; الأُسس الفلسفية للمجتمع المدني | مجلة المجتمع

العنوان الأُسس الفلسفية للمجتمع المدني

الكاتب هشام جعفر

تاريخ النشر الثلاثاء 12-مايو-1998

مشاهدات 69

نشر في العدد 1299

نشر في الصفحة 52

الثلاثاء 12-مايو-1998

■ لفظ المدني تتسم بغموض شديد بما يسمح لبعض دعاة المجتمع المدني توظيفه لاستبعاد الحركات «الدينية» والأسوأ أن التعريف يستبعد التكوينات الاجتماعية التراحمية التي مازالت فاعلة في واقعنا الإسلامي.

■ الصراع المتوهم بين المجتمع والدولة من شأنه إضعاف كل منهما لصالح الخارج.

 لا يمكن بحال عزل مفهوم «المجتمع المدني» عن السياق التاريخي الذي نشأ فيه، ونقصد بالسياق التاريخي نشأة المفهوم داخل التشكيل الحضاري الغربي باعتبار المفهوم بلفظه والدلالات التي يحملها، والمضمون الذي يحدده قد نشأ وتطور داخل هذا التشكيل بواقعه وصراعاته الاجتماعية والفكرية، إن هذا التاريخ من شأنه أن يدلنا أولًا على الظروف التاريخية التي أحاطت بتشكيله وتشكله حتى استقر الحال على ما هو عليه الآن من طرحه «كقيمة مرجعية حاكمة»، أو ينبغي أن تحكم بحركة التطورات العالمية في علاقة المجتمع بالدولة، وفي تحقيق النظام الديمقراطي، كما أن إدراك هذا التاريخ من شأنه أن يوضح لنا ثانيًا التضمينات الفلسفية التي تقف وراء المفهوم فتلتبس به ولا تنفك عنه، وهذا الإدراك من شأنه أن يساعدنا -نحن العرب والمسلمين- على تحديد أو بناء موقف أكثر تركيبًا وعمقًا في النظر إلى مفهوم «المجتمع المدني» والتفاعل معه، وأخيرًا فإن إدراك الظروف التاريخية التي أحاطت بنشأة المفهوم تساعدنا على بلورة وتحديد الملابسات التي يجب أن نعيها عند نقل هذا المفهوم -الذي نشأ داخل تشكيلة حضارية ما- إلى التشكيلة الحضارية للأمة بقيمها وفلسفتها ونظرتها للكون والحياة والإنسان.

مفهوم «المجتمع المدني» -في جذوره التاريخية- نشأ في إطار الصراع بين القديم والجديد في أوروبا القرنين السابع عشر والثامن عشر، أو بعبارة أخرى فقد نشأ المصطلح في إطار التخلص من «أزمنة العصور الوسطى»، وفي إعلان القطيعة مع النظام القديم جملة وتفصيلًا، والقبول بنظام جديد يقوم على أسس مختلفة ومخالفة، وقد التبس هذا الصراع بمعارك فكرية وأيديولوجية، كما ارتبط بقوى اجتماعية صاعدة، وأخرى مندثرة، وقد تركت هذه المعارك آثارها على الأسس الفلسفية التي يتأسس عليها المفهوم -مفهوم المجتمع المدني- وينطلق منها، وأهمها:

1- الصراع:

والصراع هنا ليس قاصرًا على الصراع بين المجتمع والدولة، كما يحلو لبعض أنصار المجتمع المدني أن يصوره، ولكنه صراع -أيضًا- بين الأفراد والتكوينات داخل «المجتمع» بغية تحقيق صالحهم الخاص، فالمجتمع المدني يعرف بأنه «مجموعة التنظيمات التطوعية الحرة التي تملأ المجال العام بين الأسرة والدولة، لتحقيق مصالح أفرادها»، وإذا كانت نشأة مفهوم المجتمع المدني قد تمت في إطار الصراع بين الأفراد لتحقيق مصالحهم الخاصة، فإنه أيضًا نشأ نتيجة الصراع بين الدولة والمجتمع في أوروبا، وفي ظل تطورات العلاقة التي قامت بينهما حين تكونت لدى الدولة إرادة السيطرة والاحتواء، وتكوّن في المجتمع نزوع نحو مزيد من الاستقلال والتمايز عن الدولة، ودعوة التقليل من ثقل حضورها، إن نشأة «الدولة القومية» في أوروبا ذات دلالة مهمة في فهم الملابسات التي أحاطت ببروز مفهوم المجتمع المدني، فقد كانت الدولة سبيلًا أساسيًا، وأداة ناجعة في التخلص من العصور الوسطى والانتقال إلى العصور الحديثة.

كانت «الدولة القومية» أداة توحيد للقوميات المتباينة والمنقسمة بشدة في أوروبا، كما كانت السبيل لتحقيق «السوق الواحد» الذي يُعد متطلبًا أساسيًا من متطلبات الانتقال من مرحلة الإقطاع إلى مرحلة الرأسمالية، لأنه -أي السوق الواحد- سبيل تبادل السلع والخدمات بحرية كاملة، وما يرتبط بذلك من إنتاج كبير ووفير يسمح بهذا التبادل.

في هذا السياق -ولتحقيق هذه الأغراض- تغولت الدولة القومية في أوروبا، وزادت سطوتها على المجتمع، حيث أنيط بها إنجاز كثير من المهام والأدوار لصالح بعض الفئات الاجتماعية الصاعدة، وبخاصة الفئة الرأسمالية، وقد تأكد هذا التوسع في دور الدولة مع المرحلة الاستعمارية حين تحوّلت الدولة إلى أداة الاستعمار الغربي ووسيلته الأساسية، كل هذه التطورات أدت إلى ميل الكفة لصالح الدولة على حساب المجتمع، ثم في تطور آخر كان لا بد للمجتمع من أن يعود للتوازن بينه وبين الدولة، وهنا ملاحظة جديرة بالتأمل، وهي أن بعض دعاة المجتمع المدني في بلداننا يحلو لهم أن يروجوا لأسطورة الفصل التام بين الدولة والمجتمع، أو الصراع الدائم والمستمر بين الاثنين، وهؤلاء يتناسون أو يتغافلون عن أن هذا الفصل ليس هو واقع الحال بين الطرفين في الغرب، ولم يكن كذلك في الماضي: فالدولة والمجتمع نشأا متضافرين لتحقيق «مشروع الحداثة» وفي إطار التحول عن القديم، وهذا لا يعني بالطبع عدم وجود قدر من الصراع بينهما، ولكنه صراع على حدود الفعل ومساحته، وليس على المقصد من وراء الفعل أو الغاية منه.

إن الصراع المتوهم بين المجتمع والدولة في واقعنا العربي والإسلامي من شأنه -كما يروج بعض دعاة مفهوم «المجتمع المدني» أن يضعف كلًا منهما لصالح الخارج، وهذه هي خطورة نقل خبرة حضارية من واقع لواقع آخر دون إدراك خصوصيات المفهوم وتوظيفاته في الواقع الجديد، وتجدر الإشارة في هذا الصدد، إلى أن خبرة العلاقة بين المجتمع والدولة في الغرب أدت إلى إيجاد «اعتماد متبادل» بينهما لتحقيق مصالح وغايات الحضارة الغربية وأهدافها العليا.

2- التعاقدية:

التعاقدية من الأسس الفكرية التي يقوم عليها مجمل البناء الحضاري الغربي، فالتعاقدية تحكم علاقات الأفراد مع بعضهم البعض، كما ترسم مسار التفاعل بين الفرد والمؤسسات، وهي أساس علاقة الإنسان الغربي بالآخر «غير الغربي»، وفكرة التعاقد تفترض أن الأفراد قادرون تمامًا على الفهم الكامل لجميع القوانين الآنية والوقتية التي تتعرض لها في الحياة، أو في الوضع الحالي أو الذي نتعاقد عليه، كما أنها تفترض أني لو استطعت أن أسخر الآخر أو ألتهمه، فهذا من حقي طالما أن العقد يسمح لي بذلك، وطالما أملك القدرة عليه، يعود مفهوم التعاقد بجذوره الفلسفية إلى نظرية «العقد الاجتماعي»، التي دشنها فلاسفة أوروبا اعتبارًا من نهاية القرن السابع عشر وخلال القرن الثامن عشر، وهذه النظرية أحد أهم الجذور الفكرية والفلسفية لمفهوم المجتمع المدني، وهي تقوم على فكرة افتراضية مؤداها أن الأفراد كانوا يعيشون في حرية تامة فيما أطلق عليه «حالة الطبيعة الأولى»، يعيش كل واحد منهم مستقلًا وغير مرتبط بالآخر، أي دون أي ارتباط اجتماعي، وقد تنازل هؤلاء الأفراد عن جزء من إرادتهم مقابل العيش في مجتمع تتحقق فيه الرابطة الاجتماعية «المجتمع المدني»، أي أن المجتمع «الجديد» هو وليد عقد معين بين الأفراد، وهذا يعني أن كل الأنظمة الاجتماعية هي أنظمة إنسانية أي من صنع الإنسان، ومن ثُم فإن المجتمع ليس نتاجًا لإرادة إلهية أو قوى فوق الطبيعة، وهكذا فإن نظرية العقد الاجتماعي التي جاءت لتهدم الأساس الطبيعي للنظام الإقطاعي وتستبدله بنظام جديد تقوم على أساسين متكاملين، هما بمثابة ركنين من أركان الحضارة الغربية ذاتها: 

الأول: الفردية: يقوم النظام الاجتماعي على عقد بين الأفراد الأحرار المتساوين بما يترتب على ذلك من حق الأفراد في تغيير النظام الاجتماعي القائم بعقد اجتماعي جديد يبرمونه فيما بينهم، فالعقد الاجتماعي يؤكد -إذن- على الإرادات الحرة للأفراد نشاطًا وبحثًا عن صالحهم الخاص، ويقوم كل فرد باعتباره ذاتًا مستقلة ومنعزلة عن الذوات الأخرى.

الثاني: العلمانية: وهي تعني -كما قدمت- أن تأسيس النظام الاجتماعي يقوم به الأفراد متخلين فيه عن أي قوة أخرى غير إرادتهم «الحرة» والقوة المقصودة هنا هي قوة الكنيسة في العصور الوسطى، وما يرتبط بها من نسق قيمي وأخلاقي، فالفكر والممارسة الغربية في عصرها الحديث هي نتاج الفكر الوضعي، وإفرازًا لمنطلقاته التي هي في جوهرها تحلل دائم ومستمر من جميع القيود الأخلاقية والمعايير الثابتة، والقيم لحاكمة، والأُطر المرجعية الملزمة من خارج البشر، عملية التحلل هذه توجد حالة من النسبية المطلقة بما يعنيه ذلك من عدم وجود معيار أو مقياس يمكن التمييز به بين الخير والشر، والظلم والعدل، بحيث تصبح المصلحة في اعتبار القوم هي المعيار الوحيد أو القانون المهيمن الذي يجب أن تعالج في ضوئه الشؤون كافة.

3- المدنية:

لفظة «المدني» في مفهوم المجتمع المدني تتسم بغموض شديد، فأحيانًا تطرح في مقابل العسكري عند الحديث عن العلاقات المدنية العسكرية، وفي أحيان أخرى تطرح في مقابل الريف أو البداوة، إلا أن الأهم هو أنها تطرح في مقابل الديني، هذا الغموض الذي يحيط بلفظة المدني يسمح لبعض دعاة المجتمع المدني أيضًا باستخدامه وتوظيفه لتحقيق أغراض يضمرونها: فهم في بعض الأحيان يستخدمون لفظ المدني لاستبعاد جميع الحركات «الدينية» من تعريف المجتمع المدني.

والحقيقة أن لفظة المدني تعني المجتمع الحديث الذي قامت أسسه إبان عصر النهضة في أوروبا، والذي قام على هدم جميع التكوينات الاجتماعية التقليدية والموروثة عن النظام القديم، لذا فالتعريف الذي يقدم للمدني -عادة- يستبعد التنظيمات الإرثية منه «الأسرة - القبيلة - ...»  ويقصره على التنظيمات التطوعية الحرة التي ينضم إليها الفرد بملء إرادته وباختياره الحُر والتعريف بهذا المضمون يستبعد العديد من التكوينات الاجتماعية التي أطلق عليها «التراحمية» التي مازالت فاعلة في واقعنا الإسلامي، بل تشهد نموًا متزايدًا قد يكون أحد أسبابه الرئيسة أن الأدوات أو المؤسسات الحديثة -بما فيها الدولة ذاتها- لا تقوم بأداء وظائفها المنوطة بها، وأهمها تحقيق قدر من الولاء لعموم مواطنيها، كما لا يشعر المواطن بانتماء حقيقي تجاهها، بل يشعر في أحيان كثيرة أنها غريبة عنه.

مقومات مفهوم المجتمع المدني:

وإذا كانت مفاهيم الصراع والتعاقدية والمدني هي الأسس الفلسفية التي يقوم ويتأسس عليها مفهوم المجتمع المدني في خبرته الغربية، فإن المفهوم يستند إلى عدد من المقومات الأساسية، أهمها:

1- فكرة الطوعية: باعتبارها أحد أسس تكوين بعض التشكيلات المؤسسية والاجتماعية.

2- المؤسسية: أو بالأحرى المؤسسات الوسيطة التي تنشأ لتملأ الفراغ بين الدولة والسُلطة السياسية والأسرة، ولتقوم بوظائف ومهام متعددة.

3- أما العنصر الثالث فيتعلق باستقلال هذه المؤسسات عن السُلطة السياسية، ومحاولة التملص من هيمنة الدولة وطغيانها على المجتمع. 

4- وأخيرًا، فإن المفهوم يرتبط بعدد من القيم والمفاهيم الأخرى التي لا تنفك عنه لزومًا وتلازمًا أبرزها: مفهوم المواطنة، ومفهوم حقوق الإنسان، والمشاركة السياسية والشعبية، والإدارة السلمية للتنوع والاختلاف...إلخ.

إن التمييز بين الأسس الفلسفية التي يستند إليها مفهوم «المجتمع المدني»، وبين المقومات التي تمثل مؤشرات دالة عليه وموضحة لمضمونه، إن هذا التمييز من شأنه أن يساعدنا في بناء موقف أكثر تعقيدًا وتركيبًا في النظر إلى المفهوم والتعامل معه.

فإذا كان الإنسان المسلم -عند تعامله مع هذا المفهوم- يرفض الأسس الفلسفية التي ينطلق منها المفهوم باعتباره يحمل نظرة للكون والحياة والإنسان- تتناقض أو تتباين مع هذه الأسس، إلا أن الموقف من المقومات موقف مختلف؛ لأنه قد يُقبل من هذه المقومات ويُرفض، بل إن الخبرة الحضارية لأمتنا تسمح بتقديم نموذج مختلف يمثل إسهامًا حقيقيًا لها في صياغة الواقع والأفق العالمي المنشود.

الرابط المختصر :