; الاختبارات النووية الفرنسية والصينية الجديدة.. رسالة إلى من يهمه الأمر | مجلة المجتمع

العنوان الاختبارات النووية الفرنسية والصينية الجديدة.. رسالة إلى من يهمه الأمر

الكاتب نادر عبدالغفور أحمد

تاريخ النشر الثلاثاء 04-يوليو-1995

مشاهدات 86

نشر في العدد 1156

نشر في الصفحة 48

الثلاثاء 04-يوليو-1995

 الصين ستسد ٢٠٪ من حاجة الأسواق العالمية لليورانيوم.. وأمريكا هي المستورد الأول

الاختبارات النووية الجديدة التي قامت بها فرنسا والصين أثارت استياء واستغراب العالم بأسره، فقد جاء توقيت إجراء هذه الاختبارات بعد أسابيع فقط من التوقيع على معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية وهي الاتفاقية التي فرضت على الدول الإسلامية في الوقت الذي تملصت فيه إسرائيل من التوقيع بمساعدة الولايات المتحدة الأمريكية.

ومن الجدير بالملاحظة أن قيام فرنسا باختباراتها النووية لم يثر القلق والاحتجاجات بقدر الاحتجاجات التي أثيرت ضد الصين وأدت إلى مقاطعة اقتصادية يابانية جزئية ضد الصين بسبب تلك الاختبارات، ويبدو واضحًا أن القوى العظمى خدعت دول العالم الثالث وبضمنها الدول الإسلامية، بحجة أن هناك اتفاقًا كاملًا على انتشار هذا الحظر ليشمل القوى العظمى وفي فترة لا تتجاوز عام ١٩٩٦م، علمًا أن فرنسا تزمع القيام بحوالي ٢٦ اختبارًا نوويًا لإشعار العالم بأنها لا زالت من القوى العظمى، وأنها لا تخضع مباشرة للمظلة الأمريكية.

السياسة النووية التي يتبناها الرئيس الفرنسي الجديد جاك شيراك تعتبر امتدادًا وتأكيدًا للسياسة الديغولية القديمة التي عبر عنها الرئيس الفرنسي الراحل ديغول بأن قوة فرنسا تكمن في قدراتها النووية لمواجهة الأخطار، وأن فرنسا لا تحتاج لمن يدافع عنها عند تعرضها لعدوان خارجي، السؤال الذي أثار استغراب المحللين السياسيين هو عن سبب توقيت هذه الاختبارات الفرنسية والصينية في وقت لم يجف فيه بعد حبر التوقيع على اتفاقية حظر الأسلحة النووية في هذا المقال سنتناول مسألة الصين والأسباب التي تدفعها لتطوير قدراتها النووية السلمية منها والعسكرية.

الاختبارات النووية الصينية الأخيرة أثارت تساؤلات ومخاوف العالم الغربي، إذ إن الصين بالرغم من انفتاحها على العالم الغربي والاستثمارات الغربية، فإن نظام حكمها لم ينفتح تمامًا للنفوذ الغربي، ولم يخضع للضغوط الدولية، خصوصًا فيما يتعلق بمواقفها من تايوان وجزر سيراتلي في بحر جنوب الصين، بالإضافة إلى موقفها المتشدد من قضية هونج كونج وعلاقتها الجيدة مع كوريا الشمالية، ويعتقد المحللون أن الصين تتميز بسياساتها الانفرادية لحل مشاكلها السياسية الخارجية منها والداخلية، وهي لا ترغب في القيام بالطرق السياسية التقليدية الروتينية المعروفة في الشئون الدولية، في الوقت نفسه فإن سياسة الانفتاح الصينية رافقتها سياسة عسكرية أخرى لتطوير الترسانة العسكرية ربما لتلعب الصين دورًا عالميًا قويًا في القرن القادم، وهو ما تتخوف منه الولايات المتحدة وحليفاتها، خصوصًا بعد تنحي الاتحاد السوفييتي عن هذا الدور.

وقد أشارت مصادر حكومية أمريكية وبريطانية إلى أن مثل هذا التوقيت الصيني للاختبارات النووية سيحدث شرخًا كبيرًا في اتفاقية حظر الأسلحة النووية ومصداقيتها، وسيزيد فجوة عدم الثقة بين الدول الموقعة والدول النووية، والواقع فإن عدم مصداقية هذه الاتفاقية ربما ستدفع ببعض الدول الموقعة عليها إلى سلوك منحى آخر لتطوير ترسانتها النووية لمواجهة الأخطار النووية الإسرائيلية والدولية أما جواب الصين على تلك التساؤلات فركز على ضرورة إجراء الاختبارات النووية للتأكد من سلامة السلاح النووي، وهو جواب كانت الولايات المتحدة تتذرع به سابقًا عندما كانت تعارض مشاريع منع الاختبارات النووية التي تجرى في باطن الأرض، وبالرغم من محاولات الولايات المتحدة وحليفاتها بكسب الصين إلى جانبها تارة بالضغوط وأخرى بالتودد والمساعدة، إلا أن الصين امتنعت مرارًا من السقوط في هذه المصيدة، لذلك يرى مخططو الاستراتيجية الأمريكية أن احتمالات بروز الصين كقوة عظمى على المسرح الدولي في المستقبل القريب قد تبلغ حوالي ٨٠% لكن هناك احتمال آخر قد يبلغ ٨٠% أيضًا في استمرار عدم اتفاق الصين مع سياسة الغرب في المستقبل، ويشير بعض المراقبين السياسيين إلى أن الاختبار النووي الصيني الأخير ما هو إلا رسالة صينية إلى من يهمه الأمر لإثبات دورها على المسرح الدولي واستعراض للتقنية النووية في الأسواق العالمية.

أهداف الاستراتيجية الصينية:

ولكن ما أهداف الاستراتيجية النووية الصينية الجديدة؟

تتوزع السياسة النووية الصينية على هدفين تعتبرهما الحكومة حيويتين بالنسبة لمصالحها على المدى البعيد:

الهدف الأول: هو استثمار التقنية النووية في الأغراض السلمية لزيادة توليد الطاقة الكهربائية بواسطة المفاعلات النووية.

والهدف الثاني: هو تطوير ترسانة الأسلحة النووية التي وضعت الصين في مصاف القوى النووية في الستينيات.

ومما لا شك فيه أن الصين لا تفتقر إلى المقومات الأساسية لتطوير صناعتها النووية، فالصين تملك مخزونًا ضخمًا من عنصر اليورانيوم الخام، ومن الجدير بالذكر أن الولايات المتحدة تعتبر من أولى الدول المستوردة لليورانيوم الصيني الخام والمخصب، وقد اشترت الولايات المتحدة حوالي ١٣٠,٤٩٠ كيلو جرام من اليورانيوم المخصب الصيني في عام ١٩٩٢م، وتعتقد وكالة الطاقة النووية الدولية أن الصين ستسد ٢٠% من حاجة الأسواق العالمية لليورانيوم في نهاية هذا القرن وفي القرن القادم.

مشروع توليد الكهرباء بالطاقة النووية:

وتعتبر الصين من أكثر دول العالم استهلاكًا للفحم الذي تحتاجه لتوليد الطاقة الكهربائية حاليًا، وتغطي المحطات التي تعمل بالفحم ٧٠% من حاجة البلد للطاقة الكهربائية الآن، وتشير الدراسات إلى أن المفاعلات النووية ستولد ١٠% من حاجة الصين للطاقة الكهربائية في القرن القادم، ولتحقيق مثل هذا الهدف ستقوم الصين ببناء ۱۲ محطة نووية لتوليد الطاقة الكهربائية بسعة ١٥ ميجاواط سنويا لفترة ١٠ إلى ١٥ سنة القادمة، ويعني هذا أن الصين ستنتج حوالي ۱۰۰ ميجاواط من الكهرباء بواسطة الطاقة النووية في نهاية هذا القرن، أما على المدى البعيد؛ فإن الصين تستهدف تولید ۱5۰ ميجاواط من الكهرباء بواسطة الطاقة النووية، ويشمل البرنامج النووي الصيني توجهًا نحو بيع التقنية النووية الصينية واليورانيوم والخدمات النووية في الأسواق العالمية وعلى الخصوص إلى دول العالم الثالث، وما توقيع الاتفاقيات النووية مع إيران والباكستان إلا جزء من هذا التوجه الذي يستهدف أساسًا الحصول على العملة الصعبة لتحقيق الخطط الاقتصادية الصينية، ومن الجدير بالذكر أن البرنامج السلمي النووي الصيني بدأ فعليًا في الثمانينيات، ويعتبر امتدادًا للبرنامج النووي العسكري الذي بدأ في الخسمينيات وتوج بتفجير أول قنبلة نووية صينية في الستينيات، وفي مطلع الثمانينيات كان هناك خلاف بين وزارة التصنيع النووي الصيني التي استهدفت تطوير التقنية المحلية النووية ووزارة المصادر المائية والطاقة الكهربائية التي كانت تفضل الاعتماد على التقنية النووية المستوردة، وفي الأخير رجحت كفة وزارة التصنيع النووي خصوصًا وأن للصين تجارب مريرة سابقة عندما اعتمدت على الاتحاد السوفييتي لتزويدها بالتقنية النووية في الستينيات، وبدأ المشروع السلمي النووي الصيني بالاعتماد على تصاميم محلية لمفاعلات نووية صينية، وبالفعل تم بناء مفاعل نووي لتوليد الطاقة النووية بطاقة ٣٠٠ ميجاواط يعمل بالماء المضغوط ونصب في مدينة كينشان عام ١٩٨٥م, واعتمد بناء المفاعل على ٧٠% من المنتجات المحلية، أما الأجزاء الحيوية فقد استوردت من اليابان وأوروبا الغربية، وقد باعت الصين مفاعلين للماء المضغوط إلى باكستان وإيران وهي مفاعلات مصممة خصيصًا لتوليد الطاقة الكهربائية.

تقوية التقنية المحلية:

واعتمدت الصين على مفهوم يقول بأن نجاح الصادرات الصينية للتقنية النووية يتطلب تقوية التقنية النووية المحلية، ويعني هذا أن الصين بدأت بالاعتماد الفعلي على الدول الأجنبية لتطوير تقنيتها النووية وهو مفهوم اختلف كثيرًا عن السياسة المتبعة في الثمانينيات، وبالفعل وقعت الصين على اتفاقية مع روسيا عام ١٩٩٣م، لتجهيزها بمفاعلين بطاقة ١٠٠٠ ميجاواط، ووقعت الصين مؤخرًا عقدًا مع فرنسا بقيمة ٢,٨ بليون دولار لبناء مفاعلين بطاقة ١٠٠٠ ميجاواط، وعقدًا مع كندا لتجهيز مفاعل أصغر بطاقة ٦٠٠ ميجاواط, وعلى الصعيد العسكري وقعت الصين اتفاقية مع روسيا لتجهيزها بتقنية الطرد المركزي التي ستمكنها من إنتاج كميات كبيرة من اليورانيوم المخصب، بالإضافة إلى نصب محطات اختبار نووية في شنغهاي وشينزيانشو، وتتباحث الصين حاليًا مع وكالة الطاقة النووية الكندية لتزويدها بمفاعلين لتوليد الكهرباء بطاقة ٧٠٠ميجاواط من مجموع ستة مفاعلات كندية بنفس الطاقة تبلغ قيمتها الإجمالية حوالي ٣.٥ بليون دولار.

قوة الردع للانفصال:

ومما يثير قلق الحكومة الصينية زيادة القوة السياسية والاقتصادية لبعض المقاطعات الصينية ومنها جوانجدونج، مما قد يدفعها نحو المطالبة بالانفصال، ولهذا فليس من المستبعد إعادة النظر في البرنامج النووي وخفضه إن تطلب الأمر ذلك، وكجزء من الاتفاقية الموقعة بين الصين والولايات المتحدة في عام ١٩٩٣م، يجب على الصين السيطرة على صادراتها من التقنية النووية وأجهزة السيطرة على الصواريخ والقذائف وطبقًا للاتفاقية يمكن للولايات المتحدة منع أو حظر بيع التقنية النووية إلى الصين، ولهذا تحاول الصين الآن عدم الاعتماد على التقنية النووية الأمريكية والعثور على شركاء آخرين لتطوير برنامجها النووي الواسع.

ويتوقع الخبراء استمرار حصول الخلافات بين الصين والمعسكر الغربي بسبب البرنامج النووي الصيني الطموح الذي لا يخضع تمامًا لسيطرة الغرب من جهة أخرى تراهن بعض الجهات السياسية الغربية على حدوث خلاف سياسي مستقبلي بين الدول الإسلامية والصين بسبب الضغوط التي يتعرض لها المسلمون في الجمهوريات الصينية، وهي ضغوط مشابهة لتلك التي تتعرض لها حاليًا جمهوريات آسيا الصغرى التي كانت تخضع للحكم الشيوعي السوفييتي سابقًا، ومثل هذه المواجهات حسب اعتقاد تلك الجهات ستؤدي إلى خفض أو منع انتشار التقنية النووية الصينية إلى الدول الإسلامية مستقبلًا، ويعني هذا أن الغرب لا يقف موقف المتفرج وإنما سيحاول التدخل بقدر الإمكان لصب الزيت على النار وإشعال نار الخلافات بين الصين والدول الإسلامية، والسؤال هو هل سينجح الغرب في هذه المحاولات؟

الرابط المختصر :