; الاتحاد الأوروبي ودول البلقان: شروط العضوية وأمل الاندماج | مجلة المجتمع

العنوان الاتحاد الأوروبي ودول البلقان: شروط العضوية وأمل الاندماج

الكاتب عبد الباقي خليفة

تاريخ النشر السبت 28-ديسمبر-2002

مشاهدات 49

نشر في العدد 1532

نشر في الصفحة 32

السبت 28-ديسمبر-2002

قرار توسيع الاتحاد الأوروبي الذي اتخذ في قمة كوبنهاجن، يومي ۱۲ و ۱۳ ديسمبر الجاري، والذي حدد فيه وزراء خارجية الدول الأوروبية الخمس عشرة بداية الشهر الخامس الميلادي سنة ۲۰۰٤ موعدًا لبدء توسيع الاتحاد، ليشمل 10 دول جديدة، هذا القرار جعل العديد من دول البلقان وبقية دول أوروبا الشرقية تتطلع إلى عضوية الاتحاد، فقد اعتبرت قبول دول من أوروبا الشرقية والبلطيق المجر، والتشيك، وبولندا وسلوفينيا، وليتوانيا، وسلوفاكيا، وقبرص، ومالطا، وإستونيا ورومانيا مؤشرًا على مستقبل أوروبي لها ولشعوبها داخل الاتحاد القاري.

لكن دول البلقان تدرك أن عليها الوفاء بشروط دخول الاتحاد، كما تدرك أن إمكاناتها وأوضاعها الداخلية، والتحديات التي تواجهها تمثل عائقًا كبيرًا في وجه انضمامها إلا أن إدراكها لما يتعين عليها فعله لم يصبها بالإحباط وهي لا تزال تعمل على تحسين ظروفها لتحقيق شروط الانضمام خلال العقد الأول أو الثاني من القرن الحادي والعشرين. فقد سبق ترشيح الدول العشر الجديدة للاتحاد الأوروبي ١٠ سنوات من التحضير، وإن كان بعضها أفضل حالًا مما عليه دول البلقان وبعض دول أوروبا الشرقية حاليًا من النواحي الأمنية والسياسية والعسكرية، ولا سيما مستوى الديمقراطية وحقوق الإنسان. وسيكون يوما ۱۲ و ۱۳ يناير المقبل موعد الانتهاء الرسمي من المفاوضات بين الاتحاد الأوروبي والدول العشر التي قبل ترشحها في قمة كوبنهاجن وفي ١٦ أبريل سيتم في أثينا توقيع اتفاقات الانضمام في ظل رئاسة اليونان للاتحاد الأوروبي وفي الأول من مايو ۲۰۰٤ تدخل الدول العشر الجديدة رسميًا في الاتحاد في حال طبقت المعايير المتفق عليها، وفي نوفمبر من نفس العام تكون الدول الجديدة من جملة دول الاتحاد الأوروبي التي تحضر الاجتماعات، وتشارك في القرارات الاستراتيجية للاتحاد.

شروط الاتحاد

وجه خافيير سولانا المنسق الأوروبي للشئون الأمنية والعلاقات الخارجية بالاتحاد الأوروبي رسالة إلى دول البلقان وأوروبا الشرقية، حصلت المجتمع على نسخة منها تتعلق بمستقبل تلك الدول، وموقعها من اهتمامات الاتحاد الأوروبي بعد ترشيح عشر دول جديدة للانضمام للاتحاد من بينها سلوفينيا إحدى جمهوريات البلقان رسالة سولانا كانت واضحة: حصلت تغييرات تاريخية تمثلت في توسيع الاتحاد ليشمل ۱۰ دول جديدة من بينها جمهورية سلوفينيا، وهذا الإجراء أكبر عملية توسعة في تاريخ الاتحاد الأوروبي حتى الآن، وتابع: أبواب الاتحاد الأوروبي ستبقى مفتوحة لجميع الدول التي تتوافر فيها المعايير الأوروبية للانضمام له. وقال: «الرسالة التي أوجهها لدول أوروبا الشرقية، مثل البوسنة والهرسك واضحة، وهي أن الدخول في الاتحاد الأوروبي ليس حلمًا يتعذر تحقيقه، ولكني أقول يمكنكم الانضمام للاتحاد إذا ما حققتم الإصلاحات الضرورية التي يمكنها أن تؤهلكم لذلك وخاطب شعوب المنطقة: «قطعتم طريقًا طويلًا في اتجاه أوروبا، وعلى الحكومات الجديدة أن تنقل بلدانها إلى المرحلة الثانية من الاندماج وإعداد برامج عمل للعاطلين، وضمان حقوق جميع الفئات وعلى كافة المستويات، وتوحيد التعريفة الجمركية، وستكون هذه المطالب بمثابة اختبار وقال: «جميع الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي وحدت التعريفة الجمركية، وعلى دول أوروبا الشرقية حل هذا الإشكال إذا كانت ترغب في الانضمام للاتحاد الأوروبي.

 وانتقد سولانا البيروقراطية السائدة في أوروبا الشرقية: الأموال تصرف على المظاهر البيروقراطية أو ما هو أسوا، عوض أن تصرف على التعليم والصحة، وفي النهاية تذهب الأموال لجيوب المجرمين، وهذا يتطلب إصلاحات في الجانب الجمركي وغيره لتلافي ضياع أكثر من ٥٠٠ مليون دولار سنويًا لكل دولة، ووضع حد لغسل الأموال حيث تم غسل 10 مليارات دولار في المنطقة.

 وعن مسئولية الاتحاد الأوروبي تجاه أوروبا الشرقية قال سولانا: الاتحاد الأوروبي سيقوم بأداء واجبه في الجانب المتعلق به لمساعدة البلقان ودول أوروبا الشرقية لتكون قريبة من أوروبا وأشار إلى أن هناك قرارات صعبة يتعين على الحكومات اتخاذها في الشهور القادمة، منها الإصلاحات السياسية وطريقة عمل الحكومات الجديدة، والإصلاحات القضائية، وإنهاء مشكلات الجريمة المنظمة، وتغيير الأساليب التي كانت سائدة في العهد الشيوعي السابق، وإرساء علاقا تجارية مع الجيران تعود بالنفع على مواطنيها مستشهدًا بالدول العشر الجديدة قبل عشر سنوات كافحت دول مثل بولندا والتشيك وليتوانيا، وإستونيا من أجل الوضع الذي أهلهم لما هم فيه الآن، وهم الآن على طريق الانضمام للاتحاد الأوروبي وهذا يمكن تحقيقه في دول أوروبا الشرقية الأخرى ومنها البوسنة والهرسك، وهذا متوقف على الإصلاح الشامل»، وقال: سيعمل الاتحاد الأوروبي في الشهور والسنوات القادمة على التقدم نحو أوروبا الشرقية.

 وكشف سولانا عن مؤتمر سيعقد في شهر يونيو المقبل تحضره دول الاتحاد الأوروبي والبلقان لوضع سلم الأفضلية بين دول البلقان لترشيحها للاتحاد الأوروبي.

وكان الأمين العام لحلف شمال الأطلسي جورج روبرتسون قد بعث برسالة في وقت سابق لدول البلقان وأوروبا الشرقية قبل رسالة سولانا فيما سمى بدبلوماسية الرسائل، تحدث فيها عن الجريمة المنظمة، وعمليات تهريب البضائع والنساء إلى أوروبا الغربية عبر المنطقة حيث تم تهريب ٢٠٠ امرأة وفتاة، ويتم تهريب ألف طن من السجائر شهريًا، كما صدرت تصريحات سابقة عن سولانا وروبرتسون، تحدثت عن استحالة دخول الاتحاد الأوروبي بدون شروط من بينها اعتقال وتسليم مجرمي الحرب وضمان حقوق الأقليات لا سيما في يوغسلافيا وكرواتيا وتوحيد الجيش، وحقوق الإنسان البوسنة.

واقع المنطقة

ورغم أن رسالة سولانا مفعمة بالأمل، إلا أن واقع الحال في البلقان وأوروبا الشرقية لا يبشر بذلك، فالأوضاع الداخلية ولا سيما الأثنية والاقتصادية والأمنية لا تبشر بدخول قريب لتلك الدول في الاتحاد الأوروبي. ورغم الجهود التي بذلتها وتبذلها دول المنطقة للارتقاء بالوضع الاقتصادي، إلا أن بعض تلك المحاولات زادتها رهقًا، فقد تحولت الخصخصة إلى كابوس مرعب للكثيرين، وجعلت أفواجًا من العاطلين تتقاذفهم الشوارع بعد أن لفظتهم المصانع، ففي يوغسلافيا مليونا عاطل مع ١٢ مليار دولار ديون خارجية، وفي مع ١١ مليار ديون، في كرواتيا: ٨٥٠ ألفًا مع ديون خارجية وألبانيا: ۷۳۰ ألفًا مع ٨ مليارات ديون خارجية والبوسنة: نصف مليون والعدد الحقيقي أكبر لأن بعض العاطلين غير مسجلين في القوائم مع ملياري دولار دیون خارجية، ومقدونيا: ٤٠٠ ألف عاطل وقد كلفتها صفقات السلاح وحدها عدة مليارات وجميع هذه الدول تعيش مشكلات إثنية واضطرابات أمنية. وهزات اقتصادية واجتماعية ولا يمكن الحديث عن بدء محادثات معها للدخول في الاتحاد الأوروبي فضلًا عن قبول ترشحها في المدى المنظور.

وما يقوله سولانا وغيره من المسئولين الأوروبيين هو من باب دفع تلك الدول لتحسين ظروفها رغم يقينه بأنها بعيدة عن شروط الانضمام للاتحاد، وقد قامت تلك الدول بعدة إجراءات كالاتفاقات الحدودية التي تمت هذه السنة بين بلجراد وكل من سراييفو وزغرب وبين البوسنة وكرواتيا، وكذلك لقاءات وزراء الداخلية والخارجية في كل من البانيا واليونان ومقدونيا وبلغاريا والبوسنة وتركيا، ويوغسلافيا وكرواتيا حول المواضيع التي تركز عليها الدول الأوروبية: محاربة الجريمة المنظمة وتجارة الرقيق والتهريب، إضافة لتحرير التجارة وتوحيد التعريفة الجمركية، وتوقيع اتفاقية الإعفاءات الجمركية بينها. والتي ستدخل حيز التنفيذ عام ٢٠٠٥، واتفقوا على عدم جعل المنطقة بتعبير أحد وزراء خارجية تلك البلدان نقطة سوداء في أوروبا.

 ورغم التقدم الحاصل في العلاقات الثنائية بين دول البلقان إلا أنها لم تبلغ بعد المستوى المطلوب فالكراهية العرقية لا تزال سائدة، لا سيما في البوسنة، ومقدونيا، وصربيا، وكرواتيا، وكل يوم تنقل الأنباء اعتداء على مسلم أو انتهاك حرمة مسجد فضلًا عن أخبار الفساد وتورط الأمن والقضاء في تجارة الرقيق الأبيض والدعارة كما هو الحال في الجبل الأسود وصربيا.

مستقبل أوروبا والمنطقة

يعتقد الرئيس الكرواتي المعتدل ستيبان ميسيتش أن القوميات الأوروبية الكبيرة والصغيرة لها مكانها في أوروبا الموحدة، ويعتبر الدخول في الاتحاد الأوروبي قدر المنطقة هي هدفنا وهي قدرنا ويطالب بتنفيذ كل ما هو مطلوب من المنطقة حتى تدخل في أوروبا، لا من أجل المنطقة فحسب بل من أجل أوروبا أيضًا لأن أوروبا لا يمكنها أن تكون شريكًا فاعلًا مع الولايات المتحدة واليابان والصين والهند -انظر لم يذكر العالم الإسلامي- إن لم تكن موحدة، فلن تكون شريكًا فاعلًا لهذه القوى.

ويبدو أن ما قاله ميسيتش يتوافق مع النظرة الأوروبية لمنطقة البلقان وأوروبا الشرقية حيث تبدأ قوة من الشرطة الأوروبية عملها في البوسنة بداية يناير ۲۰۰۳ بعد رحيل الشرطة الدولية التابعة للأمم المتحدة، كما تطالب دول الاتحاد الأوروبي بإحلال قوات أوروبية محل قوات الأطلسي، والمقصود بذلك تحجيم الوجود العسكري الأمريكي في أوروبا، وقد حاول الاتحاد الأوروبي التخفيف من حدة مطالبه بالقول إن طلب إحلال قوات أوروبية مكان حلف الاطلسي كان لغرض مساعدة الولايات المتحدة على مقاومة الإرهاب في مناطق أخرى.

المسلمون والاتحاد الأوروبي

يرى الزعيم التركي نجم الدين أربكان، ورئيس حزب العدالة والتنمية التركي رجب أردوغان والرئيس البوسني السابق علي عزت بيجوفيتش أن دخول المسلمين لأوروبا سواء كانوا في تركيا، أو البوسنة وألبانيا من شأنه أن يعزز التواصل بين الشرق والغرب، ويدفع نحو حوار الحضارات وهو ما قاله المستشار الألماني جيرهارد شرودر أمام البوندستاج، حيث اعتبر انضمام دولة تركية ديمقراطية إلى الاتحاد الأوروبي أمرًا ضروريًا لأن ذلك يشكل جسرًا أساسيًا بين أوروبا والشرق واعتبر انضمام تركيا للاتحاد في مصلحة أوروبا. وإن كان هناك من سؤال يطرح فهو عن موقع الذين يضعون أوروبا دينا في موازاة الإسلام، وموقع العرب والمسلمين خارج القارة الأوروبية، فالخوف عليهم أكبر من الخوف على المسلمين الأوروبيين.

 المضحك المبكي أن من يرفضون الحوار مع مواطنيهم والأحزاب الإسلامية ، يبحثون عن مقاعد في قطار حوار الحضارات، والذين يدعون منهم للتسامح لا يسمحون بكلمة واتق الله، ولا يطيقون رؤية امرأة محجبة، أو شاب ملتح. وكما قال رئيس وزراء تركيا عبد الله جول: من العيب أن تذهب امرأة محجبة للدراسة في أوروبا، لأن قانون بلدها لا يسمح لها بالحجاب!

باسم أي حضارة يتكلم السلطويون والعلمانيون.

الرابط المختصر :