العنوان الأمم المتحدة تواصل سلسلة مؤتمراتها التي امتدت سنوات لعولمة الرذيلة- المرأة ٢٠٠٠م أحدث محاولة لتدمير الأسرة وفرض الإباحية على العالم
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 13-يونيو-2000
مشاهدات 57
نشر في العدد 1404
نشر في الصفحة 29
الثلاثاء 13-يونيو-2000
وثيقة المؤتمر الرئيسة تكرر ما جاء في وثائق المؤتمرات السابقة.. الحقوق الجنسية والإنجابية.. حق الإجهاض... الشذوذ... المساواة بين الجنسين.. المساواة في الميراث... تعريف غريب للأسرة.
المخطط... مازال ساريًا... بكل قوة وجبروت.
فالغرب.. بحكوماته ومنظماته وأجهزته مصر على عولمة البشرية وجرها إلى الدمار الأسري.. بضرب مفاهيم الأسرة من الأساس، وابتداع أنماط شاذة من العلاقات الإنسانية وشل سلطة الأبوين على أسمائهم وبث الفتنة بين الأزواج وإشاعة الفاحشة بشتى صورها.
وقد امتطى الغرب لتحقيق ذلك منظمة الأمم المتحدة التي توالت مؤتمراتها لتحقيق هذا المخطط ابتداء من نيروبي عام ۱۹۸۰م مرورًا بالقاهرة ١٩٩٤م وبكين عام ١٩٩٥ م ثم إسطنبول ١٩٩٦م ثم نيويورك عام ۱۹۹۹ وانتهاء بـ «بكين +٥» «المرأة عام ٢٠٠٠» الذي عقد في نيويورك في الفترة من ٥-٩ يونيو الجاري على شكل جلسة استثنائية للجمعية العامة للأمم المتحدة ومعها منتدى للمنظمات غير الحكومية، وعرضت على المؤتمر توصيات ونتائج المؤتمرات السابقة بهدف الخروج بوثيقة دولية موحدة يسعون من خلال مؤتمر أخر في سبتمبر المقبل لأن يجعلوا منها وثيقة ملزمة لدول العالم.
وقد حفل مشروع الوثيقة المقدم للمؤتمر بما حفلت به وثائق المؤتمرات السابقة من دعوة صريحة إلى هدم الأسرة وإطلاق الحرية الجنسية للشباب ودعوة صريحة كذلك للشذوذ بكل أنواعه والمطالبة بشل سلطة الأبوين على الأبناء وحرية الإجهاض، وإلغاء نظام الميراث في الإسلام وغيرها وغيرها من البنود التي تتعارض مع الشريعة الإسلامية ومع طبيعة الشعوب المسلمة بل مع الفطرة الإنسانية، وهو ما تناولته المجتمع في أعداد سابقة خلال انعقاد المؤتمرات السالفة الذكر، وإزاء ذلك كله لم يقف الطرف الإسلامي متفرجًا خاصة إنه يشارك في هذه المؤتمرات.
وقد تحركت رابطة العالم الإسلامي تحركًا إيجابيًا ومشهودًا على محورين: الأول يتمثل في رسالة مطولة وجهها الأمين العام للرابطة الدكتور عبد الله بن صالح العبيد إلى رئيس المؤتمر، وفقد فيها بطريقة علمية كل ما جاء في نصوص الوثائق التي تم تقديمها في مؤتمرات الأمم المتحدة الخاصة بالمرأة والثاني يتمثل في إعداد اللجنة الإسلامية العالمية للمرأة والطفل وثيقة بديلة عن الوثيقة المعروضة على المؤتمر الأخير وذلك من وجهة نظر إسلامية.
ولأهمية هذين الإنجازين العلميين نقوم بنشرهما على صفحات المجتمع بأقل قدر من التصرف باعتبارهما عملين يحتاج إليهما كل متابع للقضية التي تتوالى فصولها ولم تنته المعركة حولها بعد.
رسالة من أمين عام رابطة العالم الإسلامي إلى مؤتمر المرأة ۲۰۰۰
الرسالة تفند كل ما جاء من وثائق مؤتمرات الأمم المتحدة عن المرأة والأسرة
* برنامج الأمم المتحدة لم يتطرق إلى دور الدين في التأثير على حياة السكان.. وبعض الجمعيات المشاركة في صياغة البرنامج تعتبر الإنسان سلعة سوقية تخضع لقانون العرض والطلب.
* لا سبيل في الإسلام لتكوين أسرة إلا عن طريق الزواج القائم على عقد بين رجل وامرأة لكن وثائق الأمم المتحدة تشجع على الاعتراف بالأسر التي تتكون خارج الإطار الشرعي.
* هناك تعمد لتخويف الناس من الزيادة السكانية ويتجاهلون أن الإنتاج العالمي من الموارد الغذائية والاستهلاكية قد زاد بمعدلات أكبر.
* البرنامج يرفع ولاية الآباء على الأبناء لإتاحة الحرية الجنسية لهم وفي هذا مخالفة للشريعة الإسلامية التي تحمل الآباء المسؤولية الكبرى في تربية أولادهم وإعدادهم الإعداد الكامل.
تقول رسالة أمين عام رابطة العالم الإسلامي: إن استعراض نصوص الوثائق التي قدمتها هيئة الأمم المتحدة ولجانها المختلفة للمؤتمرات التي ناقشت قضايا الأسرة والمرأة والطفل يكشف عن أخطار بعض المواد في البرامج التي تسعى هيئة الأمم المتحدة لاتخاذ قرارات وتوصيات حيالها.
وهنا أود أن استعرض بعض تلك المواد التي تضمنها برنامج هيئة الأمم المتحدة مما يختلف مع تشريعات الرسالات السماوية سيما الإسلام.
أولًا: إغفال الدين في برنامج هيئة الأمم المتحدة
ليس من الإنصاف القول إن كل ما يحتويه برنامج هيئة الأمم المتحدة عمل سيئ محض أو هدام كله بل إن فيه الجيد المفيد والمطلوب، وفيه الرديء الضار وغير المطلوب أبدًا، ومما يحتاج إلى التنبيه إليه والتأكيد عليه أن كل ما يحتويه البرنامج ويبشر به من أفكار ويطالب به من مبادئ جيدة قد جاءت به الأديان السماوية ووضحها الدين الإسلامي ودعا إليها، ولذا فهي محل القبول والتأييد بيد أن بعض أصحاب هذه الأديان تجاهلوها وتغافلوا عن نشرها والدعوة للأخذ بها، ولذا فلا ينبغي أن تحاسب الرسالات السماوية على أساس سلوك المنتمين إليها بالحق أو بالباطل.
وأما ما يحتويه البرنامج من أفكار سيئة ومبادئ هدامة، وهي خطيرة على الإنسانية بصفة عامة وعلى البلاد النامية بصفة خاصة والإسلامية منها بصفة أخص - فهي التي قد أثارت عواصف الاعتراضات ضد مؤتمرات الأمم المتحدة، وساعدت على كشف الحجم الهائل من الشرور والمضار التي حملتها برامجها الخاصة بالأسرة والمرأة وخالفت بها الأديان السماوية عامة والدين الإسلامي خاصة وأود هنا أن أسجل ما لاحظت رابطة العالم الإسلامي من أن: برنامج هيئة الأمم المتحدة لم يتطرق إلى الدين –أيًا كان– في التأثير على حياة السكان وجوانب التنمية المطلوبة عن طريق استقلال القيم الفاضلة والمبادئ القوية التي شعر إليها الأديان وتأثير الأديان الواضح على حياة الإنسان، وما حفلات الموت التي شهدها العالم في الولايات المتحدة الأمريكية وأمريكا اللاتينية وأفريقيا من قتل أو انتحار جماعي لا يقره عاقل إلا دعوة بالفعل إلى عدم تجاهل تأثير الدين في النفوس وفي الحياة.
ومن الواضح أن ذلك قد حدث لأن البرنامج يعتمد في مرجعيته على خلفية تستبعد فكرة الأديان، وتقوم على فصل الدين عن حياة وشؤون الإنسان، وقد يفهم بحسب ما لوحظ من سلوكيات بعض الجمعيات غير الحكومية المشاركة في صياغة البرامج المطروحة أنها تعتبر الإنسان سلعة سوقية تخضع لقانون العرض والطلب وليس خلقة إلهية تستوجب التكريم والحماية والصيانة كما نص القرآن الكريم على ذلك بقوله سبحانه وتعالى ﴿وَلَقَد كَرَّمنَا بَنِي ءَادَمَ وَحَمَلنَٰهُم فِي ٱلبَرِّ وَٱلبَحرِ وَرَزَقنَٰهُم مِّنَ ٱلطَّيِّبَٰتِ وَفَضَّلنَٰهُم عَلَىٰ كَثِير مِّمَّن خَلَقنَا تَفضِيلا﴾ (الإسراء: ٧٠)
ثانيًا: الدعوة لإلغاء الميراث
يتضمن المشروع الذي قدمته هيئة الأمم المتحدة لمؤتمر السكان والتنمية في القاهرة عام ١٩٩٤م «..أنه يلزم بذل جهود خاصة في مجال التعليم والإعلام للتشجيع على معاملة البنات والأولاد على قدم المساواة فيما يتعلق بـ «التغذية، والرعاية الصحية، وحقوق الميراث، والتعليم، والنشاط الاجتماعي، والاقتصادي، والسياسي»
والمسلمون يرون أن هذه الأمور نادي بها وشجع عليها الإسلام، ولم يجعلها عقبة أبدًا أمام المرأة بل فيها المساواة التامة بما يحقق للمرأة حريتها وكرامتها ويحفظ المجتمع حقوقه والنصوص الإسلامية التشريعية كثيرة ومشهورة، ولا مجال لذكرها في هذه العجالة.
ولكن فيما يتعلق بالميراث مثلًا، فإن المشروع يعمل على تعديل نظرة الإسلام في قسمة التركة بين الذكر والأنثى، وهذه دعوى مرفوضة شرعًا لأنها تلغي تشريعًا واردًا ومفروضًا في قوله تعالى ﴿لِّلرِّجَالِ نَصِيب مِّمَّا تَرَكَ ٱلوَٰلِدَانِ وَٱلأَقرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيب مِّمَّا تَرَكَ ٱلوَٰلِدَانِ وَٱلأَقرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنهُ أَو كَثُرَ نَصِيبا مَّفرُوضا﴾ (النساء: ٧)، كما أنها تلغي تحديدًا من الله تعالي لهذا النصيب لكل من المرأة والرجل حيث يقول تعالى: ﴿لِلذَّكَرِ مِثلُ حَظِّ ٱلأُنثَيَينِ﴾ (النساء: ١١)
ومعلوم أن المرأة قد ترث ما يزيد على إرث عشرة رجال مثلًا في بعض الحالات كما أن الرعاية الصحية والتعليمية الواردة في الفقرة توحي بحرية لا تتقيد بدين ولا نظم محلية، بل إن البرنامج يدعو في فقرات أخرى إلى حماية المجتمع الدولي لهذه الحقوق وهذا تدخل سافر ليس في خصوصيات ودساتير الدول، بل بين أفراد الأسرة.
ثالثًا: العمل على هدم الأسرة
يدعو برنامج هيئة الأمم المتحدة إلى التسليم بتغيير شكل الأسرة خلافًا لما ما يدعو إليه دين الإسلام والرسالات السماوية الأخرى، حيث إن البرنامج يرى أن عملية التغيير الديمجرافي والاجتماعي - الاقتصادي السريع في أنحاء العالم أثرت على أنماط تكوين الأسرة والحياة الأسرية، فأحدثت تغييرًا كبيرًا في تكوين الأسرة وهيكلها. أما الأفكار التقليدية للتقسيم على أساس الجنس للمهام الأبوية والمهام المنزلية فلا تعكس الحقائق والتطلعات الراهنة.
بل يصرح برنامج الأمم المتحدة أن الأهداف تمثل في وضع سياسات وقوانين تأخذ في الاعتبار تعددية أشكال الأسرة كما يطالب الحكومات أن تقيم وتطور الآليات الكفيلة بتوثيق التغييرات وأن تجرى الدراسات بصدد تكوين الأسرة وهيكلها، وفي هذا ما فيه من العمل –تحت هذه العبارات الغامضة النطاطة– على تشجيع الاعتراف بالأسرة التي تتكون خارج الإطار الشرعي –سواء كانت بين رجل وامرأة بدون زواج أو بين رجلين– كما هو موجود في بلاد الغرب، أو بين امرأتين كذلك وهذا شيء يتناقض تناقضًا صريحًا مع الدين الإسلامي الحنيف ومادته الرامية لصالح البشر جميعًا. كما يتعارض مع المسيحية واليهودية.
فلا سبيل في الإسلام لتكوين أسرة إلا عن طريق الزواج القائم على عقد بين الرجل والمرأة وفق القواعد الشرعية المنظمة لذلك.
