العنوان الاستخلاف
الكاتب د.عبدالحميد البلالي
تاريخ النشر الثلاثاء 06-يناير-1987
مشاهدات 66
نشر في العدد 799
نشر في الصفحة 40
الثلاثاء 06-يناير-1987
- الاستخلاف في الأرض قدرة على العمارة والإصلاح لا على الهدم والإفساد.
- الوعد بالخلافة ليس قاصرًا على الخلفاء الأربعة ومن بعدهم، بل هي شاملة لكل الأمة متى قامت بالأسباب التي تهيئها لحمل الأمانة.
۱ - الاستيقان بالاستخلاف:
يقول تعالى: ﴿قالَ مُوسَى لِقَومِهِ اسْتَعِينُوا بِاللهِ واصْبِرُوا إِنَّ الاْرضَ للهِ يُورِثُهَا مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَقِبَهُ لِلْمُتَّقِينَ 128 قَالُوا أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَن تَأْتِيَنَا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَن يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِى الاْرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ (الأعراف129:128) كان فرعون قد هدد بني إسرائيل بعد إيمانهم بموسى عليه السلام بتقطيع الأيدي والأرجل والصلب، يقول الإمام الشوكاني «لما بلغ موسى ما قاله فرعون أمر قومه بالاستعانة بالله والصبر على المحنة، ثم أخبرهم «أن الأرض» يعني أرض مصر «لله يورثها من يشاء من عباده، أو جنس الأرض، وهو وعد من موسى لقومه بالنصر على فرعون وقومه »[1]
ولكن موسى عليه السلام يواجه هنا نفوسًا يائسة غير قادرة على مواصلة الطريق ولا تعرف طبيعة الطريق الموصل للنصر، ولا سنن الاستخلاف في الأرض، وهو يريد أن يغير هذه النفوس العنيدة المكابرة التي أحبت حياة الذل والمهانة، والتي لا تعرف للأمل والرجاء طريقًا أن هذا الصنف من الناس لا شك أنه يعوق الوصول للنصر، ولا يتم على يديه، حتى تتغير موازينه، وتترفع نفوسهم عن طينة الأرض وعتمة الطين لتسمو في العلياء ولتثق برب السماء.
يقول الأستاذ سيد قطب «إنه مشهد النبي موسى- عليه السلام - مع قومه يحدثهم بقلب النبي ولغته، ومعرفته بحقيقة ربه، وبسنته وقدره، فيوصيهم باحتمال الفتنة والصبر على البلية والاستعانة بالله عليها. ويعرفهم بحقيقة الواقع الكوني. فالأرض لله يورثها من يشاء من عباده. والعاقبة لمن يتقون الله، ولا يخشون أحدًا سواه... فإذا شكوا إليه أن هذا العذاب الذي يحل بهم قد حل بهم من قبل أن يأتيهم، وهو يحل بهم كذلك بعدما جاءهم، حيث لا تبدو له نهاية، ولا يلوح له آخر! أعلن لهم رجاءه في ربه أن يهلك عدوهم ويستخلفهم في الأرض ليبتليهم في أمانة الخلافة» [2]وهي ليست مهمة الرسل فقط، بل هي مهمة كل فرد في الحركة الإسلامية أن يثبت النفوس المتزلزلة ويطمئن القلوب اليائسة، الغافلة بهذه الحقائق وبتلك السنن التي وضعها الله فلا ينتصرون إلا بها.
الاستخلاف وعد من الله
يقول تعالى ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا ۚ يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا ۚ وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (النور:55)
إن الحالة الأمنية التي عاش بها الرعيل الأول من الصحابة رضي الله عنهم في مكة و بداية أيامهم في المدينة بعد الهجرة يصفها أبو العالية تلميذ الصحابي الجليل أبي بن كعب فيقول كان النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه بمكة نحوًا من عشر سنين يدعون إلى الله وحده وعبادته وحده لا شريك له، سرًا وهم خائفون لا يؤمرون بالقتال حتى أمروا بالهجرة إلى المدينة، فقدموا المدينة، فأمرهم الله بالقتال، وكانوا بها خائفين، يمسون بالسلاح و يصبحون بالسلاح فغيروا بذلك ما شاء الله، ثم أن رجلًا من أصحابه قال: «يا رسول الله أبد الدهر نحن خائفون هكذا، أما يأتي علينا يوم نأمن فيه ونضع فيه السلاح؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «لن تصبروا إلا يسيرًا حتى يجلس الرجل منكم في الملأ العظيم محتبيًا ليست فيه حديدة» فأنزل الله هذه الآية الكريمة ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ (النور:55) [3]
وليس الوعد بالخلافة قاصرًا على الخلفاء الأربعة ومن بعدهم، بل هي شاملة لكل الأمة، متى قامت بالأسباب التي تهيئها لحمل الأمانة، يقول الإمام القرطبي «وقال قوم هذا وعد لجميع الأمة في تلك الأرض كلها تحت كلمة الإسلام كما قال عليه الصلاة والسلام «زويت لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها، وسيبلغ ملك أمتي ما زوى لي منها»[4].
واختار هذا القول ابن عطية في تفسيره حيث قال: والصحيح في الآية أنها في استخلاف الجمهور، واستخلافهم هو أن يملكهم البلاد ويجعلهم أهلها»[5] ثم يقول القرطبي «قلت هذه الحال لم تختص بالخلفاء الأربعة رضي الله عنهم حتى يخصوا بها من عموم الآية، بل شاركهم في ذلك جميع المهاجرين بل وغيرهم» [6]ثم يقول «فصح أن الآية عامة لأمة محمد صلى الله عليه وسلم، غير مخصوصة إذ التخصيص لا يكون إلا بخبر ممن يجب له التسليم، ومن الأصل المعلوم التمسك بالعموم».[7]
شرط الاستخلاف
إن وعد الله بالاستخلاف لا يتحقق إلا بشرط لازم، وهو «الإيمان والعمل» فما حقيقة هذا الإيمان، وذلك العمل الصالح المتعلق فيه يقول سيد قطب «إن حقيقة الإيمان التي يتحقق بها وعد الله حقيقة ضخمة تستغرق النشاط الإنساني كله، وتوجه النشاط الإنساني كله. فما تكاد تستقر في القلب حتى تعلن عن نفسها في صورة عمل ونشاط وبناء وإنشاء موجه كله إلى الله، لا يبتغي به صاحبه إلا وجه الله، وهي طاعة الله واستسلام لأمره في الصغيرة والكبيرة، لا يبقى معها هوى في النفس ولا شهوة في القلب، ولا سبل في الفطرة إلا وهو تبع لما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم من عند الله.
فهو الإيمان الذي يستغرق الإنسان كله بخواطر نفسه وخلجات قلبه وأشواق روحه وميول فطرته وحركات جسمه، ولفتات جوارحه، وسلوكه مع ربه في أهله، ومع الناس جميعًا... يتوجه بهذا كله إلى الله.. يتمثل هذا في قول الله سبحانه في الآية نفسها تعليلًا للاستخلاف والتمكين والأمن ﴿يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا ۚ﴾ (النور:55).
والشرك مداخل وألوان والتوجه إلى غير الله بعمل أو شعور هو لون من ألوان الشرك بالله. ذلك الإيمان منهج حياة كامل يتضمن كل ما أمر الله به ويدخل فيما أمر الله به توفير الأسباب، وإعداد العدة، والأخذ بالوسائل والتهيؤ لحمل الأمانة الكبرى في الأرض... أمانة الاستخلاف»[8]
فليس لفرد ولا لجماعة أن تحدد وقتًا يستخلفها الله فيه، فهذا الوعد ليس راجعًا للتقديرات البشرية، بل هو راجع لخالق البشر متى ما رأى تحقق الشرط الذي اشترطه للاستخلاف في الذين يسعون لإعادة راية الإسلام. ذلك لأن الخلافة ليست هدفًا بحد ذاتها، بل هي وسيلة كبرى لتبليغ دين الله، وحمايته وحماية أتباعه لتحقيق الهدف الحقيقي وهو عبادة الله وحده لا شريك له ﴿يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا ۚ﴾ (النور:55)
مفهوم الاستخلاف عند سيد
يقول سيد رحمه الله إنها ليست مجرد الملك والقهر والغلبة والحكم، إنما هي هذا كله على شرط استخدامه في الإصلاح والتعمير والبناء، وتحقيق المنهج الذي رسمه الله للبشرية كي تسير عليه وتصل عن طريقه إلى مستوى الكمال المقدر لها في الأرض اللائق بخليقة أكرمها الله.
إن الاستخلاف في الأرض قدرة على العمارة والإصلاح، لا على الهدم والإفساد. وقدرة على تحقيق العدل والطمأنينة لا على الظلم والقهر. وقدرة على الارتفاع بالنفس البشرية والنظام البشري.
وهذا الاستخلاف هو الذي وعده الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات وعدهم الله أن يستخلفهم في الأرض - كما استخلف المؤمنين الصالحين قبلهم - ليحققوا النهج الذي أراده الله ويقرروا العدل الذي أراده الله ويسيروا بالبشرية خطوات في طريق الكمال المقدر لها يوم أنشأها الله.. فأما الذين يملكون فيفسدون في الأرض، وينشرون فيها البغي والجور، وينحدرون بها إلى مدارج الحيوان فهؤلاء ليسوا مستخلفين في الأرض، إنما هم مبتلون بما هم فيه أو مبتلى بهم غيرهم، ممن يسلطون عليهم الحكمة يقدرها الله».[9]
[1] فتح القدير2/235
[2] الظلال 3/1355
[3] أخرجه ابن أبي حاتم وابن مردويه، وصححه الرفاعي - تيسير العلي القدير 3/294
[4] رواية مسلم أن الله تعالى زوى لي الأرض ..... صحيح مسلم ۲۸۸۹
[5] تفسير القرطبي 7/4690
[6] تفسير القرطبي 7/4690
[7] تفسير القرطبي 7/4690
[8] الظلال 4/2528
[9] الظلال 4/2529
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل