; الأمن السياسي وعلاقته بالأمن الاقتصادي | مجلة المجتمع

العنوان الأمن السياسي وعلاقته بالأمن الاقتصادي

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 13-أكتوبر-1987

مشاهدات 94

نشر في العدد 838

نشر في الصفحة 28

الثلاثاء 13-أكتوبر-1987

إن الأمة التي لا يستقر اقتصادها ولا ينمو هي بالأحرى أمة ضعيفة لن يكتب لها البقاء كثيرًا بل على الأدق لن تستطيع المضي قدمًا في عالم لا يصلح فيه إلا الأقوياء والعلماء القادة في أممهم. 

ولقد سارت أمتنا الإسلامية حقبة طويلة من الزمن قدمًا في سبيل المجد والرقي والحضارة، ما استطاعت أمة أن تلحق بها، يوم أن كان الإسلام له دولة تحكم باسمه وترفع رايته عالية خفاقة... يومها بالضبط فاضت الخيرات وكثر المال وعاشت شعوب الإسلام في رفاه وأمن وتقدم.

إننا إذا ترقبنا أحوال الأمم الأخرى التي ما عرفت عن الإسلام شيئًا لوجدنا عجبًا: إنهم يفكرون في الاستفادة والجودة من الوقت لا تضييعه كما نفعل نحن، وترى صناعتهم عنوانها الإتقان والجودة ودقة الصنع أما نحن فتجدها مفككة غير دقيقة كأن الذين صنعوها لم تكن لهم نية في صناعتها ولم يأخذوا عليها أجرًا على الإطلاق.

وإني لينتابني العجب عندما أذهب لأشتري قلمًا أكتب به فأمامي الفرنسي والألماني والعربي فعندما أجرب كلًا منهما أجد القلم المصنع عربيًا قد تفككت أجزاؤه قطعة قطعة وتناثرت على الأرض، فأقوم بجمعها... يا عجبًا كأن اليد التي صنعته لم تعرف خشية الله ومراقبته. 

لقد كانت أمتنا موردة للغذاء لشتى أنحاء الدنيا لدرجة أن الحبوب كانت توضع على قمم الجبال لطيور المسلمين خشية أن تذهب هذه الطيور لأرض فارس والروم فيقولون إن المسلمين لم يجدوا ما يطعمون به طيورهم وبعد الانهيار الذي منيت به الخلافة الإسلامية أضحت أمتنا بشتى دولها إلا ما رحم ربي تعتمد على قوى الاستكبار العالمية الحاقدة على الإسلام في رغيف خبزها... وللأسف في زجاجة الماء التي ترتوي بها.

لقد أثر بدرجة كبيرة على الظروف السياسية التي سادت أمتنا، حتى لقد أصبحت هذه الأمة غير مستقلة في قراراتها ولا تملك حريتها لأنها مرتهنة فيمن يطعمها.

لقد كان رغيف الخبز المصدر لأمتنا رهنًا بإرادة الدم المسلم الطاهر كي يتسنى للمستكبرين في أمتنا الحصول عليه خشيةً زلزلة العروش، وكأن رغيف الخبز الذي نأكله قد طبخ بالدماء المسلمة الزاكية، وليت الأمر يتوقف عند هذا-فقد دارت أمتنا في دوامة الديون العالية وفوائدها مما قد أضحى سيفًا حادًا نصب على رقاب هذه الأمة المسكينة؟ 

لقد أضحت الاضطرابات السياسية وعدم الاستقرار السياسي مرهونة إلى حد كبير بالرخاء الاقتصادي.

وليمكن القول لقد ارتهنت أمتنا بيد من يطعمونها للأسف ...

لم يعد الصاروخ ولا السيف هو السلاح الأوحد لنهب الشعوب والسيطرة عليها، بل لقد ظهرت على الساحة أخطر سلاح وهو سلاح القمح والغذاء، هذا السلاح الذي أذل شعوبنا واسأل دماء أزكى وأطهر شبابها بيد من وقعوا في أحضان الشرق والغرب.

إن أمتنا تستدين بمبلغ ٢٥ مليارًا من الدولارات سنويًا ثمنًا للموارد من الغذاء الذي تقتات به الشعوب» ولقد صرح رئيس صندوق النقد العربي من إن معظم الدول العربية قد بلغت نسبة العجز في ناتجها المحلي أكثر من 50%.

لقد سارت أمتنا في طريق النكبات وفي دروب الظلام لولا أن يتغمدها الله بواسع رحمته.

لقد كنا نقرأ أنه في عام الرمادة في عصر أمير المؤمنين «عمر بن الخطاب» كانت تسير القوافل من عند «عمرو بن العاص» وإلى مصر محملة بالغذاء أولها في مصر ونهايتها في مكة المكرمة، فماذا أصاب الكنانة أضحت في اختناق اقتصادي شديد، وأضحت لا تعتمد في غذائها إلا على ما يقرب من ٤٠%.

لقد دارت أمتنا في ركاب الجبرية السياسية العالمية المعادية للإسلام لبعدها عن الإسلام ولاعتمادها في غذائها على تلك القوى العالمية.

وللدلالة على ذلك فبعد أن وقعت عيناي على هذا الحوار الذي أجرته «الدستور» الأردنية مع وزير الزراعة الأمريكي يتبين لنا الارتباط الوثيق بين الاستقلال الاقتصادي والاستغلال السياسي، لقد كان من أقوال الزراعة بالحرف الواحد: اعتماد ۱۰ ملايين دولار لتمويل صفقة قمح للأردن: الغذاء لن يستخدم كسلاح ضد الدول إلا إذا تعرضت أمريكا للخطر.

لقد جاء في هذا الحوار أن الإدارة الأمريكية ستعمل جاهدة على زيادة التسهيلات المقدمة للأردن لأنها إحدى الدول الهامة في المنطقة!! وكشف المسؤول الأمريكي النقاب أن بلاده ستمنح قرضًا مماثلًا للعراق قدره ١٥ مليون دولار منها ١٠ مليون دولار لاستيراد الدخان...!! و5 ملايين دولار لاستيراد ماشية الألبان، وأقر المسؤول الأمريكي إن بلاده قد أصدرت قانونًا خاصًا يعرف بقانون فائض الحاصلات الزراعية الذي تستفيد منه مصر، السودان، المغرب وتونس إضافة إلى برنامج الغذاء من أجل السلام!! وهذا البرنامج مطبق بدقة في أرض الكنانة وحول مستوردات الدول العربية من السلع الغذائية الأمريكية قال إن: 

-الأردن يستورد ٤٠ ألف طن أرز، ۱5۰ ألف طن قمح، ٦٠ ألف طن شعير. 

-مصر مليون و٢٠٠ ألف طن دقيق، ٤٣ ألف طن لحم دجاج، ٦ آلاف ماشية ألبان و٣٠ ألف طن دقيق خاص بصناعة المعكرونة. 

-اليمن الشمالي: ١٥٠ ألف طن دقيق، ۱۰۰ ألف طن قمح، ١٥٠ ألف طن علف دواجن.

-المغرب: 1.5 مليون طن قمح، 4 آلاف من ماشية الألبان.

-الجزائر: ٢ مليون طن قمح، ٢٥٠ ألف طن دقيق لصناعة المعكرونة، ١٠٠ ألف طن دقيق، 5 ملايين بيضة للاستخدام البشري، ٥٠٠ ألف طن شعير، ٥ آلاف من ماشية الألبان.

-العراق: ١٥٠ ألف طن دقيق، ٦٥٠٠ رأس ماشية ألبان.

-تونس: 1.1 مليون طن قمح، 4 آلاف رأس ماشية.

-سوريا: ٧٠٠ ألف طن قمح.

وردًا على سؤال حول احتمال استعمال الإدارة الأمريكية للقمح كسلاح قال المسؤول الأمريكي: نأمل ألا يكون كذلك.

وواضح كل الوضوح من أن القمح هو أخطر سلاح يوجه إلى صدر أمتنا الجريحة وأن أمريكا هي العدو الأكبر لكل حركة إسلامية في العالم ومعها قوى الشرق الاستكبارية. 

فهل أمريكا التقية، الرحيمة تعطينا القمح لأجل عيوننا.

لقد بين قرآننا العظيم العلاقة بين الأمن الاقتصادي والأمن السياسي ألم يقل القرآن:﴿الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ﴾ (سورة قريش: 4).

فلنعد إلى منهج القرآن وهدي محمد صلى الله عليه وسلم وإلا فلنترقب مصيرنا ونحن خائفون .

 

مواقف صينية

في الآونة الأخيرة توالت المؤشرات على بداية تغيير الصين لسياستها تجاه المنطقة فقد كثر الحديث عن التقارب الصيني الصهيوني وترددت أنباء عن اتصالات مباشرة وأخرى غير مباشرة بين مسؤولين في الكيان الصهيوني ومسؤولين صينيين حتى بدا الأمر وكأن التمثيل الدبلوماسي بين الجانبين على وشك الحدوث. 

والحقيقة أن الاتصالات الصينية الصهيونية بدأت منذ سنة ۱۹۷۲ وكان مهندسها الأول وواضع لبناتها الأولى الصهيوني هنري كيسنجر الذي نقل رغبة واهتمامًا صينيين بإقامة اتصالات مع الإسرائيليين في نطاق سياسة الانفتاح الصينية وعقب وفاة ماو تسي تونغ وفي سنة ١٩٧٥ اعترف رابين بأن الكيان الصهيوني فتح قنوات الاتصال مع الجانب الصيني -رغم نفي الصين آنذاك لذلك- وقال رابين إن تلك الاتصالات بمساعدة قيادات اشتراكية في أوروبا ومع كثرة اللقاءات وتوثق روابط المصالح لم يكن أمام بكين بد من الاعتراف بوجود اتصالات وصفتها بأنها تقتصر على شركات القطاع الخاص وعلى الربط الهاتفي بين بكين والقدس المحتلة.

وقد صار معروفًا أن منطلق الاتصالات الصينية الصهيونية إنما هو اهتمام الصين اهتمامًا خاصًا بالحصول على الخبرة التي اكتسبها الصهاينة في الأسلحة السوفيتية خلال الحروب العربية الإسرائيلية الثلاثة الأخيرة بل والحصول على المعدات العسكرية الصهيونية والتكنولوجية الصهيونية والأمريكية الحديثة التي لا يمكن أن تحصل عليها -لعدة أسباب- مباشرة من الولايات المتحدة الأمريكية ثم تقدم التعاون الصيني الصهيوني ولم يقف عند حدود المجال العسكري وذلك بإنشاء مشاريع صناعية وزراعية في الصين بمساعدة صهيونية 

وهكذا ومرة أخرى يتأكد أن المصالح الاقتصادية تقود السياسة وتحدد اتجاهها وأن الكثير من الدول لا تستحي من وضع كل الاعتبارات الأخرى وراء الظهر وإذا كانت الصين قد تحولت عن العرب إلى الصهاينة على هذا الأساس فهل يكفينا نحن العرب أن نعرب عن الاستياء والأسف في مثل هذه الحالة؟؟

الرابط المختصر :