العنوان الابتكار.. طعم آخر للحياة.. جذب الجماهير
الكاتب د.عبدالحميد البلالي
تاريخ النشر السبت 23-سبتمبر-2006
مشاهدات 69
نشر في العدد 1720
نشر في الصفحة 63
السبت 23-سبتمبر-2006
تناولنا في المقال السابق أهمية الابتكار في زيادة الأرباح، وضربنا لذلك عدة أمثلة معاصرة وقديمة، وفي هذا المقال نتناول أهمية الابتكار لجذب الجماهير والزبائن:
لا شك أن أهم عناصر العرض والطلب هو الجمهور، فإقبال أو إدبار الجمهور عامل أساس في قضية الربح سواء المعنوي أو المادي.
فلا توجد مؤسسة سياسية أو اجتماعية تستطيع النجاح من غير إقبال الجمهور على أنشطتها ومؤازرتها في أهدافها، وكذلك الحال في المؤسسات التجارية التي لا يمكن أن تربح من غير إقبال الجماهير والمشترين. فكيف تجذب الجمهور من خلال الابتكار؟
مجالات الحاجة للجمهور
هناك مجالات كثيرة نحتاج بها إلى الجمهور للربح المادي أو المعنوي، ومن أبرز هذه المجالات: المجال الدعوي، والمجال الفني، والمجال الرياضي، والمجال الاجتماعي، والمجال الدراسي، والمجال الاقتصادي، والمجال الإعلامي والمجال السياسي... وغيرها.
المجال الإعلامي
وعندما نتحدث عن الإعلام، فإنما نقصد مجالاته المتعددة، مثل البرامج التلفزيونية، والسينمائية، والمسرح والمعارض الفنية، وخطبة الجمعة والصحافة، ومواقع الإنترنت وغيرها من فروع الإعلام.
- برنامج سين جيم: من أوائل البرامج التلفزيونية الناجحة التي كانت تعرض في بداية السبعينيات وحتى التسعينيات من القرن الماضي، في دولة الكويت ودول عربية أخرى - وكانت فكرة البرنامج يومئذ جديدة كل الجدة - وقد كسرت الروتين التلفزيوني الذي ليس لديه إبداع أو أفكار جديدة سوى عرض الأفلام والمسرحيات والأغاني والأخبار، فجاء هذا البرنامج ليكسر ذلك الجمود، ويجذب جميع الجماهير العربية آنذاك.
- برنامج الكاميرا الخفية: بدأ هذا البرنامج المبدع في بداية السبعينيات من القرن الماضي في إحدى الدول الأوروبية، وغالبًا بريطانيا بتنفيذ فكرة جريئة، وهي تصوير بعض الناس دون علمهم بعد أن يدخلهم بوضع محرج ليقوم بتصوير ردود أفعالهم، ثم يخبرهم بعد ذلك بأنها كانت الكاميرا الخفية، واكتسح هذا البرنامج العالم بأسره، وطورت أفكاره في كل بلاد العالم ومازال حتى الآن يجذب الكثير من الجمهور.
- من سيربح المليون؟ وهو برنامج مسابقات، ولكن بصياغة مبدعة، حيث يترتب على الإجابة مبالغ مالية تتصاعد حتى تبلغ المليون دولار أو ريال، أو غيرها من العملات ويعتبر هذا البرنامج عالميًا في كل بلد، حيث يحمل نفس الديكور ونفس الموسيقي والطريقة، وقد جذب إليه أيضًا الكثير جدًا من الجمهور بسبب الإبداع في فكرته.
الابتكار والإبداع الدعوي
- مدرسة الشيخ عبد الحميد كشك: فمنذ القرن السادس للهجرة، برزت عدة مدارس وعظية تجذب الآلاف من الجمهور كان من أبرزها المدرسة الجوزية التي أسسها الإمام أبو الفرج بن الجوزي، الذي اجتذب بأسلوبه عشرات الآلاف من الناس من شتى المذاهب والأديان، وليس المسلمون فحسب، ثم أصاب العالم الإسلامي شيء من الركود حجب في غالب الأوقات ولادة مبدع جديد يجذب إلى كلماته عشرات الآلاف، حتى جاء الشيخ عبد الحميد كشك، وبرز نجمه في مطلع السبعينيات من القرن العشرين ليكون حديث الناس في كل مكان وليكون الغائب الحاضر حتى هذه اللحظة، والذي تباع أشرطته، ويحرص مئات الآلاف من المسلمين على الاستماع إليها حتى بعد موته، فما الإبداع الذي جاء به الشيخ كشك ليجذب إليه كل هذه الجماهير؟!
لقد كسر الشيخ -يرحمه الله- روتين الخطب، وجعل له مقدمة خاصة، وأدخل الكثير من أشعار الزهد، وكان يخلط اللغة العربية باللهجة المصرية التي تلامس أدنى طبقات المجتمع، وكان يستخدم النكت والطرائف بأسلوب ساخر لبعض الأوضاع الاجتماعية، وكان يتابع جميع الأحداث الاجتماعية والسياسية، ويعلق عليها، وكان يسقط أحداث الماضي على الحاضر ويربط بينهما، وكان له سجع خاص يبدع فيه، وكانت له تعليقات وسرعة بديهة ساخرة، وأخرى مبهرة، وكانت له متابعات الأدق التفاصيل العلمية التي يستشهد بها على صنعة الخالق سبحانه وتعالى، وكانت له قدرة عجيبة على التحكم بنبرة الصوت علوًا وانخفاضًا، وحزنًا، وفرحًا، وسخرية وتحسرًا حتى إنه كانت لديه القدرة على إضحاك الجمهور وإبكائهم في آن واحد.. لقد كان مدرسة إبداعية جديدة كل الجدة في القرن العشرين.
هذه نماذج وأمثلة لأهمية الإبداع في الإعلام لجذب الجمهور، وهناك أمثلة كثيرة في الجانب الاقتصادي وغيره.