ومخالفة هذا الطريق الذي بينه التشريع السماوي لتكوين الأسرة دمار للأسرة وهدم لها وقطع لدابر النسل البشري، ولا يمكن فرضه على المسلمين والسعي في فرض مثل هذه الأمور هو إعلان حرب على المسلمين وعلى دينهم، وليس له سند من ميثاق الأمم المتحدة.
رابعًا: رفع ولاية الآباء عن أولادهم
ورد في برنامج هيئة الأمم المتحدة «يجب ضمان الوصول إلى الخدمات المتعلقة بالصحة الجنسية والتناسلية بما في ذلك منع حالات الحمل المبكر والتثقيف الجنسي والوقاية من فيروس نقص المناعة البشرية «الإيدز» وغير ذلك من الأمراض المنقولة بالاتصال الجنسي، ويجب ضمان سريتها وخصوصيتها دعم وتوجيه الوالدين، وبما يتماشى مع اتفاقية حقوق الطفل».
وكما هو واضح، ففي هذا رفع لولاية الآباء عن الأبناء من خلال الاحتفاظ لهم بالخصوصية والسرية، فيما يتعلق بالخدمات المتعلقة بالصحة الجنسية والتناسلية بل يطالب البرنامج بدعم وتوجيه الوالدين لأولادهما فيما يتعلق باستعمالهم لهذه الخدمات وهو توجيه يهدف إلى رفع ولائية الآباء على أبنائهم وبناتهم من حيث الرقابة الأخلاقية والتربية السوية وحماية المراهقين والمراهقات عن تعاطيهم الجنس والاحتفاظ بسلوكياتهم الشخصية في سرية عن آبائهم.
وفي هذا التوجه مخالفة صريحة لروح الشريعة الإسلامية ونصوصها، حيث حمل الإسلام الآباء والأمهات مسؤولية كبرى في تربية أولادهم، وإعدادهم الإعداد الكامل لحمل أعباء الحياة وقد أكد رسول الله هذه المسؤولية في أكثر من حديث، ومن ذلك قوله r «الرجل راع في أهله ومسؤول عن رعيته والمرأة راعية في بيت زوجها ومسؤولة عن رعيتها» (أخرجه مسلم (1829) باختلاف يسير) ويقول r: «أدبوا أولادكم وأحسنوا أدبهم» كما يقول r «علموا أولادكم الخير وأدبوهم»
وليس من الرعاية التي كلف بها الإسلام الآباء لأولادهم تركهم الشذوذ الجنسي والأمراض الناتجة عنه بل هو تفريط واضح في المسؤولية وتعرض علني لغضب الله سبحانه وتعالى، فضلًا عن خطره على الأفراد والأسر والمجتمعات.
خامسًا: رفع سن الحد الأدنى للزواج
يرى البرنامج تشجيع الأطفال والمراهقين والشباب وخاصة الشابات على مواصلة تعليمهم لتهيئتهم لحياة أفضل، وزيادة إمكاناتهم البشرية للمساعدة في الحيلولة دون حدوث الزيجات المبكرة، كما يدعو إلى أن تعمل البلدان على إيجاد بنية اجتماعية، اقتصادية تقضي إلى إزالة الترغيب في الزواج المبكر.
وهذا يعني أن البرنامج يدعو إلى رفع من الراغبين في الزواج عن طريق محاربة الزواج المبكر لدى الشباب من الجنسين، وفي هذا معارضة صريحة تعاليم الإسلام التي تدعو إلي الزواج وتحث عليه ما دامت القدرة عليه قد تحققت والاستطاعة قد تيسرت وفي ذلك يقول الله تعالي: ﴿وَأَنكِحُواْ ٱلأَيَٰمَىٰ مِنكُم وَٱلصَّٰلِحِينَ مِن عِبَادِكُم وَإِمَائِكُم إِن يَكُونُواْ فُقَرَاءَ يُغنِهِمُ ٱللَّهُ مِن فَضلِهِۦۗ وَٱللَّهُ وَٰسِعٌ عَلِيم﴾ (النور: ٣٢) ويقول النبي r: «يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج» (أخرجه مسلم (1400) باختلاف يسير )
وقولهr : «من قدر على أن ينكح فلم ينكح فليس منا» (رواه أبو سعيد الخدري) وكان هذا الموقف للشريعة الإسلامية من منطلق الحرض على صالح المجتمع، وإعلاء راية العفة والطهارة في ربوعه، وسد منافذ الفساد، وإغلاق الثغرات التي يتولد منها الشذوذ الجنسي، وأن يتم ذلك إلا بالعمل على عدم كثرة العزاب والعوانس بين أفراد مجتمع المسلمين كما أن تأخيره يؤدي إلى شيوع الفاحشة، ومن ثم زيادة الأطفال اللقطاء أو إباحة الإجهاض وضياع الحقوق وتوقف عجلة الإنتاج وتفاقم الأخطار والمشكلات في المجتمع.
سادسًا: إباحة الزني
كذلك ورد في برنامج الأمم المتحدة «ينبغي أن يكون الهدف مساعدة الأزواج والأفراد على تحقيق أهدافهم التناسلية، وإعطائهم الفرصة الكاملة في ممارسة حق الإنجاب باختيارهم» والمقصود بالأفراد هم غير المتزوجين من الناس.
ومن ذلك تتضح الدعوة إلى إلغاء القوانين التي تحد من ممارسة النشاط الجنسي الذي هو فطرة وجه الإسلام إلى الطريق الأمثل لتفريغها وعمارة الكون على أساسها، وقد ورد مثل ذلك في الفقرات 7-8 من وثيقة مؤتمر السكان والتنمية التي تضمنت أنه ينبغي على الحكومات أن تسهل على الأزواج والأفراد تحمل المسؤولية عن صحتهم التناسلية والجنسية بإزالة ما لا لزوم له من عوائق قانونية وسريرية وتنظيمية تقف في وجه اكتساب المعلومات والحصول على خدمات وأساليب تنظيم الأسرة.
ومثل ذلك المناداة بحقوق المراهقين الجنسية حيث ينص البرنامج على إنه ينبغي أن تتوافر للمراهقين المعلومات والخدمات التي تساعدهم في فهم حياتهم الجنسية، وحمايتهم من حالات العمل غير المرغوب فيه، ومن الأمراض المنقولة بالاتصال الجنسي، ومن خطر العقم بعد ذلك.
وحول سرية العلاقات ونتائج الممارسات الجنسية ينص البرنامج على أنه يجب أن تزيل البلدان العوائق القانونية والتنظيمية والاجتماعية التي تعترض سبل توفير المعلومات والرعاية الصحية الجنسية والتناسلية، كما يجب أن تضمن ألا تحد مواقف مقدمي الرعاية الصحية من حصول المرافقين على الخدمات والمعلومات التي يحتاجونها، وفي إنجاز ذلك لا بد للخدمات المقدمة إلى المرافقين أن تضمن حقوقهم في الخصوصية والسرية والموافقة الواعية والاحترام.. إلى غير ذلك.
وهذه دعوة تخالف ديننا وتصادم تشريعاتنا صراحة حيث يقول تعالى: ﴿وَلَا تَقرَبُواْ ٱلزِّنَىٰ إِنَّهُۥ كَانَ فَٰاحِشَة وَسَاءَ سَبِيلا﴾ (الإسراء: ٣٢)
كما يقطع الإسلام كل الطرق المؤدية إليه ويطلق كل المنافذ المتوقعة فيه من مثل الاختلاط غير المنضبط بضوابط وتعاليم الدين والنظرة الأثمة، والخلوة المحرمة، والتبرج وإظهار المفاتن إلى غير ذلك، بل وشرع التعزيرات كما عند العقوبات المترتبة على ذلك.
ولقد حرص الإسلام على ذلك صيانة للأعراض والأنساب والروابط الأسرية والعلاقات الإنسانية وحماية الإنسان من الانغماس في وطأة الرذائل المؤدية إلى هلاك الفرد وضياع المجتمع.
وإن التاريخ القديم والحديث يوضع ذلك جيدًا، حيث بلغت الحضارات البابلية والأشورية والإغريقية والرومانية أوج المجد والعضة كل في حينها، ولكنها سرعان ما بدأت تشيخ وتهرم وتنهار عندما نخر سوس العلاقات الجنسية المحرمة العمياء همم أفرادها وهزائم أسيادها، وانتشرت في مجتمعاتها.
سابعًا: إباحة الإجهاض
إن برنامج هيئة الأمم المتحدة يتحاشي النص على إباحة الإجهاض صراحة بيد أن المدقق يشتم رائحة هذه الإباحة، بل الدعوة إلى الإجهاض في مواطن كثيرة من البرنامج.
فعلى سبيل المثال تجد النص التالي: «ينبغي أن تكون برامج الرعاية الصحية التناسلية والجنسية مصممة لتلبية احتياجات المرأة والفتاة المراهقة».
بل نجد ما هو أشد من ذلك معالجة قضايا المراهقين المتصلة بالصحة الجنسية والتناسلية بما في ذلك الحمل غير المرغوب فيه، وكذلك ينص البرنامج على أنه «يتعين على البلدان –بدعم من المجتمع الدولي– أن تحمي وتعزز حقوق المراهقين في التربية والمعلومات والرعاية المتصلة بالصحة الجنسية والتناسلية وأن تخفض عدد حالات حمل المراهقات تخفيضًا كبيرًا...».
وهذا الاتجاه من البرنامج مناقض لأبسط مبادئ الإنسانية ولتعاليم الرسالات السماوية ولأحكام الدين الإسلامي.
فجمهور علماء الإسلام يرون أن إسقاط الحمل «الإجهاض» محرم مطلقًا، إذ هو قتل النفس محرم قتلها.
حتى ولو كان الجنين ناتجًا عن زنا أو اغتصاب أو غير ذلك، إلا إذا كان ذلك الجنين يمثل تهديدًا لحياة الأم أو أن الجنين لن يخرج سوياً على تفصيل لدى المجامع العلمية الفقهية.
كما لا يجوز إسقاط الجنين بسبب العوامل الاقتصادية القائمة أو المتوقعة، عملًا بقوله تعالى ﴿وَلَا تَقتُلُواْ أَولَٰدَكُم مِّن إِملَٰق نَّحنُ نَرزُقُكُم وَإِيَّاهُم﴾ (الأنعام: ١٥١)
وقوله تعالى ﴿وَلَا تَقتُلُواْ أَولَٰدَكُم خَشيَةَ إِملَٰق نَّحنُ نَرزُقُهُم وَإِيَّاكُم﴾ (الإسراء: ٣١)
ثامنًا: الضلال في معالجة الإيدز
يرى البرنامج أن نسبة الإصابة بالأمراض المنقولة بالاتصال الجنسي على نطاق عالمي مرتفعة وأخذة في التزايد، وقد ازدادت هذه الحالة سوءًا بشكل كبير مع ظهور وباء فيروس نقص المناعة البشرية.
ويرى البرنامج للخلاص من هذه المشكلة «أنه ينبغي أن يصبح تشجيع استخدام الواقي الذكري جيد النوعية، وتوريده، وتوزيعه بصورة موثوقة، عنصرًا لا يتجزأ من جميع خدمات الرعاية الصحية التناسلية وينبغي على جميع المنظمات الدولية ذات الصلة، ولا سيما منظمة الصحة العالمية أن تزيد بصورة كبيرة من شرائه».
كما ينبغي العمل على إتاحة الواقي والعقاقير للوقاية والعلاج من الأمراض المنقولة عن طريق الاتصال الجنسي على نطاق واسع وبأسعار متهاونة مع إدراجها في جميع قوائم العقاقير الأساسية.
كما «ينبغي لدوائر البحوث أن تعمل بالذات على دعم وتعزيز الجهود المبذولة حاليًا لإيجاد لقاح، ولتطوير طرائق تتحكم فيها المرأة، ومن ذلك –مثلًا– مبيدات الميكروبات المهبلية من أجل الإصابة بفيروس نقص المناعة البشرية».
إن هذه حلول يصدق عليها قول القائل: «وداوها بالتي كانت هي الداء» فهي حلول تقر الخطأ وتعالجه بخطأ أشد فحشًا منه، كما أنها لا تقي الإنسان من هذا الداء الوبيل والخطر الداهم، وإضافة إلى ذلك فهي حلول تخالف الشريعة الإسلامية في العلاج أو الوقاية من هذه الأمراض الناتجة عن شيوع الفاحشة.
