; الأيدلوجية الإسلامية أمام اليمين واليسار اليسار العربي: لماذا نشأ | مجلة المجتمع

العنوان الأيدلوجية الإسلامية أمام اليمين واليسار اليسار العربي: لماذا نشأ

الكاتب الأستاذ كامل الشريف

تاريخ النشر الثلاثاء 13-مارس-1973

مشاهدات 56

نشر في العدد 141

نشر في الصفحة 18

الثلاثاء 13-مارس-1973

الأستاذ كامل الشريف.. رجل من الطليعة الإسلامية التي جمعت إلى يقظة الوعي.. حصيلة التجربة.. ومن ثم اتسمت كتابات الأستاذ كامل.. بالبعد الثقافي والفكري.. وبعمق الخبرة معًا. وكتاباه المشهوران عن حرب فلسطين.. ومقاومة قناة السويس.. أدلة عملية على اتجاهه البناء هذا. ودراسته الجديدة - عن الأيدلوجية الإسلامية أمام اليمين واليسار - نمط جيد من التمييز المنفتح.. أو الانفتاح المتميز. «والمجتمع» إذ تقدم هذه الدراسة لقرائها.. تشكر الأستاذ كامل الشريف على تعاونه معها... والمشاركة في تحريرها. ... من المألوف تقسيم التكتلات ... إلى يمين ويسار تمشيا مع ... الفكرية السائدة في عالم...، أو ربما لعدم وجود تسميات.. أكثر اتفاقا مع الحقيقة، وكثيرًا ... هذه النعوت في مقام التشهير.. حتى لنجد من أهل اليسار من ... أن يسمى يساريًا، وكذلك بالنسبة ... اليمين لكثرة ما لحق بهذه ... من الصفات والنعوت. ... هذا الغموض والتداخل أيضا ... التسميات المرادفة من تقدمية ... أو تحررية ومحافظة أو ... وديمقراطية. ذكر إنني أشرت مرة في سياق مقال في هذا الموضوع إلى «الماركسيين ب » ولم تعجب هذه الصفة أحدهم... ينتمون لهذه الأحزاب وعدها نوعًا... وحينما عاتبني عليها باعتباري - في نظره -من النقاد الموضوعيين الإيجابيين قلت له: إن أحزابا كبرى في العالم تفخر بأنها ماركسية ولا تجد في ذلك أدنى غضاضة بل إن المعركة الناشبة بين محوري روسيا والصين تدور في جملة ما تدور على أيهما أصدق وفاء للماركسية اللينينية وأشد التزاما بها، ثم أنكم تسمون خصومكم رجعيين مع ما ينطوي عليه هذا الوصف من الحطة والتحقير قال: إن الرجعية صفة واقعية تنطبق عليهم لأنهم يريدون الرجوع بالمجتمع العربي إلى الوراء «هكذا» ، وليس تحقيرًا أو إهانة، وكأنه أراد أن يقول إن عليهم القبول بهذا الوسام شاكرين ممتنين دون احتجاج أو اعتراض!! وفوضى الأسماء كفوضى الشعارات هي جزء من الفوضى الفكرية الشاملة والجيشان العقائدي الشائع في الوطن العربي، ولذلك كله أسباب تستحق التأمل والدراسة وليس هذا الحيز المحدود بالذي يصلح للشرح المستفيض فيه، وعندي أن من أهم أسبابها هو القحط الفكري والعجز عن مواكبة تطورات المجتمع بإنتاج أصيل وإبداع مستقل، مما يقود إلى ما نرى من محاولات مستمرة للاقتباس الحرفي لأفكار «جاهزة» نبتت في بيئات تختلف عن بيئتنا، وكانت نتاجا لتفاعلات فكرية واجتماعية بيننا وبينها من الفوارق كاتساع المحيطات والمسافات، ونتيجة لذلك فقد اصطدم تطبيقها في الواقع المحلي وتناقض معه في أكثر من مجال وبمعنى آخر أريد لنا أن نطبق حصيلة تجارب غيرنا ناسين أو متناسين إن هذه الحصيلة هي قمة الهرم في بناء متكامل استغرق نموه أجيالًا طويلة، كما أن هذه التجارب في ذاتها ليست شيئا ثابتًا ولا تعدو أن تكون مرحلة لتطورات أخرى استوحتها تلك البيئة وذلك المناخ وهذا يفسر ما حدث أحيانا في المنطقة العربية وخلال العشرين سنة الماضية حين طبقنا نظريات وأفكارا بكل ما يصاحب الطبيعة العربية من حماس واندفاع، ثم رجعنا عنها حين فرضت الحقائق الثابتة نفسها من فوق النظريات الضبابية أحيانا أو حين رجع أصحابها عنها في حالات أخرى . والغريب أن من بين الذين نقتبس عنهم من يحذروننا كما يحذرون غيرنا من عواقب الالتزام الجامد والتبعية العمياء وينصحون أنفسهم والناس بابتكار ما يلائم كل حالة من الوسائل للوصول إلى الأهداف العامة التي يستهدفها الجميع وإن تفاوتت الصور والأشكال ونعني بها أهداف الحرية والعدالة والمساواة بل إن ماوتسي تونج مثلا ينحي باللائمة على الماركسيين الذين لا يفهمون أن التناقضات المختلفة يجب أن تحل بوسائل مختلفة تبعا لكل بيئة ولكل بلد، كما يشدد النكير على أولئك الذين يؤمنون بالوصفات الجامدة ويطبقون آليا هذه الوصفات في كل حالة وفي كل مكان «1» ومع أن ماو ينصح بالابتكار في إطار الفكر الماركسي ولا ينتظر منه غير ذلك إلا أن الاحترام للعقل البشري يحتم أن تظل حرية الإبداع مكفولة دون حدود. دعاني للإطالة في هذه المقدمة الحرص على إبداء تحفظات أساسية إزاء القبول بتطبيق هذه التسميات الغائمة على المعسكرات العربية الراهنة، وهذه المخالفة في تقديري ليست سفسطائية وإنما تمس صلب الموضوع ذلك لأن القبول بالتسمية قد يعني القبول بكل ● اليمين: لا يمثل الأمة.. وليس هو الطريق! ● البديل: ليس شعارات ولا ضيق أفق.. بل الإسلام الحقيقي وما هو محتواه؟ ما يندرج تحتها من النظريات والقيم، والأساليب التي طبقت في بلاد أخرى، وأصابت حظًا من الفشل أو النجاح، فكثيرًا ما نسمع الاشتراكي العربي يدافع عن سلامة النظرية، مستشهدًا بما وقع ويقع في الصين وروسيا ويوغسلافيا، وهي أحكام كثيرًا ما تكون مأخوذة من نشرات الدعاية المصدرة للخارج، ولكنه لا يرهق نفسه بالحديث عن المنجزات في الوطن العربي، من مطالع الخمسينات وحتى الآن، سواء في النتائج العملية للتطبيق الاشتراكي، أو في معركة التحرر الوطني الأساسية، ضد الهجمة الصهيونية في فلسطين، وقد تصدق هذه المقارنة أيضًا، وإن كانت من زاوية مختلفة، على طائفة من اليمينيين على الإسلام، تجاه الاستعمار وإسرائيل، بما ينطوي عليه من قوة العقيدة، وعوامل الذين يتهربون أحيانًا من الواقع القائم، ويقفزون عبر القرون والأجيال، ليثبتوا صدق النظرية وسلامة التطبيق، من قصص السالفين، دون أن يمسوا صلب الموضوع، ويدلوا برأيهم في معالجة العلل اليومية، القائمة بالأرقام والحقائق. وبديهي أن مثل هذا الحوار، يفتقر إلى الحد الأدنى من الموضوعية والواقعية، لأن ما يجري على التربة العربية فعلًا هو المحك الحقيقي لقيمة المذاهب والنظريات، فالاشتراكية والتقدمية التي تنسب لليسار، يفترض أن تأتي ببعض النتائج الحسنة، كالعدالة في توزيع الثروة والتصنيع، وزيادة الدخل القومي والقوة العسكرية وغيرها، واليمين الموسوم عند أهله، وعند خصومه بالتدين، يفترض به هو الآخر قدرًا من الطهر والأخلاقية، والوفاء للتراث والعدالة الاجتماعية، وغير ذلك من القيم والمبادئ التي دعا إليها الإسلام، ومع أننا لا نميل إلى التعميم في مدح أو ذم، ونعترف بوجود أقدار مختلفة من الخطأ والصواب، في كل بلد ولدى كل فريق، إلا أنه يتضح من الصورة العامة، أن التسمية شيء وحقيقة الواقع شيء آخر، وأن الحدود بين المعسكرات العربية مختلطة متداخلة، لدرجة يصعب التمييز بينها، وكلها تشير إلى التجوز والإفراط في التسميات، وتمنحني العذر إذا لم آخذ بالعناوين على علاتها، أو أقبلها إذا قبلتها على مضض حتى يدلني البحث على ما هو أصح وأوفى. مولد اليسار العربي لنأخذ الآن هذا الذي اصطلحنا على تسميته باليسار العربي، ولنحاول السباحة عكس التيار كما يقولون، لنصل إلى الجذور والظروف التاريخية التي أدت إلى انتعاشه، هناك عدة عوامل رئيسية تخضع لها وتتبعها عوامل فرعية متعددة، الأولى: أن الشعوب العربية تعرضت بعد الحرب العالمية الثانية، لرياح التغيير التي هبت على العالم، وقامت تسعى لاستكمال سيادتها القومية، واستقلالها الوطني من المستعمر القديم. وكان طبيعيًا أن تلتمس العون، من الكتلة المناوئة لهذا الاستعمار، وهي الكتلة الاشتراكية، ولما كانت الشعوب العربية محدودة الخبرة، وليس لديها المناعة الذاتية فكريًا، ولا المقومات الخاصة ماديًا، فقد هيأ هذا الاتصال، مناخًا مواتيًا للتعاطف مع هذه العقائد، وكانت قضية فلسطين، إحدى ميادين التحرر العربي الرئيسية، والحقل الرئيسي الذي تمارس فيه هذه التجربة على أوسع نطاق، ذلك أن الدول الرأسمالية التي تمثل «اليمين» الدولي، احتضنت الفكرة الصهيونية منذ كانت مجرد أمل حالم، يدور في عقول بعض الخياليين، ونفخت فيه لأسباب انتهازية خاصة بها، حتى أصبح حريقًا هائلًا في هذه المنطقة، ولا تزال هذه الدول رغم كل النكبات والمصائب، تجاري المؤسسة اليهودية، وتدعم مخططاتها التوسعية على حساب البلاد العربية، ومع أن الدول اليسارية ليست بريئة من دم الذبيح، إلا أنها لعبت لعبتها بمهارة فائقة، واستدارت لتلعب دورها الذكي، في رعاية مصالحها، على حساب الفريق الآخر. والثانية: نصادف في نفس الوقت تقريبًا، ازدياد الشعور لدى الجماهير العربية، بضرورة وقوع تغيرات أساسية، في المجتمع المهترئ الذي يحسب ظلمًا على اليمين، لإنهاء الإقطاع والاستبداد والفساد، وسيطرة رأس المال، وتحقيق قدر أكبر من العدالة الاجتماعية، وتوزيع الثروة الوطنية، والحد من جشع الطبقات المترفة، واستغلالها وكأنها مطالب مشروعة وطبيعية، إلا أن اليسار الدولي مرة أخرى، كان هو الجهة الوحيدة المهيأة، لاستغلال هذا الموقف، وتحويل هذه التطلعات المشروعة، إلى جزء من ذلك التيار الدولي المشتبك، في معركته الخاصة مع العالم الرأسمالي، وهكذا ترسبت الحدود، وما زالت تبرز يومًا بعد يوم، عبر الحقول المحلية والعربية والدولية، بين جبهتين متمايزتين، ومن المؤسف أن الأمة العربية كما أسلفنا، لم تكن في حال يسمح لها، بأن تمارس تجربتها المستقلة في التحرر الوطني، وتحقيق العدالة الاجتماعية، وأن تستفيد من الصداقات الممدودة إليها من الشرق والغرب، دون أن تذوب فيها لدرجة، تفقد معها شخصيتها الأصيلة، وتكاد تفقد استقلالها الوطني من جديد، ولعل في هذا الموضع يكمن تخلياً.. عن تبعة التجربة المرة في العالم العربي يحذرون الجماهير «ببريق» التجربة البعيدة ... أساسي مهم بين اليسار العربي ... اليهودي بين أمة أخليت من ... الأصلية حتى تفرقت بها الأهداف ... وأصبحت سوقًا حرًا لكل فكر... أو مبدأ غريب، وبين حركة ... استعمارية تنبثق عن عقيدة ... نحو هدف وتستفيد من كل ... سانحة، وفي هذه المقارنة ... تكمن محنة اليسار العربي ومحنة ... العربي، بل مأساة الأمة العربية ... في أعظم اختبار تاريخي تتعرض... تاريخها الطويل والثالثة: أن ... دولية عديدة منها الصهيونية... دون شك لعبت دورًا كبيًرا في ... لهذه الأفكار لأسباب مختلفة... مؤامرة لم تعد في نطاق الحدس... لأن ملامحها لاتزال تظهر ... كل يوم، أما الغاية الأساسية فهي تحويل الصراع القومي القائم ... والتلاحم وصفاء الفكرة ووضوح ... والغايات، إلى صراع طبقي ... يأكل نسيج الأمة ويبدد طاقاتها. صراع دائم متجدد بطبيعته ومفاهيمه يمكن أن يقف عند نهاية سواء بين ... الشعب الواحد أو في مجال... بين الدول المتجاورة، وفي ... التي يعيشها العالم العربي منذ ... المرحوم حسني الزعيم سجل ... العسكرية ما يغني عن كل ... أو إفاضة. على أننا نقع في التعميم الخاطئ ... الغوغائي إذا قلنا ببساطة أن ... المفكرين الاشتراكيين العرب حفنة من الخونة والعملاء الذين ... لعبة الاستعمار والصهيونية، إذ ... أن المناخ العام الذي تهيأ في ... العربية بعد الحرب العالمية ... وخصوصا بعد كارثة فلسطين، مجموعة العوامل والظروف التي برزت... ساحة العمل العربي قد تكاتفت... لتخلق تيارًا لم يكن بالإمكان تحويله... هذا الاتجاه، فاليمين العربي الذي ... مثخنا بالهزيمة، عاجزًا عن ... أطماح الشعوب وتطلعاتها كان... من تطويره أو غروبه، وكذلك عجز ... والجماعات الوطنية بفعل... والتحفزات الشعبية العارمة نحو أهداف صحيحة ومشروعة، مع مناخ دولي موات يتمثل في انحسار الموجة الاستعمارية القديمة وبروز كتلة جديدة نشطة تحمل شعارات ووعودًا مغرية لم تتعرض بعد للتجربة الواقعية والممارسة المباشرة، أما كيف تهيأ هذا المناخ المواتي وكيف جاء مصاحبا للهجمة الصهيونية؟ وهل هي مصادفة منكودة الطالع كتلك المصادفات التي يحار العقل البشري في إدراك القوى الخفية التي تحركها، أم تدبير ذكي دؤوب عبث بكل الجبهات وأفسد كل المعسكرات خلال عقود من الزمن، وأعد المسرح العالمي كله للفصل الأخير الحزين من الدراما المأساة؟ للإجابة على هذه الأسئلة لابد من الرجوع كثيرا للوراء للنظر في أصل الحركة الاشتراكية العالمية وأثر الإصبع اليهودي في الثورات الكبرى التي غيرت مجرى التاريخ ثم أثره في الأحداث التي مزقت الدولة الإسلامية وهيأت لتجزئة العالم العربي وإضعافه، وهي عناوين لأبحاث واسعة مستفيضة لها مجال غير هذا المجال غير أننا في السياق سنتعرض لشيء منها في اختصار. الفكر اليهودي والاشتراكية العلمية: يعفينا من الإيغال في التاريخ القديم أن نبدأ مع عصر النهضة في أوروبا وبداية الثورة الصناعية لنجد أن الاضطهاد الذي نزل باليهود كرد فعل محتوم على حقدهم وجشعهم وتآمرهم قد دفعهم بالتالي - شأن كل الأقليات المضطهدة - إلى المشاركة في تدمير الأنظمة القائمة التي تستند على الأغلبية وتمثل مصالحها وتقاليدها، واستبدال الولاء الديني أو الوطني إلى ولاءات يمكن المشاركة فيها بل التحكم في تياراتها، وقد تفتق الذهن الذكي عن ابتكار الولاء للطبقة أو الحرفة، وقد دفع اليهود للدخول في هذا التيار ظروف خاصة بهم أهمها أن تلك المرحلة كانت تشهد نهاية الرأسمالي والمرابي اليهودي التقليدي حتى أصبحت الغالبية منهم من العمال وأصحاب الحرف الذين يعنيهم توزيع الثروة وتحقيق المزيد من المميزات للطبقات العاملة، في هذه التربة نبتت الأفكار الاشتراكية ووجدت أكبر مبشريها ودعاتها من اليهود يقول إبرام شاسار في كتابه تاريخ اليهود «في جميع الحركات الثورية لعب اليهود دورًا بارزًا لأن عوامل كثيرة تكاتفت لتدفعهم في هذا الاتجاه، أن الرجعية السوداء في كل بلد دفعتهم إلى صفوف أولئك الذين يحاربون النظام القائم»، ويقول نفس الكاتب اليهودي في موضع آخر «لقد أدرك اليهود أن الحقوق المكفولة بالورق لا تعني شيئا دون القوة الاقتصادية، وتلك القوة يستطيع اليهود التحكم فيها في دولة حرة تهيمن عليها الطبقة الوسطى» وفي تحليل شخصية كارل ماركس يقول نكولس برديف في كتابه معنى التاريخ «إنه ينتمي إلى سلالة طويلة من أجداده الكهنة اليهود وإن هذا الانتماء ترك طابعه العميق في تفكيره ، وأهم الجوانب في هذا التفكير هو أن العقل اليهودي لا يتجه للعالم الآخر كما نفهمه و إنما يعمل على إيجاد عالم تخيم عليه السعادة في هذه الدنيا» وهي السعادة التي يفهمها اليهود وتحقق أغراضهم، ولذلك لم يكن من قبيل الصدفة أن يكون أكثر الدعاة الاشتراكيين حتى اليوم هم من اليهود وأن يكون الأب الروحي للأحزاب الشيوعية في أوروبا هو اليهودي الألماني فردناد لاسال. أما تحويل ولاء المواطن من الدين أو الأرض نحو الطبقة فهو أحد المظاهر الثابتة في الفكر الاشتراكي فقد أوضح ماركس صراحة «أن العامل لا وطن له لأنه ينتمي إلى طبقة وليس لأرض»، وقد غالى القادة الاشتراكيون في هذا الاتجاه إلى درجة امتداح الحرب الطبقية باعتبارها أمرًا ضروريا لبلورة الطبقة العاملة وصياغة وجودها المستقل حتى اعتبر لينين الحرب الأهلية أعلى مراتب الصراع الطبقي «لأنها ... في الهواء جميع العلائق المعنوية بين الطبقات المتحاربة»، على حد قوله. ولذلك كان خروشوف منسجما مع... الخط الاشتراكي تماما حين نصح جمال عبد الناصر - على ما ذكرته الصحف المصرية في حينها - بأن تكون الاشتراكية هي أساس الوحدة العربية وليس القومية ومع أنه لم يحدث تطبيق كلي لهذه النصيحة في مجملها ألا أن حركة الوحدة العربية قد تعثرت ولا نزال حين اضطرب الأساس القومي لهذه الوحدة وبدأت التصنيفات المعلومة لقبول البعض ورفض البعض تبعًا للأنظمة والمذاهب الاجتماعية المختلفة. ومن الحجج التي يسوقها دعاة الاشتراكية العربية والتي أخذها بعض الناس مآخذ الجد لبعض الوقت أن الاشتراكية يمكن أن تشكل سدًا أمام الزحف الشيوعي لأنها تحقق العدالة الاجتماعية والتوزيع العادل للثروة الوطنية، وبذلك تشد البساط من تحت أقدام الشيوعيين وتسلبهم أهم أسلحتهم بين الجماهير، وفي هذا المنطق يختلط الكثير من حسن النية والتقدير الخاطئ ومع تسليمنا المطلق بأن العدالة الاجتماعية يمكن أن تقدم هذه المناعة أمام الاستعمار الجديد التي تعتبر الفكرة الشيوعية إحدى أدواته الحاسمة، ألا أن الدعوة الاشتراكية بما فيها الاشتراكية العربية لا تملك حتى لو أرادت غير ذلك - ألا أن تكون جزءًا من التيار العالمي ... بموسكو وبكين وغيرها من مراكز هذه الفكرة والأسباب لذلك متعددة وقد مررنا عليها وهي ترتبط بتفاعلات الصراع الدولي في منطقتنا وانعكاسه على مواقف الدول والجماعات، وكذلك خلو الفكرة من المحتوى العقائدي الذي يمنحها المناعة أمام الإغراء والانحراف ولقد رأينا في كثير من الدول الأوروبية على التفاوت الواسع في الظروف والملابسات كيف كانت الاشتراكية الوطنية هي منطقة الوثوب الأخير مرورا باليمين المتميع والبرجوازية الوطنية والجبهات القومية مما ... ونستن تشرشل للقول في خضم ... الباردة بأن الاشتراكية في الواقع أضعف أنواع الدفاع ضد الشيوعية ثم قال إن الاشتراكيين لا يفعلون شيئا سوى قيادة الجماهير حتى ... الهاوية ثم يستديرون في ارتباك ليقولوا نحن آسفون، لأننا لم نكن ننوي الوصول لهذا المدى ، لكن ... يكو ن متأخرا جدا للاعتذار والعلاج وفي هذا الركن من هذا البحث ... نجد أنفسنا مرة أخرى بعد مرات .... المقارنة بين اليسار اليهودي ... على الفكرة الصهيونية وبين ... العربي المعطل من الفكر والمجرد من العقائد. «تتمة الدراسة في العدد ...».
الرابط المختصر :