; الأمن القومي الروسي.. ومنطلقات سياسية | مجلة المجتمع

العنوان الأمن القومي الروسي.. ومنطلقات سياسية

الكاتب شاميل سلطانوف

تاريخ النشر السبت 09-أغسطس-2008

مشاهدات 91

نشر في العدد 1814

نشر في الصفحة 34

السبت 09-أغسطس-2008

  • موسكو حريصة على تسوية الأزمات في القوقاز لتأمين نقل النفط والغاز من منطقة قزوين وتعزيز قدرتها على المنافسة.
  • روسيا تربط استراتيجيتها بالمصالح الوطنية.. وتحرص على تواجدها الاقتصادي وبسط نفوذها السياسي في منطقتي القوقاز وقزوين.
  • اقتصاد جمهوريات شمال القوقاز الروسية يحمل طابع الإعالة والاعتماد على الدعم المالي والمادي للسلطة المركزية في موسكو.
  • في منطقة شمال القوقاز الروسية ٦ ملايين نسمة تنحدر أصولهم من ٣٠ شعبًا وقومية... وتتواجد أغلبيتها في داغستان.

القوقاز.. بين تراجع روسيا وأطماع أمريكا وأوروبا (٢ من ٥) 

منطقة القوقاز هي الحد والفاصل الجغرافي بين أوروبا ومنطقتي الشرق الأوسط والأدنى، وهي إحدى أهم المناطق الغنية بمصادر الطاقة الطبيعية (النفط والغاز) في العالم، ما يجعلها هدفًا ومطمعًا لكثير من الدول الكبرى.. وفي هذه الدراسة التي تنشرها المجتمع على حلقات. ما يكفي للدلالة على أهميتها الفائقة

تقليديًا، تحظى منطقة شمال القوقاز بأهمية إستراتيجية خاصة لدى روسيا سابقًا وحاليًا على حد سواء، لأنها تحدد بشكل كبير واقع وآفاق الأمن القومي الروسي ككل... وللمصالح القومية الروسية في منطقة شمال القوقاز مكونات داخلية وأخرى خارجية.. فرغم تعزز نظام الرئيس رمضان قاديروف في جمهورية الشيشان وقيامه بتحسين واضح للوضع الاجتماعي هناك، فإن مركز التوتر في منطقة شمال القوقاز، حسب رأي الأجهزة الأمنية الروسية. لا يزال يقع في منطقة الشيشان.. فالأعمال التخريبية لا تزال تفجر التوتر في المناطق المجاورة للشيشان، وخاصة في إينغوشيا وداغستان، وأوسيتيا الشمالية وقابردينو- بلقاريا.. و  «قاراتشيفو تشيركيسيا» القريبة منها ليس فقط حدوديًا بل ومن الناحية الدينية ( ماعدا أوسيتيا).
أولويات روسية 
ولذلك فإن فرض الاستقرار الاجتماعي السياسي في منطقة شمال القوقاز ككل. وحماية النظام الدستوري، وتصفية بؤر التوتر الانفصالية، وحل الخلافات الإثنية والدينية والمحافظة على وحدة أراضي روسيا في مناطقها الجنوبية، كل أولئك يدخل في أولويات مصالح واهتمامات موسكو ومن مصلحة روسيا تأمين الاستقرار ونشر النظام والأمن في المنطقة على أساس تنمية وتطوير علاقات الشراكة الوثيقة مع دول ما وراء القوقاز.. فأي سيناريو يتضمن زعزعة الاستقرار في منطقة القوقاز سيجلب لروسيا الكثير من العواقب السلبية، وخاصة إذا ما أخذ بعين الاعتبار أن الأزمات في شمال وجنوب القوقاز مترابطة فيما بينها، بل ومتلاحمة إلى حد لا يمكن الفصل بينها، وتحرص روسيا على ضمان الاستخدام الحر والأمن لطرق الترانزيت في منطقة ما وراء القوقاز، لتأمين العمل الطبيعي الاعتيادي لممر الترانزيت. الاستراتيجي المعروف باسم شمال- جنوب... وكذلك المحافظة على علاقات الشراكة الودية مع إيران والهند ودول الشرقين الأوسط والأدنى لتحييد تفعيل الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي نفوذهما في هذه المنطقة. 
ومن مصلحة روسيا كذلك المحافظة على الأسواق الكبيرة نسبياً في منطقة ما وراء القوقاز التصريف بضائعها، والمحافظة على التعاون مع دول هذه المنطقة في المجالات الاقتصادية والعلمية والتقنية العسكرية؛ لأن روسيا لا تنظر إلى تواجدها العسكري في منطقة ما وراء القوقاز باعتباره عامل تأثير سياسي فقط، بل باعتباره جزءًا من أمنها القومي الذاتي ومن مصلحة روسيا أيضًا، ألا تحصل القوى الانفصالية في شمال القوقاز الروسي على أي دعم كان من أراضي دول ما وراء القوقاز بشكل تسمح به السلطات رسميًا أو تتغاضى عنه أو بأي شكل آخر. ولهذا السبب بالذات تكتسب عملية بناء علاقات طبيعية بين روسيا من جهة وجورجيا وأذربيجان من جهة أخرى أهمية حيوية بالغة.. ويُشار هنا إلى أن عدم تسوية الأزمات الإقليمية والنزاعات الإثنية والحروب المحدودة في منطقة القوقاز سيجعل من الصعب على روسيا، حتى في المستقبل متوسط المدى تأمين نقل النفط والغاز من منطقة قزوين وضمان قدرته على المنافسة. 
كذلك تثير النزاعات السلبية في القوقاز قلق موسكو بشكل عام، وخاصة النزاعات المرتبطة بتزعزع الاستقرار، وتكاثر عمليات المقاومة المسلحة وتهريب المخدرات وازدياد التطرف الديني، وكذلك الأزمات المستترة التي لم تنطفئ نيرانها كليًا، والتي تعود أسبابها إلى خلافات على الأراضي واحتكاكات اجتماعية وإثنية.
منطلقات سياسية 
ولذا تحاول روسيا ربط استراتيجيتها في منطقة ما وراء القوقاز بالمصالح الوطنية والمحافظة على تواجدها في منطقة القوقاز وقزوين في أي شكل اقتصادي، وكذلك بسط نفوذها السياسي هناك.. ولهذا السبب فإن السياسة الروسية في منطقة القوقاز تنطلق مما يلي:
أولًا:  التصدي لمحاولات تشكيل خطوط تقسيم وعزل جديدة، ووضع حواجز مصطنعة في وجه التعاون الدولي المثمر والمفيد في منطقة البحر الأسود والقوقاز الكبير.
ثانيًا: الإصرار على أخذ موقف روسيا بعين الاعتبار خلال وضع أي شكل من أشكال الأمن الإقليمي: وذلك لأن القوقاز بعد جسدًا عضويًا واحدًا لا يمكن تجزئته أو تقسيمه، وهو يتضمن فيما يتضمن مناطق روسية.
ثالثًا:  وضع مكافحة الإرهاب والقضاء على التطرف وتصفيتهما من المنطقة في المقام الأول، والإصرار على الحل السلمي لمشكلة إقليم تاجورنو قره باخ بين أرمينيا وأذربيجان وأبخازيا واوسيتيا الجنوبية وحماية الشعوب الصغيرة بما في ذلك المقسمة منها والموزعة بين دول عدة.
رابعًا:  رفض المناحرات والمجابهات العسكرية والسياسية بين دول المنطقة، وكذلك محاولة إعادة النظر في ميزان القوى الاستراتيجي في منطقة القوقاز، وخاصة الهادفة إلى إخراج وإبعاد روسيا من هناك والوقوف في وجه المحاولات الهادفة إلى خلق منافسة مصطنعة في النقاط التي تتطلب وجود تعاون مشترك وحشد للجهود الجماعية. 
خامسًا: التزام جانب الحياد عند المشاركة في حل أي مشكلة إقليمية وتجنب الوقوف مع أحد أطراف النزاع ضد الطرف الآخر.. وكذلك عدم السعي إلى حل مشكلات جيرانها الجنوبيين على حسابها، ومن حيث المبدأ على روسيا الاتحادية أن تصبح وسيطًا حياديا، وفعالًا في ذات الوقت خلال حل المشكلات الموجودة، أو التي قد تظهر فيما بعد وأن تلتزم خلال ذلك باستخدام وسائل التأثير السياسي والاقتصادي بالدرجة الأولى.. وفي هذه الحالة ستتمكن روسيا من المحافظة على مستوى مقبول من الاستقرار في منطقة القوقاز، وكذلك المحافظة على تأثيرها وسيطرتها على الوضع هناك.
سادسًا: على روسيا أن تدعو دول منطقة ما وراء القوقاز إلى المشاركة في عدة نشاطات مشتركة، وفي مقدمتها التصدي للأخطار والتحديات التي تهدد الأمن في المنطقة، وتسوية الأزمات القديمة، ومنع وقوع أزمات جديدة والمساهمة والمساعدة في تنفيذ الإصلاحات الاقتصادية والسياسية عن طريق إحلال ونشر الاستقرار الإقليمي، وإرساء علاقات وروابط التعاون التي تتضمن قيام منظومات متشعبة من خطوط نقل النفط والغاز لا تتنافس فيما بينها بل تتكامل، وتنفيذ البرامج الاجتماعية وتطوير وتنمية التعاون بين دول المنطقة في مجال الحدود والتجارة الخارجية بين دول المنطقة وكيانات روسيا الاتحادية في منطقة شمال القوقاز.

شمال القوقاز 
يعيش في جمهوريات شمال القوقاز الروسية أكثر من سنة ملايين نسمة، تتحدر أصولهم من حوالي عشرين شعبًا وقومية كبيرة العدد، وأكثر من عشرة شعوب صغيرة التعداد، وتتواجد أغلبيتها في داغستان ويبلغ النصيب النقي، للروس من هذا العدد حوالي ١٧٪ أكثر بقليل من مليون شخص، وفي السنوات الخمس عشرة الأخيرة تقلص هذا العدد إلى حد كبير. ويعود السبب الرئيس لهجرة الروس من شمال القوقاز إلى عدم الثقة بالمستقبل هناك، وعدم وجود حماية قانونية لهم. واستفحال الجريمة في المجتمع، وانتشار البطالة إلى حد مرعب بسبب توقف الكثير من المؤسسات الإنتاجية التي كانت تعمل في العهد السوفييتي. وتبلغ الكثافة السكانية في جمهوريات شمال القوقاز حوالي ٧٠ شخصًا في الكيلومتر المربع الواحد. وهو ما يزيد بنحو ثلاث مرات عن المؤشر العام لذلك في جنوب روسيا.. ولكن من ناحية أخرى توجد في منطقة شمال القوقاز أعلى نسبة بطالة في كل روسيا فهي تبلغ في داغستان حوالي ۲۷٪، وفي إينغوشيا أو إينغوشيتيا) نحو ٤٠٪، وفي الشيشان حوالي ٥٤٪
ومن المعروف أن قوانين الدولة كانت في العهدين القيصري والشيوعي وحتى في العهد الحالي تسري بشكل انتقائي يتميز عن بقية المناطق الروسية، وكانت تنقذ فقط إذا لم تتعارض من حيث المبدأ مع العادات والتقاليد السائدة هناك.. وكان الدور السياسي الأساس في العهد السوفييتي هناك يعود دائمًا إلى القائد الأول للكيان القومي الإقليمي وجدير بالذكر أن زعماء المناطق السوفييتية القومية ذات الحكم الذاتي لم يصطدموا أبدًا مع السلطة المركزية وسياستها العامة وكانت ولا تزال. علاقات القرابة بالدم أو بالعرق والروابط القومية والقبلية والطائفية المختلفة تسيطر على هيئات الإدارة في تلك المناطق.. وحاز القطاع الصناعي الأولوية دائماً في المدن والتجمعات السكنية الكبيرة أما في الأرياف، حيث تعيش أغلبية السكان فكانت الصناعة مهملة، ولذلك أصبح اقتصاد جمهوريات شمال القوقاز الروسية بعد انهيار الاتحاد السوفييتي يحمل طابع الإعالة والاعتماد على الدعم المالي والمادي للسلطة المركزية في موسكو.. ويعود السبب في ذلك كما ذكرنا إلى التراجع العام في القطاع الزراعي وتخلف الزراعة والسياحة ويزيد من تدهور الأوضاع الاقتصادية هناك نسبة المواليد المرتفعة واستفحال البطالة. 

فقر وفساد وتعصب 
وتسبب الفقر المدقع السائد هناك والتخلف الواضح في مستوى التطور الاقتصادي والاجتماعي، في خلق فساد هائل في مؤسسات الدولة لا نظير له في المناطق الروسية الأخرى، وقد تغلغل هذا الفساد ليس فقط في أجهزة السلطة المركزية في الجمهوريات، بل وفي المؤسسات الفيدرالية هناك.. فعلى سبيل المثال، قامت جماعة متشددة تطلق على نفسها اسم جماعة اليرموك في قابر دينو بلقاريا، في شهر ديسمبر ۲۰۰٥ م بهجوم مسلح على المركز المحلي للهيئة الفيدرالية المكافحة تهريب المخدرات، وقتلت أربعة من عناصر المركز وحرقت المقر.. وذكرت الجماعة التي تنبذ تجارة المخدرات، وتعتبر ذلك خروجًا على الشريعة الإسلامية أن سبب هجومها هو انغماس العاملين في هذه المؤسسة الاتحادية في الفساد، وضلوعهم في عمليات تهريب المخدرات، أو التستر على من يقوم بذلك.
ومن المعروف أن المبادئ الديمقراطية التي أعلنت عنها السلطات بعد عام ١٩٩١ م. والتي أقرت المساواة بين المواطنين، وكذلك النظام الانتخابي الجديد لم تأخذ بعين الاعتبار الخصائص الإثنية لتلك المناطق والقاطنين فيها، ولذلك انعكست سلبيًا على سكان القوقاز الأصليين وعلى الجماعات الإثنية قليلة العدد في القوقاز، والتي حرمت من التمثيل المضمون في هيئات السلطة ، ومن إمكانية حصولها على حصص كان معمولًا بها سابقاً في الجامعات والمعاهد الدراسية العليا والمتوسطة في روسيا، وغير ذلك من الأمور الأخرى، وأدى ذلك إلى ظهور العديد من المنظمات القومية المتعصبة في أغلب الأحيان التي أخذت على عاتقها مهمة حماية مصالح أبناء هذه الجماعة الإثنية أو تلك، وكانت تقوم بدور المعارضة للسلطات الرسمية هناك. 

ملكية الأرض
وبما أن الثروة الأساسية في القوقاز هي الأراضي، فقد أدى ذلك إلى جعلها مادة للخلافات القومية الحادة ليس فقط عودة المواطنين المهجرين قسرًا من أوطانهم الصغرى في العهد السوفييتي إلى ديارهم بل أيضًا بسبب ظهور إمكانية البيع التجاري لهذه الأراضي بعد عام.۱۹۹۱ م. وأدى ظهور علاقات السوق البيع والشراء في مجال الأراضي إلى طرد الأقليات القومية والطائفية من أماكن عيشها وتواجدها التقليدي في جمهوريات شمال القوقاز، ومن ضمن هؤلاء يأتي القوزاق  الروس القاطنون في شمال القوقاز في المقام الأول. 
وأدى التعديل المستمر للحدود في شمال القوقاز في العهدين القيصري والسوفييتي وفي العصر الحديث إلى تخبط الأمور بشكل كلي هناك فيما يتعلق بملكية الأرض لشعب أو كيان ما من كيانات روسيا الاتحادية في شمال القوقاز.. وتسبب ذلك في ظهور ادعاءات متبادلة بخصوص الأراضي والخلافات عليها، وهو ما أدى إلى ظهور أزمات قومية وإقليمية جديدة واستفحال القديم منها أهم المشكلات، ويمكن تلخيص أهم المشكلات الملحة في شمال القوقاز في الوقت الراهن فيما يلي 
وجود أعداد كبيرة من اللاجئين والمهجرين بشكل قسري من ديارهم وبالتالي وجود تيارات هجرة كبيرة غير خاضعة للرقابة غالبًا ما تؤدي إلى تدهور العلاقات القومية المتبادلة انتشار واسع للتيارات الإسلامية المتشددة هناك. 
مشكلة الشعوب المقسمة والموزعة بين كيانات مختلفة مثل الليزغين « قاراتشيفو». «تشير كيسياء»، «والإينغوش» والشركس وغيرها. 
النزاعات المحلية والأزمات في المناطق الحدودية مع دول ما وراء القوقاز- نشاط بعض المنظمات الدينية والقومية الإقليمية والدولية والذي يزعزع الاستقرار في المزاج السياسي الاجتماعي الشعوب شمال القوقاز الأعمال التخريبية العرضية في الشيشان 

أزمات خفية 
ويُظهر الوضع السياسي الاجتماعي في شمال القوقاز الروسي معالم عدم الاستقرار، ويعترف رجال الدولة في موسكو بذلك؛ فقد أعلن فلاديمير بوتين الرئيس الروسي السابق ورئيس الوزراء الحالي خلال لقائه مع عدد من المختصين في الشؤون السياسية في شهر فبراير ٢٠٠٧ م أنه لا حرب اليوم في الشيشان ، ولكن هناك مصادمات عسكرية فقط، ولا وجود للحرب هناك. وفي نفس الوقت ذكر « بوتين »، أن الوضع في منطقة شمال القوقاز ككل يقلقه أكثر من الوضع في الشيشان، وأن أكثر ما يقلقه هو إمكانية حدوث انفجار في المنطقة لأن هناك الكثير من الأزمات الخفية المستورة التي يمكن أن تلتهب وتنفجر في أي لحظة. ويعاني شمال القوقاز بالفعل من نفس المشكلات التي يعاني منها المجتمع الروسي ولكنها تحمل تضخمًا زائدًا في الشكل، فإذا كان الأمر يتعلق بإعادة تقسيم وتوزيع الممتلكات فلابد أن يرافقه في شمال القوقاز إطلاق النار وحرق الطرف الخاسر.. وإذا كان متعلقًا بصراع على السلطة فلا يتم هذا بدون صدامات قومية أو طائفية.. أما إذا كان متعلقًا بخصخصة للممتلكات العامة فلا بد أن تحمل في شمال القوقاز صبغة قبلية وعشائرية أو عائلية بحثة.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 2

322

الثلاثاء 24-مارس-1970

البترول العربي وقضَايا المصير

نشر في العدد 7

120

الثلاثاء 28-أبريل-1970

مجلس الأمة - عدد 7