ووجه المخالفة يظهر فيما يلي:
إن الإسلام يعالج هذا المرض وأمثاله بعدة تدابير شرعها الخالق سبحانه وتعالى ليقي الإنسان ومجتمعه من شرورها وهي كثيرة نذكر منها:
أولًا: تدابير الوقاية من وجوده أصلًا، فضلًا عن انتشاره حيث يعتني الإسلام بإصلاح نفس الإنسان قبل كل شيء ويعمر قلبه بخشية الله تعالى عالم الغيب والشهادة ويشعره بمسؤوليته يوم القيامة التي لا يستطيع أن ينجو منها بأي حيلة، وينشئ فيه الميل إلى طاعة الله والرسول r التي في أولى مقتضيات الإيمان ثم ينبهه – ولا يزال مرة بعد أخرى– على أن الزنى والفحشاء من كبائر الذنوب الموجبة لغضب الله تعالى والجالبة عليه العذاب الأليم في الآخرة، ولذا نجد الأمر بغض البصر وحفظ الفرج ﴿قُل لِّلمُؤمِنِينَ يَغُضُّواْ مِن أَبصَٰرِهِم وَيَحفَظُواْ فُرُوجَهُم ذَٰلِكَ أَزكَىٰ لَهُم إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرُ بِمَا يَصنَعُونَ وَقُل لِّلمُؤمِنَٰتِ يَغضُضنَ مِن أَبصَٰرِهِنَّ وَيَحفَظنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنهَا وَليَضرِبنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَىٰ جُيُوبِهِنَّ﴾ (النور: ٣٠-٣١)
النهي عن الخلوة بين الرجل والمرأة دون وجود محرم لها، فقد قال رسول الله r «ولا يخلون رجل بامرأة إلا والشيطان ثالثهما» (أخرجه الترمذي (2165)، وأحمد (114) باختلاف يسير) النهي عن اختلاط الرجال والنساء دون ضوابط شرعية ولغير ضرورة تستدعي ذلك.
التنفير من جريمة الزني ودواعيها:
﴿وَلَا تَقرَبُواْ ٱلفَوَٰحِشَ مَا ظَهَرَ مِنهَا وَمَا بَطَنَ﴾ (الأنعام: ١٥١) ﴿وَلَا تَقرَبُواْ ٱلزِّنَىٰ إِنَّهُۥ كَانَ فَٰحِشَة وَسَاءَ سَبِيلا﴾ (الإسراء: ٣٢)
النهي عن مقدمات الزني ودواعيه والتهديد بعذاب الله تعالى لمن يقترف هذه الكبيرة: ﴿وَٱلَّذِينَ لَا يَدعُونَ مَعَ ٱللَّهِ إِلَٰهًا ءَاخَرَ وَلَا يَقتُلُونَ ٱلنَّفسَ ٱلَّتِي حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلَّا بِٱلحَقِّ وَلَا يَزنُونَ وَمَن يَفعَل ذَٰلِكَ يَلقَ أَثَاما يُضَٰعَف لَهُ ٱلعَذَابُ يَومَ ٱلقِيَٰمَةِ وَيَخلُد فِيهِۦ مُهَانًا﴾ (الفرقان: ٦٨-٦٩)
التنبيه إلى تطبيق حق الزني على من يقترف هذه الجريمة، إذا ما توافرت شروط تطبيقها.
ثانيًا: تدابير العلاج من هذه الأخطاء إذا ما وقعت حماية ضد من الانهيار بسببها وصيانة للصالحين فيه من الإيذاء وتمكينًا للبلاد من التفوق والرقي وعدم التخلف والهوان وهي العقوبة التي تتناسب مع هذا الجرم وتردع الذين يميلون إلى ارتكابها حتى يرهبوها ويحجموا عنها.
ذلك أن غاية القانون الإسلامي ليس معاقبة الجاني فقط بل تطهير المجتمع من الجناية ذاتها وعدم التمكين من الاقتراب منها والتعود عليها.
ثالثًا: يأتي دور العلاج الطبي في الفضل صورة التي تتناسب وقيمة الإنسان ولعل هذه التدابير التي وضعها الإسلام لوقاية الإنسان من أخطار الممارسات الجنسية الشاذة والبهيمية ومنها مرض نقص المناعة الإيدز بعيدة عن مشروع برنامج هيئة الأمم المتحدة.
وهكذا فالفرق بين علاج الإسلام وعلاج واضعي المشروع – لأمراض الممارسات الجنسية المحرمة، وعلى رأسها الإيدز– كبير، فبينما يجفف الإسلام منابع المرض ويعالج مصادره فإن المشروع يحافظ على المنابع ويبقى على المصادر، ثم يدعى أنه يحاصر الآثار بمثل الواقي الذكري، وذلك من باب المحافظة على حرية الفرد في ذات الوقت الذي يدمر فيه الفرد والجماعة والبشرية.
وهذه جريمة لا ينبغي تجاهلها أو المساهمة فيها إنقاذًا للبشرية عامة من أخطارها، وصيانة للناس بصفة خاصة، وحماية للمسلمين بصفة أخص.
تاسعًا: تحديد النسل بسبب الرزق
يركز البرنامج دون مواربة على أن الدعوة لتحديد النسل والقوانين والتدابير المطلوب اتخاذها لنجاح هذا الهدف هي بسبب الموارد الغذائية الموجودة في العالم والآخذة في التناقص والندرة، وفي هذا إعمال كامل لخالق هؤلاء البشر وتجاهل كامل لقدرته سبحانه وتعالى على رزقهم وعلى تدبير الموارد اللازمة لهم، وفيه كذلك إغفال لدور هؤلاء البشر في إنتاج الموارد التي أودعها الله تعالى لهم في هذا الكون وأمرهم باستخراجها وحسن الإفادة منها، يقول الله تعالى في القرآن الكريم: ﴿ٱلرَّحمَٰنُ عَلَى ٱلعَرشِ ٱستَوَىٰ لَهُۥ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرضِ وَمَا بَينَهُمَا وَمَا تَحتَ ٱلثَّرَىٰ﴾ (طه: ٥-٦)
ويقول العلماء المسلمون في قوله تعالى: ﴿وَمَا تَحتَ ٱلثَّرَىٰ﴾ إشارة إلى أنه تعالى خبأ في تراب كل بلد من الخيرات ما يكفي أهلها أن يعيشوا بسببه في رفاهية من الحياة إلى آخر الزمان أو استخرجوه، ومن هنا فالفقر ليس بسبب ندرة الموارد بل بسبب التكاسل من البشر أو بسبب من الطغاة واستبداد الأنظمة.
ومن هنا فالدعوة لتحديد النسل بسبب ندرة الموارد أو انعدامها أو توقع ذلك سبعتها إما جهل بالله تعالى وبقدرته، وإما إنكار لوجود الله تعالى أو قدرته، وكذلك هي تجهيل للناس بأن الموارد الغذائية الموجودة بالفعل في الأرض تكفي سكانها مع عدالة التوزيع، وسلامة الاستهلاك.
بل هي تجهيل للناس وتخويفهم حينما يقولون إن عدد سكان العالم في القرن العشرين قد ازداد بما يعادل عشرة أضعاف ازدياده في القرن التاسع عشر وفي الوقت نفسه يخفون عنهم أن الإنتاج العالمي من الموارد الغذائية والاستهلاكية قد ازداد بأكثر من خمسة عشر ضعفًا إلى نسبة زيادته في القرن التاسع عشر.
بل هي تجهيل أكثر الناس وتخويف لهم أكثر حينما يخفون عنهم أن الإنتاج العالمي الحالي يكفي لتأمين معيشة كريمة لأكثر من عشرين مليارًا من البشر لولا الخلل في توزيع الإنتاج.
السيد رئيس الجلسة
إن رابطة العالم الإسلامي إذ تضع لكم هذه الملاحظات على برنامج هيئة الأمم المتحدة فإنها تسعى من خلال وجودها في الهيئة الموقرة كعضو مراقب إلى تعاون المجتمع الدولي ومنظماته لتحقيق التكريم العظيم الذي كرم به الله سبحانه وتعالى الإنسان، ولتحصين الإنسان وحمايته من كافة الشرور والموبقات والحريات النقلية التي لا ضابط لها، وتعلمون أن رسالات السماء اشتركت في الدعوة إلى حماية الإنسان وتكريمه من خلال منهجها في بيان الحلال والحرام، وهذا هو الأصل المطلوب لوضع المناهج والبرامج في هذا العصر وفي كل عصر فخالق البشر أعلم بحاجاتهم، وكل ما قامت به الهيئات الكنسية وعلى رأسها الفاتيكان من جهود مماثلة ينبغي أخذه بعين الاعتبار، فلنعمل سويًا من أجل حماية البشر من المفاسد والرذائل واختلاط الأنساب ومضار الشهوات الدنيوية الزائلة التي من شأنها تدمير المجتمعات الإنسانية.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل