العنوان الاستعمار الثقافي وصناعه المتغرب
الكاتب د. سليمان الخطيب
تاريخ النشر الثلاثاء 10-يونيو-1997
مشاهدات 85
نشر في العدد 1253
نشر في الصفحة 52
الثلاثاء 10-يونيو-1997
على القارئ الكريم ألا يتعجب من الربط بين التغريب -وهو مسألة معرفية ثقافية- وبين الصناعة التي ترتبط في وعينا بجوانب الحياة المادية والتقنية، والحقيقة أن الغرب لم يتوقف عن تآمره الفكري والثقافي على العالم الإسلامي بعد رحيله عسكريًا، بل بقي كغزو فكري يسعى إلى اجتياح الهوية الإسلامية، والسعي الدائم لترشيح القناعة بالبديل الغربي للحضارة والتقدم.
وفي سبيل تحقيق هذا الهدف استخدمت قوى التآمر كل الأدوات الممكنة لتحقيق التبعية الفكرية والثقافية للغرب، وجعل العالم الإسلامي في موقع الحاجة الدائمة للمركزية الغربية، ومن الأدوات التي استخدمها الغرب في سبيل تحقيق أهدافه، إيجاد مجموعة من السدنة الذين يقومون بدور الفكرية والترويج للنمط الحضاري الغربي بكل ما يحمل من ريح السموم في كافة الميادين التي يمكن اختراق الإسلام من خلالها، في الإعلام، في المؤسسات العلمية والتربوية، في المنتديات الثقافية ومواقع اتخاذ القرار، وغيرها، والحقيقة -كما يقول مالك بن نبي رحمه الله- إن الاستعمار يسدل دائمًا الظلام على عملياته في هذا الميدان، حتى يبقى مسيطرًا على الموقف، ولو كشفت الصدفة فجأة عن تفصيل من تفاصيل هذا الصراع، فسوف يبقى في إمكانه أن يسلم بهذا التفصيل للخصم، ويدخل الباقي في الظلام، كما تسلم الحية بجزء من ذيلها، وتدخل جحرها لتنجو بذاتها، ولا يمكن وصف بيت العنكبوت خصوصًا إذا كانت خيوطه تأتي من بعيد، وهذه هي حقيقة الصراع الفكري، وتلك هي لغته لغة صامتة ليس لها من معنى واضح إلا بالنسبة لمن عاش تجربة شخصية. (۱)
وإذا كان من مهام الفكر الإسلامي المعاصر رصد الظاهرة التغريبية في واقعنا من أجل كشف الأدوات والمناهج التي يستخدمها الخطاب التغريبي، وذلك حتى يكون خطابنا الإسلامي على مستوى المرحلة، فإننا نصبح في الواقع أمام مشكلتين: الأولى تتضمن كيف ننشئ أفكارًا فعالة في مجتمعنا، والثانية كيف يجب أن نفهم أسلوب الاستعمار في الصراع الفكري؟ حتى لا يكون له سلطانه على أفكارنا.
وأول الوسائل التي يستخدمها الاستعمار من أجل ترسيخ التبعية الفكرية، أنه يستعين بخريطة نفسية العالم الإسلامي، وهي خريطة تجري عليها التعديلات اللازمة كل يوم، يقوم بها رجال متخصصون، مكلفون برصد الأفكار.
إنه يرسم خططه الحربية، ويعطي توجيهاته العملية على ضوء معرفة دقيقة لنفسية البلاد المستعمرة، معرفة تسوغ له تحديد العمل المناسب لمواجهة الوعي في تلك البلاد حسب مختلف مستوياته وطبقاته. (۲)
وفي سبيل تحقيق هذا الاستيعاب لنفسية البلاد المستعمرة يستخدم الاستعمار سلاح الأفكار، وذلك لأن البداية من عالم الأفكار ستترك آثارها حتمًا على حركة المجتمع وتوجهاته، ولذلك يضرب الاستعمار كل قوة مناهضة له، تحت أي راية تجمعت، كما أنه يحول بينها وبين أن تتجمع تحت راية أكثر فعالية، وهذان الشرطان يحددان استراتيجية الاستعمار في الصراع الفكري، إنه يحول بين الفكر والعمل السياسي حتى يبقى الأول غیر مثمر والثاني أعمى. (۳)
ويشير «مالك بن نبي» في هذا الصدد إلى أسلوب خطير من أساليب الاستعمار الثقافي هذا الأسلوب يتعلق بظاهرة «البعثات الطلابية» التي تقوم بالدراسة في العالم الغربي، وكلنا نعلم أن جل رموز التغريب العرب، قد درسوا في جامعات الغرب، أو عايشوا الحياة الغربية عبر العديد من المستويات، ثم حاولت أن تتبنى فلسفات وثقافات الغرب في مشروعاتها الفكرية وبرامجها الثقافية، وقد فطن الاستعمار إلى هذا المنزلق منذ وقت مبكر استطاع من خلاله القيام بإعداد وتكوين مثقف المستعمرات المتغرب، وبذلك يتم تكريس التوجه الغربي من خلال أبناء البلاد المستعمرة، وكان ذلك الأسلوب جزءًا من الاختراق الثقافي للعالم الإسلامي، لا نستطيع أن ننكر نجاح الغرب فيه إلى حد كبير.
ومن مصلحة الاستعمار الثقافي أن يضفي على وسائله أكبر قدر من الغموض الذي ينطلي على كثير من النخب التي تدعي الوعي، وذلك حتى يتمكن من فرض ثقافته وطموحاته بعد أن أحاط تنفيذها بالحيطة والكتمان حتى تؤتي ثمارها، وفي هذا الصدد يقول بن نبي: إن الغموض يكون العنصر الأساسي الذي يميز الصراع الفكري في البلاد المستعمرة، وهذا المبدأ يفضي بأن لا يكشف الاستعمار النقاب عن وجهه في المعركة إلا إذا لم تترك له الظروف حيلة، فهو دائمًا أو غالبًا يستخدم قناع «القابلية للاستعمار». (٤)
ويترتب على مبدأ الغموض -ضمن وسائل الاستعمار الثقافي- المبدأ الثاني والناتج عن الأول، في حيز التطبيق وهو مبدأ الفعالية، إن هدف الاستعمار لا يتعلق في الأساس بذات شخص معين، ولكن بأفكار معينة يريد تحطيمها أو كفها، حتى لا تؤدي مفعولها في توجيه الطاقات الاجتماعية في البلاد المستعمرة، ومهما يكن من أمر فإن مبدأ الفعالية يقتضي من الاستعمار -وبوجه التفصيل- عزل المكافح الذي يواجه المستعمر في حلبة الصراع الفكري عن جانبيه: أولًا- أن ينفر من أفكاره الرأي العام في بلاده بجميع الوسائل الصالحة لذلك، ثانيًا- أن ينفره هو نفسه من القضية التي يكافح من أجلها بأن يشعره بعبث كفاحه. (٥)
وبهذه الوسائل استطاع الاستعمار أن يضمن ذلك اللون من ألوان الهيمنة عن طريق «صناعة المتغرب» من أبناء المستعمرات، ذلك الفن الذي برع في الغرب، واستطاع من خلاله توجيه العديد من رموز العمل الفكري والثقافي في العالم العربي والإسلامي، لتبني النمط الحضاري الغربي، ويعزي مالك هذا السقوط لنخب الأمة ومثقفيها إلى غياب الوحدة الفكرية بين عقول الأمة، وهي سبب من أسباب متعددة يؤدي إلى هذا القدر من الاستلاب الفكري، ولكن ماذا يفعل الاستعمار كي يخنق الأفكار؟ ماذا يفعل عندما تعطيه مراصده إشارة عن ظهور فكرة؟ كيف يتصرف ليحول بينها وبين المجتمع الذي يحاول صاحبها نشرها فيه عندما يرتفع الستار عن حدث في الصراع الفكري؟ فإن هذا الحدث يبدأ كمسرحية ذات شخصيات خمسة، فكرة كشفت عن وجودها المراصد المختصة بالصراع الفكري، وشعب يجهل دخولها على المسرح، وقيادة تتجاهلها، وصاحبها الذي يحاول تبليغها، والاستعمار الذي يحاول خنقها، والاستعمار يدبر مكائده عن معرفة تامة بالنفس المسلمة، فهو يعرف النقص الذي يمنع عقولنا من أن يضع بين الوقائع الارتباط اللازم الذي يجعلنا نضعها تحت قاعدة موحدة، ونستخلص منها حقيقة عامة، هذا النوع من النقص الذي يتجه إلى اعتبار الوقائع والأحداث مجزأة منفصلة فردية دون أي رباط معنوي بينها، كأنما هي في مجموعها لا تكون وحدة معينة، أي حلقة من التاريخ وفصلًا من فصوله. (٦)
وفي غياب الوعي بهذا الخلل المنهجي في عالم الأفكار تضيع جهود متعددة في فكرنا الإسلامي المعاصر، ولذلك تستغل المراقبة الغربية هذا الخلل المنهجي في جهودنا، فتعمل كل جهودها، وتسخر إمكاناتها في سبيل تنمية هذا الخلل وتصعيده.
والمطلوب في ظل هذا التخطيط الماكر الذي يقوم به الاستعمار الثقافي أن نعيد قراءة جهودنا الفكرية الإسلامية في ضوء الوعي بأدوات الهيمنة ووسائل الاختراق التي تتجدد في كل يوم تسطع فيه شمس الإسلام.
الهوامش:
1- مالك بن نبي: الصراع في البلاد المستعمرة: ص124: بيروت: دار الفكر، والمعروف أن هذا الكتاب لمالك يعد من أهم المؤلفات التي ظهرت في الفكر الإسلامي المعاصر في إطار تحليل وسائل الاستعمار في فرض هيمنته الفكرية، وفرض نمطه الحضاري على الشعوب المستعمرة.
2- المرجع السابق ص ۱۹.
3- نفسه: ص۲۹.
4- والمقصود استغلال الاستعمار للاستعداد الكامن في الشخصية المستعمرة، عندما تضعف عقيدتها.
5- الصراع الفكري ص ٣٧.
6- نفسه: ص47-49.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل