; الابتكار.. طعم آخر للحياة ضوابط وأسس التفكير الابتكاري | مجلة المجتمع

العنوان الابتكار.. طعم آخر للحياة ضوابط وأسس التفكير الابتكاري

الكاتب د.عبدالحميد البلالي

تاريخ النشر السبت 30-سبتمبر-2006

مشاهدات 123

نشر في العدد 1721

نشر في الصفحة 49

السبت 30-سبتمبر-2006

في المبادئ المادية لا يفترض أن تكون هناك أي عقبات أو ضوابط توقف انطلاقة العقل والتفكير، حتى وإن كانت هذه الضوابط دينية أو أخلاقية. ولكن في ديننا، فإن منهجنا هو الإسلام، والذي يتحكم في تصرفاتنا هو هذا الدين الذي أنزله رب العالمين. ولذلك فإننا نعتقد أننا إذا لم نلتزم بضوابط هذا الدين فإن ما نفكر به لن يحقق الهدف الصحيح أو النافع في حياتنا، لأننا نعتقد اعتقادًا جازمًا أن الله تعالى لم يأمرنا بأمر إلا فيه مصلحتنا وسعادتنا، ولم ينهنا عن أمر إلا فيه مضرتنا وتعاستنا، ولذلك من الأهمية بمكان ألا يتصادم هذا الابتكار مع أصل من أصول الدين، كالابتكارات في مجال الترويج لبعض المحرمات(الدعارة، الخمور، الربا ... إلخ).

في رأيي الخاص، فإن ضابط الدين هو الضابط الوحيد الذي يعتد به، وما عدا ذلك فإنه يجب فتح المجال واسعًا للعقل أن يفكر وأن ينطلق للتفكير في جميع المجالات حتى يخرج لنا الأفكار المبدعة.

أسس التفكير الابتكاري

للابتكار أسس يبنى عليها، فلا يمكن أن يصمد من دونها، ومنها:

الأساس الأول: طول التأمل والتفكير: فالتأمل في الأمور المشاهدة والمحسوسة، وعمق التفكير فيها، وإطلاق العنان للخيال والأحلام هي أصل الابتكار، وبداية تحريك العقل لتوليد الأفكار الجديدة. لقد دعانا القرآن الكريم للتفكير في سبعة عشر موضعًا، وذلك لأهمية تحريك هذا العقل الذي ميز الله به الإنسان عن بقية الخلائق، فعمارة الأرض التي هي من مهام هذا الإنسان في هذه الحياة لا يمكن أن تتحقق من غير تحريك العقل.

وقد استفاد من هذا الأساس جمع من العلماء الذين أمعنوا النظر والتفكير والتأمل فيما خلق الله تعالى من المخلوقات والظواهر، فاخترعوا واكتشفوا الكثير مما ينعم به الإنسان في هذه الحياة، ومن بين هؤلاء النجوم:

علاء الدين بن النفيس

علم من أعلام الطب، نشأ وترعرع في دمشق في مطلع القرن السابع الهجري (الثالث عشر الميلادي) ثم انتقل إلى القاهرة، وعاش فيها بقية حياته التي امتدت حتى سن الثمانين، وكان ابن النفيس من هؤلاء العلماء الذين يعتمدون على المشاهدات والملاحظة والتأمل في اكتشافاتهم ومخترعاتهم، فقد قيل عنه: 

إن ملكة التأليف كانت تتسلط عليه أحيانًا بقوة لا يستطيع الإفلات منها، فقد روي أنه دخل الحمام ذات مرة، فلما كان في بعض تغسيله خرج إلى مشلح الحمام، واستدعى دواة وقلمًا وورقًا، وأخذ في تصنيف مقالة في النبض إلى أن أنهاها، ثم عاد ودخل الحمام وأكمل غسله... كل ذلك بسبب ملاحظته للنبض داخل الحمام... ولا غرو أن يكون له الفضل في اكتشاف الدورة الدموية الصغرى والكبرى قبل معرفتها عند علماء الغرب بقرون، عندما كان يشرح الحيوانات، ويرى بعينيه تقسيم القلب والشرايين، وما بداخل القلب من البطين الأيمن والأيسر، وكذلك الأذين الأيمن والأيسر(1). 

ابن الهيثم

وهو أبو علي الحسن بن الهيثم من مواليد البصرة بالعراق، درس في بغداد الطب، وتخصص في طب العيون أو ما كان يطلق عليه بطب الكحالة، وبسبب اعتماده منهجية الملاحظة والمشاهدة والتأمل، نجح في تطوير علم البصريات، حينما برهن رياضيًا وهندسيًا أن العين تبصر وترى بواسطة شعاع ينبثق من الأشياء إلى العين وبذلك أبطل النظرية اليونانية التي كانت تقول إن الرؤية تحصل من انبعاث شعاع ضوئي من العين إلى الجسم المرئي.

كذلك برهن رياضيًا وهندسيًا على كيفية النظر بالعينين معًا إلى الأشياء في آن واحد دون أن يحدث ازدواج في الرؤية، وقد وضع ابن الهيثم بهذه البرهنة الأساس الأول لما يعرف الآن باسم "الإستريسكوب"، وهو أول من أطلق على العين أسماء أخذها الغربيون بنطقها أو ترجموها إلى لغاتهم، ومن هذه الأسماء: «القرنية، الشبكية، السائل الزجاجي». كما أنه أول من أجرى تجارب بواسطة آلة الثقب أو البيت المظلم أو الخزانة المظلمة، واكتشف منها أن صورة الشيء تظهر مقلوبة داخل هذه الخزانة المظلمة، فمهد بهذا الطريق إلى ابتكار آلة التصوير. وبهذه الفكرة، وتلك التجارب سبق ابن الهيثم العالمين الإيطاليين ليوناردو دفنشي ولابورتا بخمسة قرون.

علماء على الطريق

وغير ابن النفيس وابن الهيثم، سار علماء كثر على منهج الملاحظة والتفكر والتأمل، ليخرجوا لنا الكثير من المخترعات التي تنعم بها البشرية.

الهوامش

(١) للاستزادة من ترجمته يُراجَع موقع إسلام نت مقالة الدكتور عبد الكريم شحادة.

(٢) بسام عليق: ابن الهيثم بيروت، حليمة الغراري: بناة الفكر العلمي.

(*) رئيس جمعية بشائر الخير – الكويت.

الرابط المختصر :