العنوان الأمن الخليجي قضية لا تقبل التأجيل
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الأحد 22-ديسمبر-1991
مشاهدات 68
نشر في العدد 981
نشر في الصفحة 4
الأحد 22-ديسمبر-1991
عندما تدفق النفط من سواحل الخليج قبل ما ينيف عن نصف قرن تساءل
الآباء والأجداد فيما إذا كان هذا السائل الأسود نعمة أم نقمة!
ولا شك أن النفط كان نعمة في جوانب عديدة، فبه بنيت المدن والمصانع
والمدارس والمستشفيات، ومن أجله وفدت الخبرات البشرية من الشرق والغرب لتسهم في
بناء وتشييد أكثر المجتمعات ثراءً ورفاهية في العالم الثالث.. هذا النفط الذي جلب
الخيرات أوشك أن يكون نقمة حين جعل هذه الرقعة الآمنة المستقرة من الأرض هدفًا
لتطلعات قوى سياسة دولية وإقليمية تظهر آثارها علينا يومًا بعد يوم.
وفي المحنة الأخيرة وجدنا التشاؤمات تتحول إلى حقائق قاسية ويقف الوحش
العسكري البعثي بأقدامه الثقيلة فوق صدر الكويت ويهتف واهمًا: «ملكت ربع نفط
العالم».
فالأهمية البالغة التي يمثلها نفط الخليج للاقتصاد العالمي حقيقة
يومية تجسدها عشرات السفن التي تغادر مضيق هرمز كل يوم، وتجسدها بشكل أكبر عشرات
البوارج والزوارق الحربية للقوى الدولية التي تحرس هذا الشريان وتنظر لهذه المنطقة
بعيني القلق والطمع معًا..
ونحن هنا لا نتحدث عن خطر غزو عسكري أطلسي من نمط ما كان يتحدث عنه
الإعلام البعثي وسفهاء الأحزاب العربية خلال حرب تحرير الكويت، بل الذي نتحدث عنه
هو أمن المخزون العالمي للطاقة النفطية الذي تبحث القوى الدولية عن ضمانة له، فإن
وجدته في النسيج السياسي والعسكري الخليجي قبلت به وتعاملت معه، وإن لم تجده بحثت
عن بدائل من صنعها، وإذا كانت القضية الأمنية تمثل الهاجس الأكبر الآن لمجلس
التعاون الخليجي وتفاصيلها تحتل جدول أعمال القمة الخليجية التي تعقد هذه الأيام..
فإنه جدير بنا أن نطرح أمام قادة دول المجلس الحقائق التالية:
- إن النفط
يمثل أكثر من ٦٠٪ من مصادر الطاقة المستهلكة عالميًا وليس من المتوقع على المدى
القريب والمتوسط أن يظهر بديل حاسم لهذا النفط.
- إن دول
مجلس التعاون الخليجي تحوي في طيات أراضيها ٥٠٪ من الاحتياطي النفطي المعروف في
العالم وبإضافة العراق وإيران فان ثلثي نفط العالم في منطقتنا هذه.
- إن
التراجع المؤقت لنسبة الاعتماد الدولي على النفط المستورد من الخليج قد قارب
الانتهاء.. إذ تقترب احتياطيات النفط في المناطق الأخرى من العالم من مراحلها
الحساسة ويتزايد الاعتماد على النفط الخليجي كما لم يكن من قبل.. وتوقعات العام
١٩٩٥ أن الولايات المتحدة واليابان ستستوردان ٥٠٪ من حاجاتهما النفطية من
الخليج.
- إنه في
المدى المتوسط والبعيد سيكون معظم استهلاك النفط عالميًا من الخليج وإن النظرة
الدولية لهذا النفط ستتحول من صورة الأطماع الثانوية إلى حقيقة المصالح الضرورية
وإلى قضية حياة أو موت لبعض الدول.
في ظل ما سبق يتضح حجم التحدي الذي تواجهه شعوب الخليج ويتضح حجم
الأعباء التي تحملها القمة الخليجية في الكويت.
أمام قادة أقطار مجلس التعاون الآن القضية الأمنية بكل أبعادها تطرح
بإلحاح ولا تقبل التأجيل فأمن الخليج لم يعد شأنًا خليجيًا، بل صار شأنًا دوليًا،
وترتب على سكان الخليج أن يقنعوا العالم أنهم قادرون على الاضطلاع بمسؤولية هذا
الأمن، وأنهم يملكون من الحكمة ما يكفي لمنع كل أنواع الخلاف والتناقضات
الموجودة على شواطئ الخليج من أن تتحول إلى خطر يهدد أمن الاقتصاد العالمي،
وبالتالي تبرر تدخل الآخرين.
ماذا يملك الخليجيون لتحقيق هذا الهدف؟ إنهم بلا شك يملكون الكثير..
هم يملكون- على صعيد مجلس التعاون- الصيغة السياسية الموحدة التي
تستطيع أن تخاطب العالم بكياناته وقواه بلغة واحدة وقرار موحد.. وهي الصيغة التي
لا تزال بحاجة إلى مراحل من التطوير والتدعيم لتصل إلى المستوى القادر على تحقيق
هذه الغاية. وهم يملكون الإحساس المشترك بالأمن وكما اتضح جليًا في الأزمة الأخيرة
وهذا الأمن الموحد يدفع للتخطيط الأمني المشترك بكافة صوره، سواء كان تنسيقًا بين
قوى الأمن أو توحيدًا للجيوش والقوات وهو التوحيد الدفاعي الذي يجعل الادعاء
الخليجي بذاتية الأمن أكثر إقناعًا لقوى دولية لا تقبل المغامرة في مصادر شريانها
الاقتصادي.
وهذا الاندماج في التخطيط السياسي والدفاعي سيجعل مجلس التعاون
الخليجي أكثر قدرة على التفاوض والتفاهم مع القوى الدولية ومع القوى الإقليمية
التي تمثل عنصرًا أساسيًا في الأمن الخليجي كإيران حاليًا والعراق بعد زوال النظام
الكافر.
وهم يملكون المال أيضًا- رغم الصعاب الاقتصادية المؤقتة- وهو المال
الذي يحسن استغلاله واستثماره لتعزيز الأمن الخليجي ولا نقصد هذا الإنفاق العسكري
والبوليسي، بل نعني استثمار المال في الإنسان الخليجي، فهذا الإنسان هو المعني
أولًا وأخيرًا بأمن واستقرار وطنه الممتد على سواحل الخليج، وهو الذي ينظر لأمن
الخليج على أنه الأمن لأطفاله وعائلته وعرضه ودينه في حين ينظر العالم لهذا الأمن
بعين النفط والاقتصاد.
أمن الخليج.. مسؤولية أبنائه، عبارة رددناها كثيرًا، ويريد العالم منا
أكثر من الكلام حتى يصدق هذا الشعار فبالنسبة للعالم- ولنا قبله- فإن الأمن
الخليجي قضية لا تقبل التأجيل.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل