيام، وقد مزقتهم الخلافات وتشتتوا وتمزقوا إلى دويلات لا تملك من أمرها شيئا وتفرقوا شيعا ففي كل جزيرة أمير المؤمنين ومنبر. 

وفي وسط هذا الظلام الحالك، وفي غفلة الكفر وعنجهية الفاتحين المشركين الذي مكثوا قرابة مائة عام يتمتعون بخيراتنا ونقاء بلادنا وصفاء جوها ويعيشون على تخاذلنا واستنامتنا إلى الذل المقيت، في هذه الحالة وقد تردت الأمة وتمزقت وتشتت في هذه الحالة ولد الأبطال وقام الرجال، وانطلق المقيد من العقال. لقد ولد البطل المسلم عماد الدين زنكي وتولى إمارة الموصل الحدباء ثم نشأ ولده البطل نور الدين زنكي وكان بطل الرجال صلاح الدين الأيوبي في ظلهما وبدأ الأمر عماد الدين زنكي وهو من أبطال تاريخنا الكبار فكون جيش الفتح من الموصل وغيرها وبدأ -رحمه الله- بتصفية الطفيليات من الزعامات المنافقة الخائنة والضالعة مع الصليبيين ثم انتقل إلى جوار ربه وتولى الأمر ولده نور الدين زنكي -رحمه الله- فأكمل مسيرة الجهاد حتى استشهد في سبيل الله. 

ثم تولى الأمر بطل العرين المغوار صلاح الدين فأتم تصفية الجبهة الداخلية وأبى أن يقاتل الصليبيين وفي أثوابه من المنافقين والخائنين صل وثعبان.

وعندما فتح مدينة حلب وكانت فيها جيوب تتآمر عليه فتحها في شهر صفر سنة 583هـ ودخل قلعتها الحصينة. أقام له أهل حلب المؤمنون الأبطال حفل تكريم وترحيب وانشد قاضي حلب قصيدة شعرية ومما قاله فيها:

وفتحك القلعة الشهباء في صفر  مبشر بفتوح القدس في رجب 

وشاء الله أن يعز جنده، ويفتح لهم القدس الشريف في السابع والعشرين من الشهر نفسه رجب من عام 583هـ هجرية بعد أن صدقوا في جهادهم في سبيل الله وصدقوا ما عاهدوا الله عليه وقام فيهم الأبطال والقادة النظام. فعز الإسلام وارتفعت راياته خفاقة عالية في الآفاق وذهل أعداء الإسلام وانصرفوا عنا صاغرين والحمد لله رب العالمين.

مثل آخر

ومثل آخر أيها الإخوة، أبلغكم ما صنع هولاكو السفاك ببقية الإسلام وحاضرته الكبرى بغداد؟ وكان بعض المؤرخين يقول:

بغداد حاضرة الدنيا وما عداها بادية- هذا في العصر العباسي الذهبي ثم جاء أمر التمزق والتفرق وجاء دور الخونة والمنافقين فتآمروا مع المغول فاحتل المغول العراق، وعاثوا فيه فسادًا وسقطت في أيديهم عاصمة الخلافة العباسية وكان للتعاون الصليبي مع المغول دور كبير في هدم الخلافة الإسلامية فقد وقف النصارى مع التتار كما وقف المنافقون وأخلاف الباطنيين وعلى رأسهم العلقوس المعروف بخيانته وغدره. وأقاموا المجازر البشرية ونهبوا الأموال وسبوا النساء وذبحوا الأطفال وهربوا كل شيء وعاثوا به فسادًا. 

لقد وصل الحال بالسفاح الهمجي تيمور لنك أن أمر جنده الوحوش أن يصنعوا له من رؤوس المسلمين القتلى مناشر مرتفعة كالجبال وتجعل وجوه أصحابها بارزة حتى يراها من يمر بها ولقد فعلوا ذلك ونفذوه في حلب وحدها حتى زاد عدد الرؤوس التي صنعوا منها هذا الجبل المخزي فكان أكثر من عشرين ألفا من رؤوس المسلمين.

ولقد كانت بلاد الشام منقسمة متفرقة في إخلاف الأيوبيين بعد ذلك المجد الذي بناه الأبطال الأجداد الكرام وأول ما بدأ به المغول مدينة حلب الشهباء وكان أميرها توران شاه بن صلاح الدين الأيوبي وهو رجل صادق والمغول حاصروا البلد سبعة أيام ثم افتتحوها بالأمان، ولكنهم سرعان ما غدروا بأهلها وقتلوا منهم خلقا لا يعلمهم إلا الله. بعد أن قاتل أهل حلب قتالا شديدا، ولما اقتحم الجيش المغولي المدينة هرب النساء والأطفال إلى جامع حلب وبقية المساجد. فلحق بهم جند الكفر وربطوا النساء بالحبال أسيرات ثم وضعوا السيف في الأطفال فقتلوهم جميعا وأحرقوا القلعة عمن فيها ومن لجأ إليها، وفعلوا من المنكرات ما هو معروف ومشهور في تاريخهم الأسود ثم ماذا كان؟؟

قام رجال مؤمنون صادقون من المسلمين لله فاتصلوا بهؤلاء القوم من جند هولاكو، وجنكيز خان وتيمور لنك فأثروا فيهم وأدخلوهم في الإسلام وهذا أمر عجب من العجب أن ينقلب الوحش المفترس إلى الإنسان الساكن الهادئ الرحيم الكريم أن يتحول العدو اللدود إلى أخ وحميم وصديق يقول أحد الكتاب من المؤرخين:

لا يزال التاريخ ساكنا مدهوشا واجما أمام حدث دخول التتار في حظيرة الإسلام، ولا يكاد يعرف أولئك الأبطال الغر الميامين الذين كانوا سببا مباشرا أو غير مباشر في هذا الحدث العملاق ويسرني أن أسمعكم كلمة نقلها رئيس تحرير جريدة الداعي التي تصدر في الهند الأستاذ نور عالم خليل الأميني العدد ١٠ جمادى الأولى 1403هـ حيث قال:

وأعجبني قول مؤرخ أديب عربي كبير: إن الحوادث التي ظهرت على مسرح العالم، وكان لها تأثير بعيد المدى في تغيير الأحوال وقلب الوضع رأسا على عقب، وتحويل مجرى التاريخ، يعود الفضل في معظمها على العمل بصمت وهدوء. ولم ترض طبيعتهم الكبيرة وإخلاصهم لوظيفتهم أن يضيعوا لحظة من عمرهم العزيز على كسب الشهرة وتلميع أسمائهم وظلمهم التاريخ أو شاء الله أن يكون جزاؤهم موفورا عنده فلم يبال بهم التاريخ، ولم يضعهم في الإطار الذي يستحقونه..  أما الذين شغلوا مكانة «البطل» فلم يكونوا أبطالا بالمعنى الدقيق».

وهذا المعنى الجميل يوافق الدعاء العظيم الذي دعا به البطل الفاتح طارق بن زياد حيث ناجى ربه ودعا لأصحابه بالنصر فقال: رباه إن الغزاة المجاهدين عبيدك الغامضون. الذين لا يعرفهم غيرك..  إذا ركلوا برجلهم الصحراء انشقت..  وإن ركلوا برجلهم البحر انفلق وانكمشت الجبال..  إنهم عرفوك وأحبوك فزهدوا في العالم واستغنوا عن الدنيا لا يطلبون إلا شهادة في سبيلك».

مثل ورجاء أخير

أحبابي وإخواني: هل عرفتم شاعر الإسلام الكبير محمد إقبال -رحمه الله- لقد بزع نجم إقبال في عصر مظلم، وجاء إقبال في زمن عصيب تتشوق فيه الشعوب الإسلامية وشعوب الشرق عامة إلى الخلاص من ظلال التخلف، وأغلال الاستعمار الصليبي الجديد، ووهدة الضعف والانحلال، وضياع الانبهار بحضارة العرب وقد كان محمد إقبال صرخة إسلامية عميقة داوية تفتح الروح وتوقظ الهمم. وشكل إرادة الجهاد الأكبر والكفاح المتواصل لقد كان بحق شاعر اليقظة الإسلامية وشاعر الحرية والوحدة والكرامة الإنسانية. ولقد عاش إقبال وهو يصرخ في المسلمين لكي يفجر فيهم الطاقات والقوى الكامنة ويسمو إلى الذرى الشماء. لقد كانت نقطة البدء في فلسفة إقبال وفكره هي الذات الإنسانية المسلمة فلقد كان يؤمن بالقوى العجيبة في ذات الإنسان تلك القوى التي تستطيع أن تحلق إلى آفاق النجوم ومما قاله رحمه الله:

شيمة المؤمن عزم وثقة   حيثما هم بأمر حققه

بهما يسمو ويمضي قاهرا  لا أرى اليائس إلا كافرا

نظرة المؤمن مصباح منير  فهو بالخير وبالشر بصير

وفي قصيدة أخرى قال رحمه الله:

معيشة الفرد خيال *** والبقاء للأمم

فكن فداء المبن الأعلى *** إذا نادي العلم

منزلك العلوي لا تحجب *** صرحه الغيوم

فأنت خير من دعا *** وأنت خير من حكم

أنت من الجيش الذي *** غبار خيله النجوم

في العالم الأول من *** مطلع الأنوار كنت

والناطق الأخير في *** رسالة الرحمن أنت

قم وانشر التوحيد في *** الدنيا ووحد الأمم

الجيل الجديد

يقول فضيلة الأخ العلامة الشيخ أبو الحسن الندوي -حفظه الله- في كتابه روائع إقبال:

إن الدكتور محمد إقبال- رحمه الله- يتمنى للإسلام جيلا جيدًا. شبابه طاهر نقي، وضربه موجع قوي، إذا تكلم كان رقيقا رفيقا، وإذا جد في الطلب كان شديدا حفيا، وكان في حالتي الحرب والصلح عفيفا..  نزيها..  آماله قليلة ومقاصده جليلة، غيور في العسر رؤوف كريم عند اليسر.. تراه ظامئا إن أبدى له الماء دنية، ويموت جوعا إن رأى في الرزق ذلة. يجمع بين جلال إيمان الصديق، وقوة علي، وفقر أبي ذر، وصدق سلمان، يقينه بين أوهام العصر كمصباح في ظلمات الصحراء..  يعرف في محيطه بحكمته وفراسته، وبأذان السحر..  الشهادة في سبيل الله أحب إليه من الحكومات الغنائم.

وكان -رحمه الله- يخاطب العرب ومما خاطبهم به قوله:

كل شعب قام يبني نهضة وأرى بنياكم متهدما 

في قديم الدهر كنتم أمة لهف نفسي كيف صرتم أممًا

وفي 21 أبريل- نيسان سنة 1938م انتقل محمد إقبال إلى جوار ربه بعد أن ملأ الدنيا الإسلامية حرارة وحماسة نورًا وانتقل حماسه إلى شباب الأمة ورجالها. وبعد عشر سنوات فقط قامت دولة الإسلام باكستان وانحسر الاستعمار عن ديار الإسلام وفي كل مكان وقامت دول في عالمنا الإسلامي وتنفست الشعوب نسمات الحرية والكرامة، ولكن الاستعمار الخبيث لم يشأ أن يتركنا فقد عادت جحافله بوجوه يهودية وسيوف نصرانية ومبادئ ماركسية ومؤامرات ظاهرية وباطنية ومع كل هذا فسوف يكون النصر للإسلام -بإذن الله- فالأمة الولود لا يمكن أن تعقم. ومتى ما ارتفع العلم وتقدم للقيادة أبطال العرين وليوث المسلمين جاء النصر المبين، وما النصر إلا من عند الله. والتاريخ يعيد نفسه وكما قد قبل الليالي حبالي ويلدن كل عجيب. وإذا كانت القوتان العظميان كما تسميها الصحافة وهي قوة أمريكا وقوة روسيا فإن قوة الله فوق كل قوة ونسأله -عز وجل- أن ينزل عليهما صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود حتى يجعلهما يبابا خرابا وبآيات عاد وثمود.

 أختم كلمتي هذه فقد قال تعالى: في سورة فصلت:﴿فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً ۖ أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً ۖ وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ، فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَّحِسَاتٍ لِّنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَخْزَىٰ ۖ وَهُمْ لَا يُنصَرُونَ، وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَىٰ عَلَى الْهُدَىٰ فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (فصلت: 15-17).

والحمد لله رب العالمين. 

وما أدرانا لعل الله أن يجعل من الرؤوس النووية التي يركبونها فوق الصواريخ ويصنعونها وينفقون عليها الملايين تكون هي الصواعق التي تدمرهم -بإذن الله- وتأتي على كل شيء حتى يصبحوا لا يرى إلا مساكنهم فيذهب القذر ويسكنها البشر من بعدهم. وصدق الله العظيم إذ يقول: ﴿وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُم بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِّن دَارِهِمْ﴾ (الرعد: 31). 

فتكون هي الصواعق وهي القوارع- والله غالب على أمره، ولكن أكثر الناس لا يعلمون

«1» كتاب المفصل في تاريخ القدس صفحة 173 المؤلفة مؤرخ القدس الأستاذ عارف العارف -رحمه الله- ومن أراد التوسع في هذا الأمر فيقرأ هذا الكتاب.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 29

109

الثلاثاء 29-سبتمبر-1970

كتيبة النور (مسرحية في ثلاثة فصول)

نشر في العدد 67

100

الثلاثاء 06-يوليو-1971

مبدأ ربانيّ وأوهام بشريةً.

نشر في العدد 78

102

الثلاثاء 21-سبتمبر-1971

في... شروط الوحدة... والاتحاد!