العنوان الأمة مطالبة بدعم جهاد الشعب الفلسطيني ونصرته
الكاتب الاستاذ مصطفي مشهور
تاريخ النشر السبت 30-مارس-2002
مشاهدات 71
نشر في العدد 1494
نشر في الصفحة 28
السبت 30-مارس-2002
بعد أربعة عشر قرنًا من هجرة الرسول صلى الله عليه وسلم وصحبه من مكة.. يهجر أبناء الشعب الفلسطيني الدعة وعرض الحياة مصرين على استرداد الأرض أو نيل الشهادة.
لقد تحرر المسلمون بالهجرة من غطرسة قريش والأوضاع السيئة في مكة، ذلك نصر لأصحاب الدعوات تمثل في التحرر من الخوف والانطلاق نحو الحرية والإيجابية والخيرية والعيش في أجواء القوة والمنعة.
بينما تحمل الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه أعباء وتكاليف العمل بالإسلام وللإسلام وجمع الناس حوله، إخراجًا لهم من الظلمات إلى النور، ومن الباطل والظلم إلى الحق والعدل، فإنهم وضعوا في الوقت ذاته، المعالم الصحيحة على الدرب الصحيح، لتمضي عليه البشرية في اتجاهها الصحيح نحو غاياتها وأهدافها العظيمة، مقتدية بهم في القول والعمل، والتضحية، والبذل، والصبر، والجلد، والعزم، والحزم، والثبات، والالتزام، والعزة والإباء.
ومن ثم كان صلى الله عليه وسلم وصحابته إذا اشتدت الأزمات زادت القلوب ثقة، وتضاعفت الطاقة على حمل الأعباء في قوة، لأنهم مكلفون من مالك السماوات والأرض أن يغيروا وجه البسيطة، ليستقيم شكلًا وجوهرًا مع منهج الحق، وعلى أساس من الحقيقة التي من أجلها خلق الكون بما ينقل البشر من حياة التيه والضلال، إلى حياة الاستقامة، والإيمان، والصدق، والبر، وجهاد النفس، وجهاد العدو، والانتقال بالبشر من عبادة العباد، إلى عبادة رب العباد، ومن إذلال البشر، إلى عز العيش في أجواء الحق وظلاله، وصدق الله العظيم إذ يقول ﴿أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجًا فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ ۖ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ وَإِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ عَنِ الصِّرَاطِ لَنَاكِبُونَ﴾ (المؤمنون:72-73-74)، وسبحانه عزَّ من قائل؛ حيث يقول في الرجال الذين اتبعوا وتحملوا وهاجروا وجاهدوا ﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِن بَعْدِ مَا ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً ۖ وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ ۚ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ (النحل:41-42).
من أجل ذلك تجسد هجرته صلى الله عليه وسلم هو وصحابته من مكة إلى المدينة الأمثلة في التضحية، والبذل، والتجرد من متاع الدنيا، وتحمل الصعاب والشدائد، سعيًا لرضاه سبحانه وحرصًا على أجره وثوابه، وتأكيدًا للثبات على الحق والمبدأ، وانحيازًا لجانبهما في تجرد وزهد، روى ابن اسحق أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما خرج من مكة مهاجرًا إلى الله قال: «الحمد لله الذي خلقني ولم أك شيئًا، اللهم أعني على هول الدنيا، وبوائق الدهر، ومصائب الليالي والأيام، اللهم أصحبني في سفري، واخلفني في أهلي، وبارك لي فيما رزقتني، ولك فذللني، وعلى صالح خلقي فقومني، وإليك ربي فحبيني، وإلى الناس فلا تكلني، أنت رب المستضعفين وأنت ربي، أعوذ بوجهك الكريم الذي أشرقت له السماوات والأرض، وكشفت به الظلمات، وصلح عليه أمر الأولين والآخرين، أن تحل علي غضبك، أو تنزل بي سخطك، وأعوذ بك من زوال نعمتك، وفجاءة نقمتك، وتحول عافيتك، وجميع سخطك، لك العتبى عندي خير ما استطعت، ولا حول ولا قوة إلا بك» «ابن كثير جـ ٣».
ومن أجل ذلك أيضًا تذكرنا الهجرة النبوية المباركة، بمبدأ الوجود الحقيقي للمسلمين، لأنهم قبل ذلك كانوا محاصرين مضطهدين، منهم من هاجر إلى الحبشة، ومنهم من لقي العذاب وأهواله في مكة، ورفضوا رغم أهوال التعذيب، وإيذاء الكافرين أن يحنوا الهامة لغير الله، أو يستسلموا أو يخضعوا لمتجبر من الطغاة، بل واجهوا شتى صنوف التعذيب والإساءة بالعزة والكبرياء، حتى انتقلوا إلى دار الهجرة، فصار لهم وضع آخر، حيث تغير الجوار، وعقدوا معاهدة الأمن وعدم الاعتداء، واتموا بناء الدولة على أمتن وأقوى الأسس وفي مقدمتها الإيمان والعلم، ونظموا معاملاتهم على أساس من العدل والمساواة فيما بينهم وبين غيرهم، يحكم ذلك تشريع إلهي يحدد علاقتهم المحلية والخارجية في السلم والحرب.
لم تكن هجرة النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته - رضوان الله عليهم- هجرة الفارين أو الهاربين، إنما كانت تنفيذًا لتخطيط، ومواثيق وبيعة أخذت بالدماء والأرواح، وتأكيدًا للإيمان الحق الذي امتزج بالقلوب، وعمرها وملاها إخلاصًا وصدقًا، وغيرة على الحرمات، ورفضًا للعدوان.
لقد تحرر المسلمون بالهجرة، من غطرسة قريش، ومن الأوضاع السيئة في مكة، وهذا نصر الأصحاب الدعوات، تمثل في التحرر من الخوف والانطلاق نحو الأمن والأمان، والحرية والكرامة، والانطلاق نحو الإيجابية، والحيوية والخيرية، والعيش في أجواء القوة والمنعة.
لقد وضع الرسول صلى الله عليه وسلم خطواته الأولى على الطريق صوب المدينة، وقلبه يخفق بهذا الدعاء قدوة لكل القلوب ﴿رَّبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَل لِّي مِن لَّدُنكَ سُلْطَانًا نَّصِيرًا﴾ (الإسراء:80) وهو موقف استلهم منه المجاهدون على مدى القرون القدوة الصادقة فاقتدوا بسيرته ومسيرته صلى الله عليه وسلم، فصمدوا في وجه العواصف العاتية، وهم واثقون أنهم في مواجهة الأعداء أرسى بالإيمان من الجبال، فكانوا - وسيظلون على مدى العصور - أجدر بتحقيق الهدف، وأحق بالوصول إلى الغاية، وأقدر على مواجهة أعتى الأعداء، وأهلاً للنصر والتمكين.
الانطلاق في البناء
لقد كانت هجرة النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه - رضوان الله عليهم- مرحلة انطلاق الإقامة أعظم بناء على أقوى أسس تمثلت في:
- العقيدة العميقة في القلوب، تمثل بداية الانطلاقة المباركة وطاقاتها المحركة حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله.
- التشريع الرباني الذي يضبط الحركة والمسار، ويؤكد صدق وصحة الوجهة والاتجاه، ويضمن سلامة المسيرة والوصول إلى الغاية.
- إقامة الدولة على دعامتي الإيمان والعلم، لتكون المثال الصحيح، والنموذج القدوة وواحة العدل والإنصاف، والحرية والأمن والمساواة والحب والإخاء، وشعلة النور والتقدم.
- إعداد الإنسان المسلم والمجتمع المسلم للجهاد في سبيل الله، لإقرار الحق، والعدل، والتصدي للعدوان، والظلم، والتوسع، والسيطرة، وبسط الأجنبي، أو الدخيل لنفوذه، ورفض الطغيان والاستبداد، أو الخضوع والخنوع، مع السعي للوصول إلى موقع الريادة والقيادة، لضمان الأمن والسلام والحرية لكل البشر.
لم تكن هناك لحظة عبث أو غفلة أو استرخاء لأنه لا مكان لهذا في الإسلام، بل الحركة، والبناء، والعمل، وإثبات الوجود، والنهوض بالدور الحضاري، على أساس من الهوية والأصالة، ومن ثم تمثلت الخطوة الأولى في بناء المسجد، مركز الإشعاع، ودار الندوة والشورى، وموطن العبادة والطاعة، ومصنع الأمة، ودار التربية.
وكان التركيز على ترسيخ معالم وجذور وروابط الأخوة؛ لأنه لا مكان للعصبيات في المجتمع المسلم، ولا مجال لأدران عصبية جاهلية، فالله سبحانه هو القائل: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ﴾ (الحجرات: ۱۳).
كما كان بناء العلاقات بين المسلمين وغير المسلمين، ممن يسكنون المدينة على التسامح والتفاهم والود والحوار، فلا إبعاد ولا نفي للآخر، بل النصح والنصيحة، والود والتعاطف والمشاركة في البناء ونصرة المظلوم، إلا أن اليهود كانوا كعادتهم ناقضين للمواثيق، يدمرون ويخربون، يطعنون في الظهور، ولا يحفظون العهود، وصدق فيهم قول الله عز وجل ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ (المائدة: ۸۲). لقد وقفوا من الإسلام والمسلمين منذ اليوم الأول لتأسيس دولة الإسلام، موقف التربص والعداء، والكيد والتآمر، وبعد ما يزيد على أربعة عشر قرنًا على الهجرة، ازداد اليهود عداء للمؤمنين، وكيدًا للإسلام، وتأمرًا على الأمة، في خسة ونذالة في إلحاق الأذى بالأبرياء العزل، لدفعهم إلى الرضوخ والاستسلام، وتحريرهم من كل الحقوق، وعلى أرض فلسطين المحتلة، يبرز الصراع في أعتى أشكاله بين الشعب الفلسطيني العربي المسلم، واليهود الغاصبين، الذين اغتصبوا الأرض والديار، وفرضوا حصارًا خانقًا على أصحابها، وقصفوهم بالطائرات والصواريخ، واستخدموا معهم سلاح التصفية والاغتيال، إلا أن الأشقاء الفلسطينيين رفضوا الاستسلام وأبوا أن يتخلوا عن الأرض والديار رغم الحصار المضروب حولهم، ورغم القصف المتواصل الذي يستهدف مدنهم وقراهم ويغتال وجودهم.
لقد قتل الصهاينة المجرمون في يوم الجمعة الثامن من مارس الجاري وحده خمسين فلسطينيًا، غير عشرات الجرحى، واستباحوا مخيمات اللاجئين ليغتالوا وجودهم، مع اعتقال أكثر من الفين وخمسمائة شاب عربي فما لانت للأشقاء قناة ولا وهن لهم عزم بل واصلوا انتفاضتهم المباركة لتدخل شهرها الثامن عشر، ولسان حالهم يردد قول الحق عز وجل: ﴿إِن تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ ۖ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ ۗ﴾ (النساء: ١٠٤).
بعد مرور أربعة عشر قرنًا على هجرة الرسول وصحبه من مكة إلى المدينة تاركين الوطن، والأرض والمال والأهل، يهجر أبناء الشعب الفلسطيني الدعة، وعرض الحياة، وهم يؤكدون إصرارهم على استرداد الأرض أو نيل الشهادة، ضاربين المثل في العقيدة التي تحرك الشعوب وتمنحها الطاقة والقوة والقدرة على ملاقاة العدو، وإفشال خططه ومؤامراته.
تمضي الانتفاضة في عامها الثاني، رغم العديد من المحن والضغوط التي يتعرض لها الأشقاء الفلسطينيون، والعديد من المجازر الوحشية التي ينصبها لهم السفاح شارون، ورغم العجز العربي الرسمي، ورغم الحصار المفروض حول معظم الشعوب العربية والإسلامية، حتى لا تترجم انحيازها للشعب الشقيق إلى دعم ومؤازرة.. بل إنه في الوقت الذي يحظى فيه العدو الصهيوني بكل الدعم الأمريكي والأوروبي، وتتدفق عليه الأسلحة الأمريكية بشتى أشكالها، ليستخدمها في عدوانه الإجرامي على الشعب الفلسطيني يحول بعض الحكومات بين الشعوب والتعبير عن غضبتها، أو ترجمة مشاعرها وأحاسيسها، فتجد تلك الشعوب نفسها بين أمرين: إما مواجهة مع الحكومات لا يجني ثمارها إلا اليهود، ولا يدفع ثمنها إلا العرب والمسلمون، وإما حرمان الشعب الفلسطيني المجاهد من الدعم والنصرة.
لقد أكد الشعب الفلسطيني - بقدرته على التحمل، وعزمه على المواجهة، واستعداده للتضحية بالأرواح والدماء، وصبره على الحرمان - قدرته على توجيه أشد الضربات للعدو الصهيوني بأبسط وأقل الإمكانات والوسائل، ليلحق به أفدح الخسائر التي دفعته للشكوى والتوجع.
أفسحوا المجال للشعوب
إن تلك الحكومات مطالبة بإفساح المجال أمام شعوبها، كي تعبر عن نصرتها وانتصارها للشعب الفلسطيني لتقدم له كل اشكال دعمها، وتمارس حقها ودورها في اتخاذ القرار، في وقت صارت وحدة الأمة- حكومات وشعوبًا -مع حشد كل الطاقات سبيلًا وحيدًا لمواجهة العدوان الصهيوني الإجرامي، ونصرة الشعب الفلسطيني الأعزل، من أجل ذلك يهيب جميع المخلصين بالحكومات، أن ترفع يدها عن الشعوب، وترد إليها حقها في التعبير عن رأيها وموقفها بالقول والعمل، ولتكن في الهجرة النبوية الدروس والعبر، ليدرك الجميع الحقائق، وليوحد الجميع الجهود، وليمارسوا الدور على صعيد التضحية، والبذل، والعطاء، في أخطر وأحلك الظروف التي تواجهها الأمة. وتتضافر فيها كل قوى الشر للنيل منها.
في ذكرى الهجرة النبوية، نوجه التحية، ونسجل التقدير للشعب الفلسطيني الشقيق الأبي المجاهد، الذي أعلن إصراره على تحرير الأرض والإرادة، ودحر العدو، واقتلاع جذور عدوانه، وهو يأبى إلا الشهادة أو النصر، وهو بإذن جدير بإحدى الحسنيين، وصدق الله تعالى القائل: ﴿إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ (محمد:7)، ﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ ۚ﴾ (الطلاق:۳) ﴿وَمَن يَعْتَصِم بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ (آل عمران:101).
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل