العنوان الابتكار طعم آخر للحياة: مقامات الحريري
الكاتب د.عبدالحميد البلالي
تاريخ النشر السبت 20-يناير-2007
مشاهدات 73
نشر في العدد 1735
نشر في الصفحة 59
السبت 20-يناير-2007
في هذه الحلقة نتناول عملًا رائعًا ونموذجًا فذًا للإبداع الأدبي العربي، لا يقل روعة وتألقًا عن «كليلة ودمنة» بل ربما يتجاوزه، وهو «مقامات الحريري»..
مؤلف الكتاب
هو المبدع العلامة أبو محمد القاسم ابن علي بن محمد بن عثمان الحريري البصري المولود سنة ست وأربعين وأربعمائة والمتوفى بالبصرة سنة عشر وخمسمائة من الهجرة وله قصائد استعمل فيها التجنيس كثيرًا.
قصة المقامات
المقامات فن من فنون الكتابة العربية أبتكره بديع الزمان الهمذاني الذي قال عنه الثعالبي هو بديع الزمان ومعجزة همذان، ونادرة الفلك وبكر عطارد، وفرد الدهر وغرة العصور، ولم يدرك قرينه في النثر وملحه وغرر النظم ونكته، ولم ير أن أحدًا بلغ مبلغه من الأدب وسره، وجاء بمثل إعجازه وسحره، فإنه كان صاحب عجائب وبدائع وغرائب([2]).
والمقامات نوع من أنواع القصص القصيرة تحفل بالحركة التمثيلية ويدور الحوار فيها بين شخصين، ويلتزم مؤلفها بالصنعة الأدبية التي تعتمد على السجع والبديع.
سبب تأليف مقامات الحريري
يحكي الحريري سبب إنشائه المقامات فيقول: «إن أبا زيد السروجي كان من أهل البصرة، وكان شيخًا شحاذًا أديبًا بليغًا فصيحًا ورد البصرة، فوقف في مسجد بني حرام، فسلم ثم سأل، وكان المسجد غاصا بالفضلاء، فأعجبتهم فصاحته، وحسن كلامه، وذكر أسر الروم ولده، فأجتمع عندي عشية جماعة فحكيت ما شاهدت من ذلك السائل، وما سمعت ظرفه، فحكي كل واحد عنه نحو ما حكيت فأنشأت المقامة الحرامية ثم بنيت عليها سائر المقامات التي تبلغ خمسين مقامة وقد بدأ في كتابتها في سنة (٤٩٥هـ) وانتهى منها في سنة (٥٠٤هـ).
ماذا تحتوي المقامات؟
يقول الحريري عن مقاماته وماذا تحتوى أنشأت على ما أعانيه من قريحة جامدة، وفطنة خامدة وروية ناضبة وهموم ناحبة، خمسين مقامة، تحتوي على: جد القول وهزله، ورقيق اللفظ وجزله وغرر البيان ودرره وملح الأدب ونوادره إلى ما أوشحتها به من الآيات ومحاسن الكنايات، ورصعته فيها من الأمثال العربية، واللطائف الأدبية والأحاجي النحوية والفتاوى اللغوية والرسائل المبتكرة، والخطب المحبرة والمواعظ المبكية والأضاحيك الملهية، لما أمليت جميعه على لسان أبي زيد السروجي، وأسندت روايته إلى «الحارث بن همام البصري»([3])، وقد يكون زيد السروجي هذا شخصية خيالية نسجها خيال الحريري، ليحيك من حولها حيل أديب متسول، وأما الحارث بن همام هو الشخصية التي يقول عنها ابن خلكان قصد بها نفسه أي الحريري.
نماذج من الابتكار.. المقامة المراغية
والمقامات مليئة بالابتكارات الأدبية منها المقامة السادسة التي أسماها المراغية فيها رسالة بديعة تتوالى كلماتها مرة منقوطة، ومرة غير منقوطة، منها قوله «الكرم ثبت الله جيش سعودك يزين واللؤم غض الدهر جفن حسودك يشين والأروع يثيب والمعور يخيب والحلاحل يضيف والماحل يخيف، والسم يغذي والمحك يقذي، والعطاء ينجي، والمطال يشجي ... إلخ»([4]).
المقامة المغربية
وفيها اختار رسالة مليئة بالعبارات التي لا تتغير بعكس حروفها، ومثال ذلك «لم أخًا مل» وعبارة «كبر رجاء أجر ربك» وقوله «سكت كل من ثم لك نكس» وقوله «لذ بكل مؤمل إذا لم وملك بذل»([5]) وكل هذه العبارات إذا عکست حروفها تعطيك نفس العبارة.
المقامة السمرقندية
عبارة عن خطبة كلها من غير نقط يبدؤها بقوله «الحمد لله الممدوح الأسماء المحمود الآثار الواسع العطاء المدعو لحسم اللأواء، مالك الأمم، مصور الرمم، وأهل السماح والكرم، ومهلك عاد وارم.. إلخ» ([6]).
الهوامش:
([1]) رئيس جمعية بشائر الخير – الكويت.
([2]) يتيمة الدهر في محاسن أهل العصر. الثعالبي.
([3]) شرح مقامات الحريري ص ٦ ط / دار التراث، بيروت.
([4]) شرح مقامات الحريري ص ٥٥ ط / دار التراث.
([5]) شرح المقامات ص ١٥٣.
([6]) تجدها كاملة ص ۲۸۷ من مقامات الحريري.